تحقيق

عبدالسلام عارف ومحمود شيت خطاب: علاقة صداقة وأخوَّة روحيّة ربّانية..

        وتُعدّ العلاقة بين الرئيس العراقي المشير الركن عبدالسلام محمد عارف واللواء الركن محمود شيت خطاب واحدة من أكثر العلاقات دلالة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، لأنها جمعت بين قائد سياسي يحمل مشروعًا قوميًا ذا روح إسلامية، وضابط مفكر يُعدّ من أبرز العقول العسكرية العربية في القرن العشرين. لم تكن العلاقة بين الرجلين علاقة منصب أو بروتوكول، بل علاقة فكرية وروحية وإنسانية انعكست بوضوح على المؤسسة العسكرية العراقية خلال الفترة 1963–1966.

     لقد تميزت العلاقة بين الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف واللواء الركن محمود شيت خطاب، بكونها علاقة صداقة بل أخوة وثيقة قائمة على الثقة المتبادلة، والاحترام الشخصي، والزمالة العسكرية، حيث كان اللواء خطاب أحد أبرز الشخصيات التي قرّبها عارف خلال فترة حكمه. وفي أحد أحاديثه ذكر اللواء خطّاب أن الرئيس عبد السلام عارف كان يتصل به عند بداية الشهر ويقول له: (هل عندك رغبة بأن نقوم بجولة ربّانية؟).. فأذهب معه لوحدنا ويدخل إلى أخواته في بيوتهن ويعطي كل واحدة منهن مبلغا بسيطا من راتبه كمساعدة لهن على العيش . ويضيف خطّاب قائلا: ذهبتُ يوما لزيارة دار والده (الحاج محمد عارف البزاز) فوجدت الرئيس عبد السلام بنفسه هو من يُقدّم القهوة لي ولضيوفه لأن أهل البيت كانوا في خارج البيت.

     ولتحقيق طموحاته قرر الالتحاق بكلية الأركان والقيادة، ليتخرج فيها عام 1947 برتبة نقيب ركن، وبعد عام من تخرجه أتيحت له فرصة المشاركة في حرب 1948 لإيقاف التوسع الصهيوني في فلسطين.وعندما وافقت قيادته على طلبه بالانضمام إلى القوات العراقية المتجهة إلى فلسطين، شارك في معارك عدة هناك استبسل فيها، ومكث في جنين أكثر من عام ثم عاد إلى العراق.وواصل محمود شيت خطاب مهامه العسكرية، وشارك في 24 دورة تدريبية في العراق عام 1953، قبل أن يلتحق بالوحدات البريطانية في تدريبها الإجمالي بشمال أفريقيا.

أبرز ملامح هذه العلاقة:

أولا: الزمالة والثقة: عَرَفَ محمود شيت خطّاب الرئيس عبد السلام عارف منذ فترة وجودهما في الجيش العراقي، وقد ذكره خطّاب بأنه كان زميلاً يلمس فيه التعاطف، وتوطدت العلاقة أكثر عند لقائهما في سجن معسكر الرشيد أيام حكم الزعيم عبدالكريم قاسم.

ثانياً: التقريب والتوزير: عند تسلم عبد السلام عارف الحكم عام 1963، عمل على تقريب محمود شيت خطاب بسبب معرفته بأمانته وكفاءته، وأصر على إشراكه في المسؤولية، حيث تولى خطاب حقيبة وزارة البلديات.

ثالثاً: علاقة شخصية وروحية: وصف اللواء خطاب الرئيس عارف بـ”الصديق”، مشيراً إلى أنه كان يجمعه به “جولات ربانية” (زيارات اجتماعية) لزيارة أهله وأقاربه، وكان عارف يحرص على التواصل الشخصي معه.

رابعاً: علاقة فكرية وقومية:كلاهما آمن بأن الجيش العربي لا يمكن أن يكون قويًا دون عقيدة أخلاقية وروحية.خطاب كان يرى أن “القوة المعنوية نصف النصر”، وعارف كان يردد أن “الأمة التي لا تملك روحًا لا تملك مستقبلًا”. هذا التلاقي جعل خطاب قريبًا من الرئيس بوصفه مرجعًا فكريًا لا مجرد ضابط.

خامساً: علاقة مهنية – عسكرية: بعد انقلاب 18 تشرين 1963 وابعاد البعثيين وجد عبدالسلام انه بحاجة إلى ضباط قوميين معتدلين يثق بهم لذا وجد في محمود شيت خطاب شخصية محترفة، مستقلة، ذات قبول واسع، بعيدة عن الصراعات الداخلية، فأصبح خطاب أحد أهم المستشارين غير الرسميين لدى الرئيس عارف. وبشكل عام، كانت العلاقة بينهما نموذجاً لعلاقة رئيس دولة بقائد عسكري ومفكر اسلامي موثوق، حيث لم تكن محصورة في الجانب السياسي فقط، بل تعدتها للجانب الشخص.

سادساً: وساطة انسانية في قضية المفكر الاسلامي سيد قطب فقد ذكرت المصادر أن اللواء خطاب من خلال علاقته الوثيقة بالرئيس عارف وما يعرفه من علاقة الثقة والمودة بين الرئيسين عارف وناصر طلب منه التوسط لدى الرئيس المصري جمال عبد الناصر لإطلاق سراح المفكر سيد قطب، الذي مضى على اعتقاله في مصر عشر سنوات من (1954 الى 1964).  وهو ما استجاب له الرئيس عبدالسلام عارف وحرر رسالة شخصية بخط اليد الى الرئيس عبدالناصر والذي استجاب للوساطة واطلق سراح سيد قطب من السجن، والذي تم اعادة اعتقاله عام 1966 بقصة المحاولة الانقلابية والحكم عليه بالاعدام، وقد ارسل كل من الرئيس عبدالرحمن محمد عارف والمرجع الشيعي الاعلى السيد محسن الحكيم رسائل طلب استرحام لالغاء حكم الاعدام على سيد قطب الا ان الرسائل وصلت الى عبدالناصر بعد تنفيذ الحكم.

سابعاً: خطاب الاستقالة:رغم ثقة الرئيس عارف بمحمود شيت خطاب واعتماده عليه، الا أن الاخير تقدم بخطاب استقالة من منصبه الوزاري في عام 1964 ليتفرغ للتأليف والعمل العلمي وعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة ولجنة المصطلحات العسكرية العربية، وهو ما قبله عارف بتقدير، ومع ذلك ظل هناك تواصل بينهما، حيث اعتذر خطاب لاحقاً عن قبول منصب وزير المواصلات عام 1968 لرغبته في البقاء في القاهرة لتنفيذ أعمال علمية.

ثامناً أثر العلاقة على المؤسسة العسكرية العراقية: بفضل دعم الرئيس استطاع خطاب من ترسيخ “العقيدة العسكرية الأخلاقية وأن يعزز داخل الجيش مفاهيم:الانضباط القيمي، القيادة القدوة، الروح المعنوية، مركزية الأخلاق في السلوك العسكري، وأصبحت كتبه تُدرّس في الكليات العسكرية، خصوصًا بين العقيدة والقيادة والرسول القائد، ودعم التوجه القومي – الإسلامي للدولة.

إنّ وجود خطّاب قرب الرئيس أعطى هذا التوجه عمقًا فكريًا، فأصبح الجيش العراقي أقرب إلى نموذج “الجيش القومي المحافظ”.

   كان عبدالسلام محمد عارف ضابطاً قومياً، متديناً، شارك في حرب فلسطين، وكان من أبرز قادة ثورة 14 تموز 1958. تميّز بشخصية بسيطة، صادقة، وميل واضح إلى المزج بين القومية العربية والروح الإسلامية.

                     نهاية المرحلة وتأثير وفاة عبدالسلام عارف

    شكّلت وفاة الرئيس عبدالسلام عارف عام 1966 نهاية مرحلة مهمة في حياة محمود شيت خطاب، فابتعد بعدها عن المناصب التنفيذية، وتفرغ للتأليف والبحث، وأصبح رمزًا فكريًا أكثر منه ضابطًا رسميًا. يبدو أن العلاقة بينهما كانت علاقة مرحلة كاملة، لا مجرد علاقة شخصية.

     إن العلاقة بين اللواء الركن محمود شيت خطاب والرئيس عبدالسلام محمد عارف تمثل نموذجًا فريدًا في تاريخ العراق الحديث، لأنها جمعت بين الفكر والسلطة، وبين الأخلاق والسياسة، وبين العقيدة العسكرية والقيادة الوطنية. وقد ترك هذا التلاقي أثرًا عميقًا في المؤسسة العسكرية العراقية، وفي الوعي القومي العربي، وفي الأدبيات العسكرية التي لا تزال تُقرأ حتى اليوم.

    العلاقة بين الرجلين كانت أكثر من صداقة؛ كانت شراكة فكرية تركت أثرًا واضحًا في الجيش العراقي وفي مسار الفكر العسكري العربي، وما زالت تُقرأ اليوم بوصفها نموذجًا للتكامل بين القيادة السياسية والعقل العسكري.

مؤلفاته

   عرف الراحل بقدرته الفائقة على تأليف الكتب، وله عشرات المؤلفات تناول فيها قضايا عسكرية وتاريخية وإسلامية وأدبية متنوعة، وأنجز سلسلة تراجم لقادة الفتح الإسلامي.وبلغ إنتاجه الفكري أكثر من 126 مؤلفا، من أبرزها:

  • الرسول القائد
  • طريق النصر في معركة الثأر
  • الأيام الحاسمة قبل معركة المصير وبعدها
  • بين العقيدة والقيادة: الوجيز في العسكرية الإسرائيلية
  • حقيقة إسرائيل: دراسات في الوحدة العسكرية العربية
  • أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية
  • عدالة السماء
  • تدابير القدر
  • تاريخ جيش النبي
  • دروس عسكرية في السيرة النبوية
  • الإسلام والنصر
  • غزوة بدر الكبرى
  • المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم
  • العسكرية العربية الإسلامية

    وبالإضافة إلى مؤلفاته الكثيرة، كتب مئات الأبحاث والمقالات في معظم الصحف والمجلات العربية والإسلامية، وقدّم العديد من البرامج الإسلامية في مختلف الإذاعات.

    وبعد حياة حافلة بالكفاح والعلم والعمل، رحل في 13 ديسمبر/كانون الأول 1998 عن عمر ناهز 79 عاما، في منزله بحي اليرموك بالعاصمة العراقية بغداد، ودفن فيها.

   خاتمة

    إن العلاقة بين اللواء الركن محمود شيت خطاب والرئيس عبدالسلام محمد عارف تمثل نموذجًا فريدًا في تاريخ العراق الحديث، لأنها جمعت بين الفكر والسلطة، وبين الأخلاق والسياسة، وبين العقيدة العسكرية والقيادة الوطنية. وقد ترك هذا التلاقي أثرًا عميقًا في المؤسسة العسكرية العراقية، وفي الوعي القومي العربي، وفي الأدبيات العسكرية التي لا تزال تُقرأ حتى اليوم.

   لقد استطاع اللواء الركن محمود شيت خطاب أن يبرهن للجميع أن الضابط المتدين حريّ بالتفوق وجدير بالاحترام…

    من قرارات وزير البلديات محمود شيت خطاب المنسية*  

  من نوادر قرارات الأستاذ اللواء محمود شيت خطاب عند تولّيه وزارة البلديات انه اصدر قرارا استنادا لخلفيته كعالم في اسرار اللغة العربية انه اصدر قراراً باستبدال تسمية مدينة الثورة ومدينة الشعلة كالاتي:

مدينة الثورة أبدل تسميتها الى مدينة الرافدين لان اسم الرافدين أعمق في المعنى من اسم الثورة. اما مدينة الشعلة فقد أبدلها الى تسمية مدينة النور، لأن الشعلة ترمز للوثنية وعادات الفرس القديمة بعبادة شعلة النار، ولكن بعد خروجه من الوزارة عاد الاسمان كما كانا لانهما رسخا في التعامل لدى الناس مثلما ابدلت امانة العاصمة في الثمانينات تسمية الباب المعظم الى اسم ساحة المقاتل العربي. لكن التسمية القديمة رسخت في تعامل الناس.

مقالات ذات صلة