هانيبال ألخاص… فنان آشوري وروح لا تغيب




في هذه الأجواء نشأ هانيبال ألخاص، وتعلّم على أيدي فنانين ومثقفين آشوريين كبار. وفي عام 1951 سافر إلى الولايات المتحدة، فدرس الفلسفة ثلاث سنوات في جامعة لويولا بشيكاغو، ثم التحق بمعهد الفنون في المدينة، حيث أمضى ستة أعوام وحصل عام 1958 على شهادتي البكالوريوس والماجستير في الفنون الجميلة.
بعد وفاة والده عام 1959 عاد إلى إيران، وبدأ بتدريس الرسم وتاريخ الفن في مدرسة طهران للفنون الجميلة لمدة أربع سنوات. وخلال ذلك أسّس معرض جلجامش، أول معرض فني حديث في إيران، وخصّصه للفنانين الشباب تشجيعاً لهم ودعمًا لنتاجاتهم.
عاد إلى الولايات المتحدة عام 1963 ليدرّس في كلية مونتيسيللو في إلينوي، ثم أصبح رئيساً لقسم الفنون فيها. وفي عام 1969 عاد مجدداً إلى إيران ليقضي أحد عشر عاماً في التدريس بجامعة طهران، كما عمل أستاذاً في جامعة آزاد الإسلامية.

التقيتُ هانيبال لأول مرة في طهران أواخر عام 1985، في منزله الواقع وسط العاصمة. كان البيت يعجّ بالأصدقاء والضيوف والفنانين والكتّاب وأصحاب دور النشر، وتغطي جدرانه لوحات وتخطيطات بأحجام مختلفة، إضافة إلى منحوتات موزعة بلا انتظام، وصحف ومجلات قديمة مرمية هنا وهناك. وقد خصص صالة كبيرة كمرسم ومستودع لمواد الرسم والنحت.
كان جليساً لطيفاً، بسيطاً بعيداً عن التكلف. ومنذ تلك الأيام نشأت بيننا صداقة متينة، صرتُ أزوره باستمرار، وأحضر أمسياته الشعرية وسرده للحكايات أو قراءته تراجم قصائد شعراء عالميين. ومع الوقت أصبح صديقاً قريباً، حتى إنه كان يقوم بالترجمة بيني وبين مثقفين إيرانيين لا يتحدثون العربية، إذ كنت حينها لا أتقن الفارسية. وقد لبّى دعوتي لحفل خطوبتي في 23 آب (أغسطس) 1986، وجاء بصحبة عدد من المثقفين الإيرانيين.
سألته ذات مرة عن كثرة زائريه والزحام الدائم في منزله، وهل يجد وقتاً للراحة. فضحك وقال:
“هذا السؤال يطرحه عليّ كثيرون. لديّ أصدقاء وطلاب من مختلف أنحاء إيران، يزورونني بين حين وآخر، خاصة في مواسم المعارض الفنية”. ثم روى حادثة طريفة:

“طرَق البابَ مرةً شابٌ قدم من عبادان، وكانت الساعة الثالثة فجراً. قال إن صديقاً له أوصاه بأن ينام ليلته عندي لأن باب بيتي مفتوح للجميع، ولم أكن أعرف ذلك الصديق أصلًا! رغم ذلك أعددت له سريراً وقضى ليلته عندي ورحل صباحاً”.
كان هانيبال شديد التواضع، مرحاً، لا تفارق الابتسامة وجهه، محباً لأصدقائه الكثيرين، كريماً في مساعدته للآخرين مادياً ومعنوياً.
تميّزت أعماله الجدارية الشهيرة في شوارع طهران بطابع قريب من النحت النافر، وقد برز فيها حضور الزقورات كما عرفتها حضارة وادي الرافدين، مثل زقورة أور في الناصرية. كما تناول في لوحات أخرى موضوع الانتظار، مُظهراً جموعاً غفيرة تترقب غداً مشرقاً.

أقام هانيبال وشارك في معارض كثيرة في إيران والولايات المتحدة وأستراليا. واستضافته في منتصف التسعينيات جمعية عشتار الثقافية في تورنتو، التي كنتُ أترأسها آنذاك، حيث أقمنا له معرضاً كبيراً وندوة حاشدة في مقر المجتمع الآشوري بميسيساغا، كان لي شرف إدارتها.
ركز في معظم أعماله على وجوه الناس وتعابيرها، محاولًا أن تعكس الحالة النفسية التي يشعر بها في لحظة الرسم. كما مزج بين الكلاسيكية والتيارات الحديثة، واستخدم الكوبيزم (التكعيبية) لإضفاء بعد ثالث على لوحاته، مع حرصه على أن تظل أعماله بسيطة مفهومة للمتلقي.
سعى هانيبال إلى التأثير في الناس، وخاصة الشباب، من خلال ثلاثة مسارات:
1-الأسلوب المكسيكي في الرسم الجداري.
2-الليتوغراف، أي الرسم على خامات رخيصة في متناول الجميع.
3-التدريس وإعداد الأجيال الجديدة لفهم الفن وفلسفته ومدارسه.

واهتمّ بعالم الأطفال اهتمامًا خاصًا، فكتب لهم أشعارًا باللغة الآشورية، كما ترجم لهم قصائد وحكايات، من بينها “الصياد والسمكة الذهبية” لبوشكين، ونسخة فارسية من ملحمة “جلجامش”. وإلى جانب ذلك، أنجز أعمالًا ترجميّة متنوّعة؛ فترجم إلى الفارسية قصائد لكارل ساندبرغ وكتابًا عن الفنان المكسيكي ماريو سيكييروس، وإلى الروسية أعمالًا لبوشكين وتولستوي، كما نقل إلى الآشورية ثلاثين مقطوعة من غزليات حافظ الشيرازي، وأربع حكايات من الأدب الكردي. وله إلى جانب ذلك خمسة كتب في علم الفن تُدرَّس في الجامعات، فضلًا عن إخراجه أكثر من عشرة أفلام كاريكاتورية قصيرة.
ومن أبرز أعماله لوحة كبيرة عن تاريخ الآشوريين بقياس 3×5 أمتار مؤلفة من خمس عشرة قطعة.
في عام 2008 زرته مع زوجتي في منزله المتواضع بمدينة تورلوك بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية. كان يعاني من السرطان وقد أنهكه المرض، لكن ضحكاته ومزاحه وروحه المرحة بقيت كما عرفناها، تملأ الجلسة بالحياة.
في 14 أيلول (سبتمبر) 2010 رحل الفنان والشاعر الكبير هانيبال ألخاص عن عمر ناهز الثمانين، تاركاً إرثاً فنياً كبيراً واسماً لامعاً في فضاءات الفن والثقافة والأدب الآشوري والفارسي.





