العراق

الحاضر الغائب..صوت الجرأة ومرآة الحقيقة

كان داود الفرحان صوتاً جريئاً في زمن الخوف، وقلباً ناطقاً بصدق في عصرٍ امتلأ بالزيف. كتب بقلمٍ حادٍّ وساخرٍ، لا ليُضحك، بل ليوقظ، لا ليُهاجم، بل ليُذكّر. كانت مقالته الساخرة أقرب إلى مرثية للوطن منها إلى نكتةٍ عابرة، فقد آمن أن الضحك في وجه المأساة أرقى أشكال الشجاعة.

      تميز الفرحان بأسلوبه الفريد في كتابة المقالات الساخرة التي جمعت بين الذكاء الحاد والجرأة العالية، مما جعله من أبرز الأصوات التي حركت الرأي العام وفضحت حالات الفساد والمحسوبية والانتهاكات. لم يكن يخشى خطر الطغاة، بل استمر في كشف الحقائق بذهنية ناقدة وروح متمردة.

     في عالمٍ كانت فيه الكلمة ثمنها الغالي، اختار داود أن يكون في صف الحقيقة، فكتب بلا خوف، وانتقد بلا تردد، وجعل من الصحافة ساحة نضالٍ لا مهنة. بذكائه وسخريته الراقية، هزّ عروش الكذب وفضح وجوه الفساد والمحسوبية، ليغدو رمزاً للصحافة الحرة التي لا تعرف المهادنة.

    عرفتُ داود عن قرب، صديقاً وأخاً ورفيقَ همٍّ وغربة. كم جلسنا معاً نتقاسم حنيننا إلى الوطن، وكم ضحكنا لنخفي وجعنا. لا أنسى تلك الأمسية قبل أشهر قليلة، حين التقينا في أحد مقاهي القاهرة المطلة على النيل. كان ينظر إلى صفحة الماء، وفجأة قال بصوتٍ مبحوح: «يُذكّرني هذا بدجلة». ثم اغرورقت عيناه بالدموع. شعرتُ أن بين النيل ودجلة خيطاً من حنين لا يُرى، وأن دموعه كانت اعترافاً صامتاً بأن الغربة مهما طالت لا تُنسي الوطن. واليوم، يا للمفارقة، نحتفل بأربعينيته، فيما صوته ما زال يهمس لنا: لا تنسوا العراق… لا تنسوا الحقيقة.

      كان داود يمازحني دائماً قائلاً إنني تجاوزت جرأته وصراحته، وكان يخاف عليّ من تبعات الكلمة. كنا نضحك، لكن خلف الضحكة كان وعيٌ عميق بحجم المخاطر التي تلاحق كل من يكتب بصدق في زمن الخداع. تلك الروح المرحة الشجاعة كانت جزءاً من شخصيته الفريدة، التي جمعت بين الطيبة والعناد، بين الأمل والتمرد.

      رحل داود الفرحان، لكن صدى كلماته لا يزال يتردد في ضمائر من آمنوا أن الصحافة ليست مهنة، بل رسالة. في زمنٍ تُقمع فيه الكلمة، وتُغتال الحقيقة، تظل سيرته تذكيراً بأن الضحك يمكن أن يكون ثورة، وأن القلم حين يُكتب بالصدق، لا يموت صاحبه أبداً.

      سلامٌ على داود الفرحان، على قلمه وضحكته، على سخريته التي كانت أكثر جدية من خطب السياسيين، وعلى كلماته التي ما زالت تُذكّرنا أن الحرية بلا أخلاق، كالسفينة بلا دفة — تغرق وهي تظن أنها تُبحر. وعلى ضحكته، على دمعته التي ذرفها على دجلة، وعلى كل كلمةٍ كتبها بحبرٍ من شجاعة وحنين. سيبقى صوته شاهداً على أن الحرية لا تُدفن، وأن الكلمة الحقة لا تموت.

مقالات ذات صلة