ثقافة

ديوان شعري جديد يتأرجح بين حضور الغياب وغياب الحضور

             قصائد ومضامين

41 قصيدة في 100 صفحة تجمع في مضامينها بين العتب واللوم، والاشتياق، والتحدي، والاغتراب، ومشاعر الأمل، والانتماء، والوطن، والغياب، ومحاولات الاهتداء بين العتمة والضياء،والبوح الجهري تارة والروحي تارات أخرى،كل ذلك باختصار عنوان الديوان الشعري الجديد (حلم مبتور)  للشاعرة كوثر القريشي، وهو من منشورات دار جسد، بغداد، العراق، في طبعته الأولى لهذا العام.

            بداية وإهداء

بدأ الديوان بعبارة تقول: أنا إن كنت أنثر في بحور التيه أحرفي… ما لي غير أعينكم … فنار.

تلاه الإهداء الذي حمل عبارات :  أنا امتدادك … أنا شطر قصيدة جزلاء سَطَّرَها مدادك .. أبي.

الإهداء للأب لم يمنع الشاعرة من أن تعوض الأم بقصيدة في داخل الديوان تبدؤها وتنهيها بكلمة أمي، تقول فيها:

أمي.. يا ليتك .. لم تذهبي .. فالكون.. بعدك مختلف.. والحب بعدك.. عن مواضعه.. إنحرف.. والروح.. من فرط اشتياق.. لارتماء.. في رحابك.. ترتجف.. أمي

حلم مبتور

في قصيدة (حلم مبتور) تنشد الشاعرة كوثر القريشي:

قلبي الذي أسرى.. ذات عتمة.. في غياهب المسافات.. اللامتناهية.. أضحى خافت النبض.. ذابِلَهُ.. كما فراشة.. تسقط ألوان جناحها المهاجر.. لونا إثر لون.. روح أيامي المافتأت.. تغازل قطيرات الندى.. غَفَتْ فِي قُمْقُم.. دفأته يدي.. في أقاصي الجنوب.. ألا أيها الحلم المبتور.. قد أتعبتني مسيرة المنال.. فهل من يقظة؟

يدور موضوع هذه القصيدة حول تجربة الانكسار الداخلي الذي يتجسد فيه القلب ككائن مهاجر، ضعيف النبض، يواجه العتمة والمسافات اللامتناهية، في رحلة بحث عن حلم مفقود.

ابرز الصور الشعرية في القصيدة أربع: القلب، والفراشة، والقمقم، والحلم المبتور، فالقلب يتحول إلى مسافر في العتمة، ليكون رمزاً للروح التائهة، والفراشة التي تفقد ألوان جناحيها هي صورة بليغة عن التلاشي التدريجي للأمل، فيما يوحي القُمقم بالانحباس والاختناق، لكنه يحتفظ بدفء اليد كآخر ملاذ، في حين يختصر الحلم المبتور مأساة التطلعات التي لم تكتمل.

كان لاستخدام الشاعرة لكلمات وتكرار غيرها، وانتقالها من صور الى اخرى من أبرز ما ميز اللغة والإيقاع في قصيدتها، مثل: استخدام كلمات (غياهب، اللامتناهية، مبتور) يخلق جوًا من الثقل والظلمة، والتكرار لوناً في إثر لون يمنح الإيقاع إحساساً بالانحدار التدريجي، والانتقال من صور حسية (الفراشة، قطيرات الندى) إلى صور واقعية (الحلم، المنال) يعكس تصاعد التجربة من الملموس إلى المجرد.

لقد عكست القصيدة في بعدها الإنساني رحلة الإنسان مع الخيبة والأمل المقطوع، لكنها تترك سؤالًا مفتوحًا: فهل من يقظة؟، وهو نداء يتجاوز الذات الفردية ليصبح سؤالًا  عن إمكانية الخلاص، إنها نص يضع القارئ أمام تجربة إنسانية شديدة العمق، بين الانكسار والرجاء.

       عناوين ومعان

تضمن ديوان حلم مبتور قصائد مثل:(إنانا، أنا من أكون، صمت، عندما ينام الحلم، في حضرة طيفك، نجمة التيه، لم أعد أشبهني، قال لي الفنجان، حلم مبتور، شوق، توق، لا يشبه الحلم، كهف الأماني، أمي، أمل مستحيل، فالنتاين، سطوة الاشتياق، شعورك بالتورد) وغيرها..

وتسلط خلاصة عناوين القصائد قراءات تتجاور (إنانا) الأسطورة مع (أمي)الحنين، وفيها يطل (الحلم المبتور) بجانب(كهف الأماني)، ويصحو السؤال في (أنا من أكون؟)، بينما يذوب الشوق في (سطوة الاشتياق)، إنها ليست مجرد عناوين، بل مفاتيح لعوالم داخلية، أو أبواب تفتح على الغياب، على الحب، على التيه، وعلى يقظةٍ مؤجلة.

اللغة في هذه الصفحات ليست وصفًا فحسب، بل هي نبضٌ يتردد بين الصمت والبوح، بين الفقد والرجاء، بين الانكسار والبحث عن أمل مستحيل، كل قصيدة هنا هي مرآة لروحٍ تتلمّس طريقها في العتمة، وتكتب نفسها من جديد، كفراشةٍ تستعيد ألوانها، أو كحلم يصرّ على أن يظل حيّاً رغم كل الانكسارات.

       قصيدة أين المفر؟

وفي قصيدة (أين المفر؟) تقول القريشي: أين المفر؟، .. ما من مفر..حتى و إن كممتَ أُغنيتي.. ونسجتَ مِن حُزني.. دفاتر.. وفَرَضْتَ غطرسة احتلال.. حول مملكتي.. وأغلقت المعابر.. ونقشْتَ “ممنوعًا من السفر”… على قلبي المهاجر.. لن تستطع كبوي.. ولكن لن أكابر.. لا لنْ أَدَعْ إِلَّاكَ يُقلق غفوتي.. لن أسطيع المَاً سواك كأنما.. وَهمٌ .. بأعماق الحقيقة سابر.

ومن أول وهلة تشعر أن هذه القصيدة تنبض بصور شعرية كثيفة مشحونة بالرمزية والانفعال، وتُجسّد صراعاً داخلياً بين القهر والتمسك، بين المنع والانتماء.

العلاقة بين الغلاف والعنوان

“حلم مبتور” ليس فقط عنوانًا، بل هو مفتاح بصري ووجداني للديوان، الغلاف يجسّد هذا الحلم الذي لم يكتمل، الوجه الذي لا يُرى كاملاً، والكلمات التي لا تُقال كلها. إنه غلاف لا يشرح، بل يوحي، ويترك للقارئ أن يتلمّس المعنى كما يتلمّس الضوء في العتمة.

أربعون قصيدة وواحدة،كخطواتٍ في دربٍ من صمتٍ واشتياق،هي خلاصة (حلم مبتور)، كل قصيدة نبضة، وكل نبضة حلمٌ يصرّ أن يبقى حيًّاحيث تتناثر الأحلام كنجومٍ في ليلٍ طويل،وتكتب الروح حكايتها بين الشوق والتيهفي هذه الصفحات،سترى كيف يذوب الحلم في غربةٍ،ويصحو في رجاء، وتظل القصائد مرآةً لروحٍ تبحث عن يقظةٍ وسط العتمة

هذا الديوان هو رحلة وجدانية، لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُصغى بالقلب، لأنه يضع القارئ أمام تجربة إنسانية صادقة، حيث الشعر يصبح حياةً أخرى، ونافذةً على ما لا يُقال.

كوثر في سطور

بقي أن نعرف أن كوثر نجم القريشي ولدت ونشأت في بغداد، وهي حاصلة على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية، والماجستير في هندسة تخطيط المدن، هي أيضاً عضو المنتدى العراقي للنخب والكفاءات، تذوقت الشعر وبدأت محاولاتها الأولى وهي  طفلة بنت تسع سنوات، لحن لها الملحن الكبير فاروق هلال قصيدة (شوق).

تقول كوثر القريشي عن شعرها: (أنا من دعاة التكثيف في المعنى لا الإسهاب والتطويل وحشر الكلمات، ويكفيني ان يكون النص من أسطر قلائل تفي بالمعنى والغرض)، ولكوثر مساهمات في المجلات المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي والمنتديات والصفحات الثقافية، وتستعد لاصدار ديوانها (ملامح وجهي) خلال المدة القليلة المقبلة.

مقالات ذات صلة