“شاعرُ المنفى”.. حامل جائزة سلطان العويس الثقافية لعام 2025 “الجزء الأول”





خفق قلبي في تلك اللحظة، ها هو الشاعر الكبير حميد سعيد أمامي بعد سنين طويلة لم أره فيها، منذ أن غادر بغداد مغادرة اضطرارية بعد ما يقرب من نصف عام على الاحتلال الأميركي للعراق. تبادلنا التحية والعناق، وكان أول ما لاحظته عليه أن الشيب غزا رأسه، وازداد وجهه الناعم بياضاً، ورقّت أصابعه المتناسقة، مما أضفى عليه هيأة تليق بشاعر عميق الاحساس عركته– وربما خذلته – التجارب المّرة والمحن القاسية، ولوَّعهُ الحنين إلى وطنٍ فارقه على كره، وتحمل جراء مفارقته الكثير من العنت، إذ قال ” غير أني أعدّ تلك المغادرة من أفدح أخطائي” .
وبعد الأسئلة التقليدية عن الصحة والأحوال، دعوته إلى المركز الإعلامي القريب، وهو مركز يقدّم خدماته الإتصالية للإعلاميين والصحفيين المشاركين في تغطية فعاليات المعرض، كما يوفر لهم ركناً للاستراحة وتناول الوجبات الخفيفة والقهوة والشاي. تردد أبو بادية في قبول الدعوة بادئ الأمر، إلى أن أوضحتُ له أن أغلب الإعلاميين الموجودين من الشباب الذين لم يروه سابقاً، وربما لم يسمعوا باسمه، وأنه لا بأس في أن نتحدث قليلاً على فنجان قهوة. قبل الدعوة أخيراً، وجلسنا مع عدد من الاصدقاء العراقيين القدامى نتبادل أطراف الحديث.

وكان لسان الرجل، كما عرفته وعرفه الجميع، عفيفاً لا يذكر أحداً بسوء، مهذب اللفظ، منتقىَ الكلمات، صادق المشاعر. يخلق بينه وبين جلّاسه علاقة دافئة ودودة لا يعكّرها غلوُّ الكلام، ولا ارتفاع الصوت، ولا الضحكة العالية. كلامه معتدل، وصوته أقرب إلى الهمس، وضحكته ابتسامة لا أحلى ولا أصدق. ومن يعرف حميد سعيد حق المعرفة لن يجد في وصفي مبالغة ولا مجاملة، وهو أقلّ مما يستحق .
مرّت الدقائق سريعة، وكان بودي أن أسمع منه الكثير، فحميد سعيد من طبقة الشعراء الموسوعيين المثقفين، قارئ نَهِم، تنطوي نفسه على كنوز من الأفكار الأدبية والفلسفية والنقدية والموسيقية والجمالية. وله رؤى مبتكرة في هذه الميادين، وفي نظراته إلى أسماء الأدب وروّاده ممن التقاهم أو قرأ لهم، فضلاً عن تجاربه أيام شغله مواقع أدبية مهمة، منها منصب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب. أتاح له ذلك الموقع، إلى جانب حضوره الإنساني وعلاقاته الشخصية، التعامل المباشر مع شعراء وروائيين ونقاد وناشرين وإعلاميين، وكونَ عنهم انطباعات جوهرية كنتُ أتوق لسماع بعضها منه مباشرة. ولم أكن أتوقع أن رغبتي تلك ستتحقق بصورة أخرى، سأحدّثكم عنها بالتفصيل .

في ذلك اللقاء الأول والأخير بعد 2003، والذي جاء مصادفة سعيدة نادرة، أهداني الشاعر كتابه الذي جلب منه نسخاً قليلة.اكتفيتُ حينها بقراءة الإهداء الذي خطّه قبل أن يناولني الكتاب. ومن عنوانه ” قال لي عبد الله ” خمّنت أنه ديوان أو قصيدة طويلة، لكني حين عدتُ إلى غرفتي في الفندق المطلّة على بحيرة خالد في الشارقة، وقلبت صفحات الكتاب الذي لم يتجاوز 143 صفحة من القطع المتوسط، فوجئت بأنه كتابٌ من جنس الامتاع والمؤانسة، حكايات متنوعة غير متسلسلة، لكن بدل أن يسامر التوحيدي الوزير أبا عبد الله العارض في سبع وثلاثين ليلة، صنع حميد سعيد لنفسه وزيراً من داخله وأسماه عبد الله، يسأله ويسامره، ويتبادلان الهواجس والأفكار، ويتكرر بينهما السؤال والجواب إلى حد الإرهاق. يقول الشاعر: ” وما كان لي إلا أن أعتاد تطفُّله، وأرتضيه شيخاً ومعلماً ومرجعاً، وقد أدّعي ما يقوله لي، فأنسبه لنفسي في أحاديثي حيناً، وفي ما أكتب حيناً آخر” .
التجأ حميد سعيد إلى أبي حيّان التوحيدي، أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، ليجد له من نفسه سميراً لا وزيراً. وأنت كقارئ لا تعرف من الشيخ ومن المريد، على الرغم من تصريح الشاعر بأنه المريد، وان عبد الله هو الشيخ، لكنك ترى في سياق الإمتاع والمؤانسة اختلاط الشيخ بالمريد، والمريد بالشيخ . فقد بلغ الشاعر من الرقة والتهذيب، ما يجعله مترفعاً عن اصدار الأحكام الجارحة أو المتسرعة، فيلقي مسؤوليتها على شيخه عبد الله، ذلك ” الشيخ ” الذي لولاه لم تكن الكتابة لتتهيأ، ولا الخواطر لتتدفق من الذاكرة المتعبة.

فمن الشيخ ومن المريد يا أبا حيّان التوحيدي ؟ ! .
من مقهى ” فوانيس” في شارع الجاردنز في عمّان،حيث اتخذ حميد سعيد اعتكافه وعنوانه، تبدأ المؤانسة. كان يصل المقهى ساعة الافتتاح، ليجد على طاولته فنجان قهوة مرّة وكأس ماء بارد من دون أن يسأل النادل، يقرأ جريدته اليومية، ثم يبدأ الشيخ عبد الله بالولوج إلى طاولته وأفكاره في يوم شتائي، من أيام شهر كانون الثاني. تبدأ مؤانسة الشاعر لحظة توقفه عند مقالة بعنوان ” قول في شخصية الإنسان” جاء فيها إن ذاكرة الإنسان ليست حيادية، بمعنى إنها لا تنقل ما كان وما حدث، نقلاً آلياً أو موضوعياً، بل تتدخل في مجرى الأحداث، فتضيف ما تضيف، وتسقط ما تُسقط.
وبينما كان الشاعر يحاور ما جاء في هذه المقالة، اقترب عبد الله من طاولته، وقبل أن يجلس يبدأ الحديث عن علم النفس الذي يوسع مساحة الحواس التي لا تتسم بالموضوعية. ومن هذا اللقاء الصباحي الذي لم يكن هو اللقاء الأول بينهما، يبدأ الشاعر، من دون أن يلزم نفسه فيما سيكتبه ” من أقوال عبد الله ” بالتسلسل الزمني الذي جرت فيه، لكن الحديث يبدأ من علم النفس والفرق بين الإنسان الإيجابي والإنسان السلبي، مروراً بموقف المتنبي، حين جاءه وهو في الكوفة خبر وفاة خولة أخت سيف الدولة، واستذكاراً للشيخ الجليل الباحث المعاصر الشيخ محمود شاكر، مؤلف أهم كتاب في العصر الحديث عن أبي الطّيب، والذي: ” حاول أن يجد في شعر المتنبي وفي سيرته ما يحيل إلى علاقة حب بين خولة الحمدانية والشاعر العظيم”، ومن أمثلة أخرى تتوصل المحاورة السعيدية إلى قوة واستقرار وتفاؤل الشخصية الإيجابية: ” وهي أقرب إلى السعادة من نقيضتها، الشخصية السلبية التي تتميز بالضعف والهلع والتطّير، بل إن هذه الشخصية، يميل أصحابها إلى الحزن وتعذيب النفس” .
ولأن العراق لا يفارق الشاعر فقد داهمه عبد الله يوماً وهو يفكر بما حدث ويحدث في العراق، بفعل عدوانية المركزية الغربية، ومثل ذلك ما حدث في فلسطين ويحدث، وهذا الحال طالما قاده إلى أسئلة تتعلق بالفعل الحضاري لهذه المركزية العدوانية مع اعترافه بضخامة الإنجاز الحضاري الغربي التاريخي: ” غير أن مواصفات الحكام لم تتغّير من أباطرة أوربا إلى رؤساء أميركا، ومن نيرون حتى جورج دبليو بوش ” .

ويتدخل عبد الله كعادته في هذا الحوار مشيراً إلى أن انجازات الأوربيين للحضارة الإنسانية : ” لم تستطع ان تدفع حربين كونيتين مدمرتين، وقبلهما وبعدهما مئات الحروب الإستعمارية والتوسعية والممارسات الوحشية ضد الشعوب وأوطانها وخصوصياتها القومية والثقافية” . ويقاطع الشاعر شيخه عبد الله بالقول : ” يسمّي العملاق الإغريقي كازنزاكي، الهوة بين التقدم المادي وتراجع القيم في الحضارة الغربية المعاصرة ” الهوة المظلمة ” ولعل السيّاب من بين الذين أدركوا هذه الهوّة ، فواجهها بما يذكرنا بأدعية الشعر الرافديني القديم ” ، ثم تأتي الإشارة إلى اعتراف هنري ميللر، وهو رمز من رموز الإنجاز الحضاري الغربي المعاصر : ” نحن امة متسممة ، تعيش انحطاطها ” .
ويمضي الحديث بين الشاعر وشيخه باتجاه الديكتاتور الكوني الذي تحدث عنه ميللر، وهو الذي ينصبه الشعب الأمريكي ليمارس الجريمة الكونية، ثم يأخذهما الحديث إلى ما قاله همنغواي في تعليقه على فيلم ” الأرض الإسبانية ” عن الحرب الاهلية، والموت الذي يأتي لكل قرية، من السماوات المرتفعة، حيث لا مكان تهرب إليه، وهو قول يصح : ” على ما يحدث الآن في العراق، منذ الاحتلال الأمريكي، حيث الموت في كل مكان وفي كل وقت، وليس من انسان يعيش في العراق منذ احتلاله، إلاّ والموت يترصده، وهو في انتظاره ؟ “. فيعقب عبد الله : ” نعم، وهذا الوضع المأساوي، ليس سوى الهدية المركزية الغربية إلى العراقيين، هذه الهدية المسمومة التي تقود إلى التشكيك بقدرة الحضارة الغربية على بناء شخصية الإنسان السامي الذي لا يحمل الضغينة، تلك الشخصية التي حدثنا عنها أرسطو” . ثم يروي عبد الله درس ابن حزم الأندلسي في حضور اثنين من الجلساء، قد شغلا وظائف مهمة قبل احتلال العراق، وهو درس يتعلق بشهرة وذيوع كتابه ” طوق الحمامة” من بين تآليفه المهمة والذائعة، ويتعلق ذلك كله بالمبدع حين يتسلم مسؤولية، وهل سيذكره التاريخ مبدعاً أم مسؤولاً ؟ .






