نحو اصطفاف وطني واسع مناهض لـ”سلطة الاسلام السياسي”.. (الجزء الثاني والأخير)..





تسلّم البعث السلطة في العراق مرتين، المرة الاولى كانت عام 1963 وقد كانت بحق نقطة سوداء مظلمة في تاريخ البعث والعراق مارس فيها البعثيون كل انواع التنكيل والاضطهاد بمعارضيهم لا من الشيوعيين فحسب بل من كل الديمقراطيين والقاسميين والوطنيين ومن لا يتفق معهم ويمالئهم وانتهت التجربة بعد حوالي تسعة شهور على يد شريكهم في الانقلاب عبد السلام عارف لينقسم على اثرها الحزب الى جناحين يميني ويساري يحكم علاقتهما العداء والتخوين والمرة الثانية التي تسلّم فيها البعث السلطة كانت عام 1968 بتحالف بينهم وبين عبد الرزاق النايف مدير الاستخبارات العسكرية قبل الانقلاب وابراهيم الداوود ويقال ان كليهما كان عليه اكثر من علامة استفهام ؟


ابتدأ البعث فترة حكمه الثانية بشكل مغاير لتجربته الاولى في عام 1963 فلم يبادر لتصفية معارضيه فورا ومرة واحدة وبشكل علني انما بدأ بسلسلة من الاغتيالات والتصفيات الفردية التي كانت تسجل ضد مجهول قبل ان يوكل لناظم كزار ادارة الامن العام ويتخذ من قصر النهاية مركزا لاعتقال وتعذيب المعارضين من مختلف الاتجاهات ليكون مصير هؤلاء محصورا بين التصفية الجسدية أو التسقيط السياسي و في احسن الاحوال يصار الى اطلاق سراحهم بعد ان يذوقوا مرارة التعذيب الرهيب الذي يوصلهم الى حافة الموت فيخرج واحدهم محطما مجللا بالخوف والقنوط.
على ان اهم ما ميز الفترة الثانية من حكم البعث هو بروز ظاهرة القائد الفرد والزعيم الاوحد الذي استطاع تدريجيا ان يختصر الحزب في شخصه فيستبدل الولاء للحزب بالولاء له فلم يعد كافيا ان يكون العراقي بعثيا ليسلم على ريشاته وانما صار الولاء لشخص القائد وطاعة حاشيته وعائلته هو الطريق المضمون للصعود والعمل في المراكز المتقدمة لادارة الدولة والنجاح والحد الفاصل بين الحياة والموت احيانا.

كان صدام قد بدأ بعيد وصول البعث للسلطة وبحكم ادارته للجهاز الامني للحزب بتصفية بعض قيادات البعث التاريخية التي كان يمكن ان تقف عائقا في طريق تحقيق مشروعه بالوصول للزعامة والانفراد بها ثم استمر بعدها بتصفية الشخصيات القيادية العاملة التي يمكن ان تشكل منافسا له او تلك التي اعتقد انه من الصعب استمالتها فكانت مؤامرة ناظم كزار( المثيرة للجدل ) حلقة مهمه في هذا الامر حيث استطاع من خلالها تصفية كزار نفسه باعتبار واحدا من اهم مراكز القوى التي بدأت تنافس سلطته والاهم من ذلك انه استطاع ان يحشر اسم عبد الخالق السامرائي وهو الشخص الجدير حقا بالزعامة بنظر معظم البعثيين ليكون ضمن قائمة المتآمرين فيودع السجن الانفرادي ثم ليتم تصفيته لاحقا ..

على ان النقطة الفاصلة في تاريخ البعث تمثلت في أحداث قاعة الخلد التي ابتدأ بها صدام حكمه حيث تمت تصفية اغلب قيادات وكوادر الحزب التاريخية والمهمة والعاملة بذريعة التآمر…. حينها ادرك اغلب البعثيين ان الصورة التي كانت في أذهانهم عن الحزب ومبادئه وتقاليده التنظيمية أو ما تبقى منها قد انتهت عمليا وتبخرت وقد كان هذا السيناريو مشابها الى حد ما للسيناريو الذي استخدمه الاسد من قبل في سوريا لتصفية رفاقه في القيادة ومصادرة سلطة الحزب لصالح سلطة القائد والزعيم الاوحد .. في اعتقادي ان احداث قاعة الخلد وسلسلة التجاوزات والمظالم المتراكمه قبلها التي طالت كل العراقيين ووصلت الى البعثيين انفسهم أحدثت صدمة اعادت الوعي الغائب لكثير من مثقفي البعث الذين غضوا النظر عن كثير من التجاوزات بحق الشعب وجعلتهم يعيدون النظر في كثير من قناعاتهم ومواقفهم ويمتلكون فهما مختلفا لطبيعة الحزب ودوره والعلاقة بينه وبين الناس وقد تعمق هذا الامر بعد سقوط الستالينية في الاتحاد السوفيتي عام 1991 خاصة وان البعث كان قد استعار وتحجج بكثير من تقاليد الاحزاب الشيوعية الستالينية في حياته الداخلية وسلوكياته ومواقفه من السلطة والمعارضة

امتد حكم البعث في الفترة الثانية لمدة ناهزت خمسة وثلاثين عاما شهدت السنوات العشر الاوائل منها وهي الفترة التي سبقت تسلّم صدام السلطة بعض النجاحات في التعليم والصحة وكان تأميم النفط الحدث الاكبر الا أن سياسة التبعيث الاجباري ومطاردة العراقيين المشكوك في ولائهم وتضخيم دور الامن والمخابرات في المجتمع والدولة صادرت كل الانجازات وافرغتها من مضمونها جاء ذلك بالتزامن مع هيمنة عائلة صدام وعشيرته على المناصب الامنية والمفاصل العسكرية المهمة وانفراده بالقرارات السيادية المهمة ودخوله في حرب الثماني سنوات مع ايران ثم لاحقا باجتياحه للكويت في الثاني من اب عام 1992 … خلال هذه الفترة الطويلة نسبيا صار البعث جزء من واقع العراقيين تعايشوا مع ادارته للدولة ومع فكره واهدافه ونظريته السياسية.

إن طول فترة حكم البعث بالعراق وفرض التبعيث كشرط للدراسة و التوظيف والعمل في بعض المؤسسات الرسمية فرضت على كثير من الكفاءات الوطنية سواء في الادارات والدوائر المدنية او في الجيش الانتماء للبعث فضلا عن ان هناك اصلا كثير من الشخصيات الوطنية كانت قد وجدت في البعث تعبيرا عن طموحاتها في تحقيق الوحده العربية وتحرير فلسطين فانحازت اليه حتى قبل ثورة تموز عام 1958 أو في الفترة التي تلت ذلك… كانت الساحة العراقية بكل مفاصلها تزخر بامثال هؤلاء الذين لا يستطيع احد ان ينكر وطنيتهم ومحبتهم للعراق الذين لم يجدوا في شعارات البعث واهدافه وكتابات منظريه ما يعاب أو ما يخجل منه فالوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان ساميان حتى بنظر من يختلف مع البعث أو يناوئه.
الخطأ الوحيد الذي ارتكبته بعض القيادات البعثية الشريفة والمخلصة لمبادئها انها سكتت وغضّت الطرف عن سياسة الاضطهاد التي ابتدأت بها قيادة حزبهم ( البكر وصدام ) ومارسته بحق بقية القوى الوطنية والسياسية الاخرى في السنوات الاولى التي أعقبت تموز 1968 ورغم ان قسماً كبيراً من مثقفيهم كانوا يعترضون في دواخلهم على هذه السياسة الا أن القصور الفكري والسياسي والتنظيمي السائد فضلا عن الخوف أوهمهم أن طاعة قيادة الحزب وتأييدها في كل سلوكياتها وسياستها موقف مقدس يفرضه الانتماء الحزبي وعليه ان يقتنع شاء أم ابى.

كان حزب البعث جزءاً من جبهة الاتحاد الوطني التي تكونت عام 1957 وضمت بالاضافة اليه الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال واستنادا الى شهادات الرعيل الاول من البعثيين فقد ساعد الشيوعيون العراقيون حزب البعث في بداياته ودعموه وقاموا بطباعة منشوراته الحزبية وتدريب كوادره على الطباعة. يذكر الشاعر الشيوعي رشدي العامل في شهادته ان صديقه البعثي المرحوم شاذل طاقة كان يسلمه بين حين واخر تبرعا للحزب الشيوعي العراقي .. اما ما ينقله رفاق عبد الخالق السامرائي ومعاصروه عن سلوكه ودعوته لتأسيس نظام برلماني جامع لكل القوى الوطنية والقومية يكون فيه لصناديق الانتخاب القول الفصل في اختيار الحكومة فهو فهم رائع ومتقدم لشكل الدولة التي كان العراقيون ومازالوا يطمحون باقامتها.

خلاصة القول إنّ منظومة الحكم البعثية ومنذ عام 1963 لم تحسن في تعاملها مع العراقيين بمختلف انتماءاتهم وكان صدام حسين الذي حكم العراق باسم البعث وخرج من بين ظهرانيه واحد من اكثر الحكام اجراما وبشاعة في التاريخ لم يستثن أحدا او جماعة في ظلمه بمن فيهم البعثيون انفسهم.
لست بعثيا ولا أميل للفكر القومي الا بقدر الدفاع عن الحق بالوجود والحرية والمساواة مع الامم والشعوب الاخرى ولكني لا استطيع أن انكر ان هناك رجالا من البعث ينضحون وطنية وعلماً وحباً صادقاً لشعبهم وامتهم جديرون بالاحترام والذكر الطيب فهل يستطيع أحدٌ أن ينكر على صاحب شرق المتوسط عبد الرحمن منيف وهو البعثي النشأة إنسانيته وصدقه ؟ وهل يستطيع أحد ان لايذكر شاذل طاقة أو عبد الخالق السامرائي أو صلاح عمر العلي أو جعفر المظفر أو احسان وفيق السامرائي واخرين كثيرين بالاحترام والتقدير ؟؟؟؟

لقد قدم البعث نموذجا جميلا في العمل الوطني المشترك في واحدة من اهم تجارب الحكم الناجحة في الوطن العربي فقد اندمج حزب الطليعة الاشتراكية اليمني( البعثي ) بقيادة عبد الله باذيب مع الجبهة القومية(حزب قومي ذو جذور ناصرية ) وحزب الاتحاد الشعبي( الماركسي) لتشكيل الحزب الاشتراكي اليمني الذي قاد تجربة حكم متقدمه كان ومازال يشار لها رغم كل ما حدث لاحقا من صراعات داخلية ورغم فقر اليمن الجنوبي وشحة امكانياته الاقتصادية … على ان تجربة البعث الديمقراطي التي اطلقها البعثي السوري ابراهيم ماخوس وتبنيه للماركسية يؤكد ان في البعث تياراً وطنياً تقدمياً يسارياً مناهضاً لليمين القومي الرجعي الديكتاتوري.

يذكرني قانون اجتثاث وتجريم البعث بمناهضة وادانة المتشككين بالرواية الصهيونية في الغرب أو بتجريم المتشككين بالموروث الديني او تجريم الشيوعية ابان حكم نوري السعيد وكأن زرع الافكار والقناعات أو مسحها يتم بالقوة أو انها إبرة دواء او لقاح تحقن للمعارضين .. انها في الحقيقة اعادة تدوير للمفهوم الفاشي الصدامي— كل العراقيين بعثيون وان لم ينتموا .. لم يتمكن صدام من نحت افكار الناس بالقوة والتجريم فهل يتصور اصحاب الحل والعقد الان انهم قادرون على الحصول على نتائج مغايرة من خلال قانون اجتثاث البعث.
أمر مؤسف حقا ان يتطلع العراقيون لامريكا لتخلصهم من النظام اللصوصي الطائفي المتفسخ وهي التي من جاءت بهذا النظام بل والتي كانت وراء كل النكبات التي احاقت بالشعب العراقي وكل شعوب المنطقة على ان الامر الاكثر رثاثة هو هذا اللهاث الذي يبديه بقايا البعث الصدامي في محاولة ارضاء واستجداء الامريكان للرجوع للسلطة.

حكى لي احد الشيوعيين القدماء يقول اثر انقلاب 8 شباط 1963 والضربة التي تعرضت لها تنظيمات الحزب الشيوعي واعتقال اغلب الكوادر العاملة انه بادر شخصيا ومن تلقاء نفسه باعداد بيان يحمل اسم اللجنة المركزية وقام بطباعته واستنساخه وتوزيعه مع عدد قليل من رفاقه بغية بث روح الامل والصمود والمقاومة رغم انه لم يكن الا عضواً عادياً في الحزب … لا ادري ما بال احبتنا من البعثيين الشرفاء المعارضين للنهج الصدامي ان لا ينبري أحدهم أو بعضهم فيصدر اعتذارا صريحا للشعب العراقي يستنكر ما قام به صدام من جرائم باسم البعث وباسمهم انذاك ويؤكد فيه الصورة الوطنية الصادقة لبعث جديد يؤمن بالديمقراطية واحترام حرية التعبير … الا يستحق الشعب العراقي منهم مثل هذا الاعتذار ؟.. الا يحرص هؤلاء ( البعثيون الشرفاء ) على الصورة التي رسمها واحدهم عن البعث في خياله الثوري والانساني الصادق والتي كانت الدافع في انتمائه للبعث ؟ ألا يتمنون استعادة البعث بعد ان سرقه صدام وعائلته وزبانيته منهم فيقطعون الطريق امام بقايا النظام الصدامي الساعي لتدوير نفاياته باسم البعث مرة اخرى ؟ الا يطمح هؤلاء لدعم الحراك الوطني والشعبي الهادف لانتشال العراق من المستنقع الطائفي الرجعي الآسن ؟. إنَّ دعم وبناء قاعدة حزبية وطنية متعددة مناهضة للاستعمار و النفوذ الاجنبي . هو السبيل الوحيد لاستعادة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية وفي هذا الصدد فان الساحة بحاجة الى كل التيارات الوطنية والديمقراطية شيوعيين بكل اتجاهاتهم، اشتراكيين ديمقراطيين، ليبراليين وطنيين بكل صورهم, مستقلين، قوميين تقدميين , بعثيين مناهضين للصدامية والديكتاتورية .. اسلاميين علمانيين يرفضون الدولة الدينية والمحاصصه والتبعية.
في شهادته مع الاستاذ حميد عبد الله يشير الضابط البعثي سليم الامامي انهم اي البعثيون يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية بسكوتهم على تجاوزات صدام منذ البداية !!! الان وقد ولى صدام الى الابد لم يعد السكوت في رأيي مقبولا بعد كل هذه المدة فالسكوت يعني واحدا من ثلاثة، إما أن هذا البعثي مازال متمسكا في قرارة نفسه بصدام والحقبة الصدامية وينظر اليها رغم كل شيء باعتبارها فصلا مجيدا من تاريخ البعث الذي ينتمي اليه لا يجوز الاساءة اليها وذمها رغم جرائمها وسيئاتها وامثال هذا هم من يساندون البعث الصدامي الذي ينشط على الساحة ماداً ذراعه للامريكان والرجعية العربية أو انه ذلك البعثي الذي ما برح مترددا ومكابرا بانتظار ما يُسفِر عنه غبار الاحداث ليتغير الحال فيخلص من ورطة الاعتذار اما القسم الثالث والاخير فهم البعثيون الشرفاء المثقفون و المعارضون للصدامية وكل اشكال الديكتاتورية ممن تملكهم الاحباط واليأس الى الحد الذي بدا واحدهم انه غير معني بأي شيء فانطوى على نفسه متحسرا حاله حال العراقيين الشرفاء على عمره واحلامه التي صادرها صدام والامريكان.

زبدة الكلام إنّ هناك تياراً شعبياً مؤيّداً للبعثيين والمشروع القومي في الشارع العراقي وهذا الامر واضح لا يمكن انكاره وان من مصلحة العراق الوطنية ان ينحاز هذا التيار ويتم كسبه لبعث وطني ديمقراطي شريف معاد للصدامية والديكتاتورية يعمل مع كل القوى الوطنية والعلمانية الاخرى لاستعادة العراق بدل ان يصار الى استغشامه وتجنيده من قبل البعث الصدامي المشبوه والذي يستجدي الامريكان ودول الخليج للعودة .. ان مسؤولية هذا الامر تقع بالدرجة الاولى على عاتق (المجموعة الثالثة ) من شرفاء البعثيين الرافضين للصدامية والديكتاتورية والعمالة من خلال تجميع انفسهم واصدارهم بيانا يدينون فيه التجربة الصدامية ويحذرون من اعادة إحيائها مرة اخرى ويبشرون بولادة بعث وطني ديمقراطي يساهم مع القوى الاخرى في استعادة سيادة العراق وحريته ( دون ان يعني هذا التزامهم بالعودة للنشاط السياسي فهذا الامر خيار شخصي ).
بهذا وحده يتمكن العراق من كسب هذا التيار بل وكل العراقيين واقناعهم بان صدام ومن جاء ليحكم العراق بعد السقوط بنفس الدرجة من السوء وان المعارضة الحقيقية لتجربة الاسلام السياسي ومحاولة التغيير لا تتم بالارتداد الى التجربة الصدامية وانما بتاسيس مشروع وطني جديد يكون مقبولا من كل الشعب العراقي بكل قواه الوطنية العلمانية والمدنية والرافضة لاستخدام الدين للعمالة وسرقة ثروات الشعب العراقي ..
إنّ مثل هذا الموقف وهذا البيان سيشكل مرجعية سياسية يستند عليها الشباب المنحاز للبعث والفكر القومي وستساهم في دعم العمل الوطني الساعي للتحرر من التبعية واستعادة سيادة العراق واستقلاله ودعم وحدة ترابه الوطني وبناء دولة مواطنة ديمقراطية حرة في قرارها السياسي والاقتصادي خالية من القواعد العسكرية، ومناهضة للصهيونية ولكل اشكال التبعية .





