المصالحة مع الماضي..استذكار مديري دار الشؤون الثقافية في العراق




أفهم الثقافة، خارج تعريفاتها المنهجية المعروفة، بوصفها نظاماً تؤسّسه القيم، وترتقي به ممارساتٌ خلاقة وتجارب طويلة متوالية لتعزيز دور الانسان وتوطيد قدراته على الخلق والابتكار. وما تحقّق في دار الشؤون الثقافية العامة من ممارسة تبدو إداريةً روتينيةً في ظاهرها، تنطوي، في جوهرها، على معنىً عميق من معاني الثقافة، عبر إعلاء صور مديري دار الشؤون من يوم تأسيسها في التاسع من كانون الأول عام 1975 تحت اسم (دار آفاق عربية) حتى اليوم.
وهي المرّة الأولى التي تحضر فيها صورة شفيق الكمالي، صاحب فكرة الدار ومؤسِّسها وأول مدير لها، منذ إقصائه عن الحياة، الحزبية وغير الحزبية، وسجنه ورحيله عام 1984، في موقع عام، بمعنى يهدف إلى الاستذكار وينطوي على التكريم، إلى جوار صور مديري الدار ومنهم الراحلان قاسم عبد الأمير عجام وكامل شياع اللذان أودت بحياتيهما فوضى الاصطراع العراقي بعد 2003، بما تحمله المجاورة من دلالة وما تدعو لقراءته من أثر.

تضعنا صورة الكمالي، مُستذكَراً ومكرَّماً، في مواجهة ما حرصت الثقافة العراقيّة على امتداد ما يقارب ثلاثة وعشرين عاماً، من لحظة سقوط نظام البعث حتى اليوم، على تناسيه وعدم مواجهته في أفضل الأحوال، وعلى شتمه والخوض في ظلامياته في أعمِّها، وها هي دار الشؤون تضع الأصبع في الجرح وتستذكر وتكرِّم على الرغم من قوة الصمت وحجاب التّكتّم.
إنه السكوت عن مأساة الذات العراقيّة المتمثلة بسيطرة البعث الطويلة على الحكم في العراق وإدارته المُرّة للحياة فيه، جرح لم يندمل، ولا أظنه يندمل بغير مراجعة وتأمّل بعيداً عن سوء الفهم وتداعي الشخصية التي فشت معها المجانيةُ وتحكّمت المفاسدُ في مختلف مفاصل الحياة العراقية ونخرت مؤسساتها. صورة شفيق الكمالي على جدار الشؤون خطوة على طريق المراجعة والفهم، ناهيك عن كونها إقراراً بدور الرجل في خلق مؤسَّسة عراقية تناسبت شكلاً ومحتوى مع تطلعاته الثقافيّة الفرديّة وطموحاته في إدارةٍ لم يُقيّض لها أن تجد استجابةً من قائد لم ير الحياة غير مرآة لذاته المُختلّة وحقلاً لغاياته المريضة.





