تحليل سياسي
“اتفاق” على إبقاء الصراع تحت السيطرة دون الانزلاق أكثر مما يمكن تحمّله”!!.



لم ينتهِ “خطر الحرب” بعدُ. هي هُدنة أبلغُ ما تُوصف به أنها “مدة أسبوعين لإدارة الخطر” من جديد. لم ترضخْ إيران “تماماً” لأميركا، ولم ترضخ واشنطن بالطبع لطهران. ترامب وصف “الشروط العشرة الإيرانية” التي تلقّاها بأنها “جيدة كأساس للحوار السلمي”. إيران من طرفها –برغم أنباءٍ أفادت أنّ مجتبى خامنئي الراقد في مستشفى بمدينة قم، ليس قادراً على قول شيء- أعلنت أنه وافق على وقف الحرب، وكشفت أيضاً أنها أبلغت قواتها الشروع بتهيئة مستلزمات فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن!.
وحتى الآن، فإنّ هذا النوع من التهدئة لا يُعدُّ حلّاً للنزاع، إنما يكشف في الأساس، “مخاوف إيرانية حقيقية” من تهديدات ترامب التي وصلت حدّاً متوحّشاً، بإفناء ما أسماه “حضارة بأكملها”، و”إرجاع إيران الى العصر الحجري”. وبدا أنّ واشنطن، وعواصم خليجية، كانت “خائفة أيضاً” من انتقامات إيرانية تصل أيضاً “حدّ التوحّش”، أي أنّ الطرفين وصلا إلى ما يمكن تسميته (حافة تكلفة عالية جداً)، فقرّرا (التراجع) خطوة فخطوة لتجنب “الانفجار”!!.

وإسلام آباد التي نجحت في التوسّط لتحقيق “هدنة الأسبوعين”، أوضحت أنّ يوم الجمعة المقبل سيشهد بداية التفاوض المباشر الأميركي-الإيراني، للوصول الى هدنة دائمة تضمن السلام في المنطقة. ومع أنّ الخطر “المُجّمد مؤقتاً” ما برح قائماً، فترامب “متقلّب” بشكل سريع، ويمكن أنْ يجدَ أية ذريعة، ليعلن كسرَ “الهدنة”، لاسيما إذا فسّرت طهران أنها فرضت شروطها على واشنطن!. فترامب من جانبه وبـ”تعقّل غير معهود”، لم يسمِّ “وقف الحرب المؤقت”، استسلاماً لإيران، إنما أعطى بُعداً آخر، بتأكيده أنّ إيران قدمت شروطاً مقبولة كأساس للتفاوض!. وربما كان ترامب واقعاً تحت ضغط ألـ”ستين يوماً” التي فرضها الكونغرس، لإنهاء الحرب!.
وكما أرهقت التكاليف أميركا، فإيران بالدرجة الأساس، التي أرهقتها نفقات الحرب، وضخامة نتائجها الكارثية، تنحو منحىً جيداً بتخفيف الضغط الاقتصادي الفادح على حياة شعبها، وبما لم يعُد أمراً متحمَّلاً، فضلاً عن حاجتها الماسّة لـ”إلغاء” العقوبات، وكسب وقت داخلي في مسارات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية أيضاً. وبشكل عام فإنَّ كلاً من واشنطن وطهران، صارتا أقرب الى “إبقاء الصراع تحت السيطرة دون الانزلاق أكثر مما يمكن تحمّله”!!.

المؤكد أنّ التهدئة الآن “هشّة”، فأي هجوم من ميليشات، مرتبطة بإيران، أو أي ردّ أميركي، أو حادثة بحرية، أو أي هجوم إسرائيلي مفاجئ، سيتحوّل إلى “تصعيد”، وبمعنى أنّ “الهدوء الهش” سيبقى مقلقاً في غضون الأسبوعين الآتيين، إذ سيبقى قابلاً للانفجار في أي لحظة، ما لمْ يُدَعّم يوم الجمعة المقبل في العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، بتعهدِ الطرفين على مواجهة أية “متغيّرات” بحصافةٍ وتأنٍّ!.
وأخيراً، فإنّ “القراءة القاسية” لما جرى حتى الآن من تطوّر إيجابي، تجعلنا لا نتفاءل بإنّ هناك أمكانية لتحقُّقِ بداية “سلام دائم”، فحتى الآن لا يوجد أفق مقبول لحل جذري يتعلق بـ”الملف النووي” الإيراني، مثلما لا توجد احتمالية رصينة لما يُسمى اتفاق استراتيجي شامل في الشرق الأوسط. وليس من الواضح حتى الآن كيف ستنهي إيران “اجنحتها في العراق ولبنان واليمن”. لكنْ دعنا نتفاءل، عسى أنْ نجدَ في الآتي خيراً!.





