بين العقوبات والانهيار..هافانا تواجه أخطر أزمة منذ عقود


“برقية”: ترجمة بتصرف

أما الاتهامات الجنائية ضد راؤول كاسترو، طبقاً لتغطية صحافية نُشرت في كل من مجلة الإيكونوميست، وصحيفة الواشنطن بوست، فهي ليست مجرد ملف قانوني، بل تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الولايات المتحدة باتت تعتبر القيادة الكوبية هدفاً مباشراً. ويعزز ذلك تصاعد النشاط العسكري الأميركي قرب الجزيرة، وفرض العقوبات على مجموعة “غايسا” التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الكوبي والنفوذ المالي لعائلة كاسترو!.
وحسب التقريرين فإنّ واشنطن تستغل الانهيار الاقتصادي غير المسبوق داخل كوبا. فالبلاد تعاني نقصاً حاداً في الوقود والغذاء، وانهياراً في الخدمات الأساسية، وانقطاعات كهربائية طويلة، بينما تتزايد الاحتجاجات الشعبية بصورة لم تكن مألوفة في العقود الماضية. وهذه الظروف تمنح الإدارة الأميركية ورقة ضغط قوية، خصوصاً مع خوف النظام من انفجار اجتماعي واسع.

في المقابل، يبدو النظام الكوبي في وضع دفاعي معقد. فهو لا يستطيع بسهولة قبول المساعدات الأميركية لأن ذلك يعني اعترافاً ضمنياً بالفشل، كما أن رفضها قد يزيد الغضب الشعبي. كذلك لا توجد شخصية واضحة يمكن أن تخلف راؤول كاسترو وتضمن استقرار النظام، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الغموض.
وثمة قناعة متزايدة داخل الأوساط الأميركية بأن كوبا الحالية لم تعد قادرة على الاستمرار بالصيغة القديمة نفسها، وأن الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تدفعها إما إلى تسوية تاريخية مع واشنطن، أو إلى مواجهة داخلية خطيرة قد تعيد رسم مستقبل الجزيرة بالكامل.
قلة قليلة كانت تعتقد أن الرئيس ترامب سيتمكن من الإطاحة بالرجل القوي في فنزويلا، نيكولاس مادورو، الذي يقبع اليوم في زنزانة بسجن في بروكلين. وعدد أقل ما زال يأخذ بجدية احتمال اعتقال راؤول كاسترو، الزعيم الشيوعي البالغ من العمر 94 عامًا، والذي يُعد الرجل الأقوى في كوبا، بعدما أدخل شقيقه الراحل فيديل كاسترو الشيوعية إلى الجزيرة في ستينيات القرن الماضي. لكن بعد أن أصدرت وزارة العدل الأميركية في ميامي، يوم 20 مايو، اتهامات جنائية بحق كاسترو، بدا هذا الاحتمال غير مستبعد.

وتتهم لائحة الاتهام راؤول كاسترو بإصدار أوامر بإسقاط طائرتين تابعتين لمنظمة “إخوة الإنقاذ”، وهي جماعة منفيين مقرها ميامي، عام 1996، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص. وكان كاسترو حينها وزيراً للدفاع في كوبا. وقد أصبح لاحقاً رئيساً للبلاد والأمين الأول للحزب الشيوعي، قبل أن يعلن تقاعده رسمياً عام 2021، لكنه ما يزال القائد الفعلي للبلاد، إذ لا يُتخذ أي قرار كبير من دون موافقته، بما في ذلك أي اتفاق محتمل مع ترامب ووزير خارجيته الأميركي الكوبي الأصل ماركو روبيو، وكلاهما مصمم على فرض تغيير في كوبا.
ورغم أن الاتهامات الموجهة إلى كاسترو تختلف عن تلك التي وُجهت إلى مادورو، فإن الاستخدام السياسي للقانون يبدو متشابهًا. والآن تقول واشنطن إن كوبا، التي تبعد 145 كيلومتراً فقط عن فلوريدا، تشكل خطراً على الأمن القومي بسبب تحولها إلى دولة فاشلة، ودعمها للصين وروسيا، وتدفق المهاجرين منها.
ورغم أن تنفيذ عملية شبيهة بما جرى في فنزويلا قد يبدو متطرفاً، فإن الكوبيين لم يعودوا يستبعدون احتمال قيام أول عمل عسكري أميركي ضد الجزيرة منذ ستة عقود. ويبدو أن النظام نفسه يضخم هذا الاحتمال، إذ يتلقى المدنيون تدريبات عسكرية، فيما توزع القوات المسلحة منشورات تشرح كيفية الاستعداد للحرب. وقد حذر الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل من أن أي هجوم سيؤدي إلى “حمام دم لا يمكن تصور حجمه”

من جانب آخر يشير تقرير الإيكونوميست إلى أن الوضع الاقتصادي في كوبا بات كارثياً. فالعقوبات على “غايسا” قد تكون مؤلمة للغاية، إذ تقدر إيرادات المجموعة بأكثر من ثلاثة أضعاف ميزانية الدولة. كما أن شركات شحن كبرى مثل (هاباغ لويد) الألمانية و(سي إم إيه سي جي إم) الفرنسية علقت تعاملاتها مع كوبا.
وفي بلد يستورد نحو 70% من غذائه، قد تكون النتائج مدمرة. فقد أعلنت وزارة الطاقة الكوبية نفاد وقود محطات الكهرباء، فيما تصل ساعات انقطاع الكهرباء في هافانا إلى 22 ساعة يوميًا، وأصبح الغذاء نادرًا والخدمات شبه منهارة.
وطبقاً للواشنطن بوست كانت هيئة محلفين فيدرالية كبرى في مدينة ميامي الأميركية، قد وجّهت لائحة اتهام ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، في محاولة لتحميله المسؤولية عن مقتل أربعة أشخاص عام 1996، ثلاثة منهم أميركيون، إثر إسقاط طائرتين مدنيتين. وأعلنت وزارة العدل الأميركية تفاصيل الاتهام في ميامي، التي تُعد مركز الجالية الكوبية المعارضة للنظام الشيوعي في كوبا. ومن غير المرجح أن يتم تسليم كاسترو إلى الولايات المتحدة للمثول أمام القضاء، ما يجعل الاتهام ذا طابع رمزي إلى حد كبير، ما لم تتخذ واشنطن إجراءات أكثر تشدداً لإخراجه من كوبا.

وفي يوم إسقاط الطائرتين، قالت المنظمة إنها كانت تبحث عن مهاجرين كوبيين يحاولون الفرار عبر مضيق فلوريدا، عندما قامت القوات الكوبية بإسقاط الطائرتين. وأكدت تحقيقات عديدة آنذاك أن الطائرتين كانتا تحلقان فوق المياه الدولية.
وكان ترامب قد أعلن، خلال الأسبوع الأول من ولايته الثانية، حالة طوارئ وطنية تجاه كوبا، معتبراً أنها تشكل “تهديداً غير عادي واستثنائياً” بسبب تحالفها مع دول معادية للولايات المتحدة مثل إيران وروسيا والصين.





