ثقافة

مع الجواهري الكبير

      في نادي الصيد العراقي، وفي مقدمة طاولةٍ تزاحمَ على الجلوس حولها ثمانية بين شاعر وكاتب، جلس طارق عزيز وقد أعطى ظهره إلى باب الغرفة الصغيرة وإلى جانبه جلس شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري ملاصقاً له في مكان الصدارة.

     لم تكن تلك حركة عفوية. لقد كان بالإمكان معرفة شكل التكريم الذي أراد عزيز أن يقدمه لضيفه حينما أشركه مقدمة الطاولة. وطيلة سهرة نادي الصيد في بداية السبعينات التي ابتدأت في الثامنة مساءً وانتهت عند منتصف الليلة جلس الجواهري صامتاً دون أن ينبس ببنت شفة, ولم يكن بالإمكان معرفة إلامَ ينظر؟ وبِمَ يفكر؟ حتى كأنه أغلق فمه بقفل الأمان وترك عن قصد مفتاح القفل في داره.

      كذلك فعل الشاعر الكبير (بدوي الجبل) الجالس إلى يساره, والذي راح يتنقل بإبتسامته بين الوجوه حتى كأنه في رحلة القبض على قصيدة.

ثلاثة أرباع الوسكي كان بإمكانها أن تُطلِعَ للحَجر فماً وللأبكم لساناً, لكن الجواهري ظلَّ طوال السهرة معَنا, لكنه لم يكن معنا.

       على يمين طارق عزيز جلس الشاعر خليل الخوري, وجلستُ أنا إلى جانبه, وقد كان بحق مفاجأة الحفل, إذ فوجئ الجميع به وهو ينهض دون مناسبة لكي يوجه قذائفه نحو الجواهري متهماً إياه بالتقلب والتذبذب يوم مدح الحكم الملكي وتحول عنه بعد ذلك إلى كيل المديح لعبدالكريم قاسم.

      بطبيعة الحال لقد شكَّل ذلك احراجاً كبيراً لصاحب الدعوة الذي طلب من الخوري الكف عن الكلام بينما راح يعتذر للجواهري ويدعوه إلى تقدير حالة الخوري الذي سلبته الخمرة وعيه وهو لا يدري ماذا يقول. ثم استدار عزيز نحو الخوري بلهجةٍ لم تخلُ من التقريع وسأله هل اخذت بنظر الإعتبار ان حديثك المستهجن هذا ينال من صاحب الدعوة قبل أنْ ينال من الضيف نفسه. ثم دعني اسألك : هل من العيب أن يمدح الشاعر رجلاً يحبه.

        إن القصيدة التي أثارت كل هذا اللغط والتقولات كان الجواهري قد نظمها عام 1939, وقتها كان الحكم الملكي ما زال مَرْضياً عنه من قبل أغلب العراقيين وعلينا أن نقترب من تلك القصيدة لنحاسبها في زمنها حتى ندرك هل كان ناظمها في وقته صادقاً في مشاعره أم كان يمدح جلاداً من موقع النفاق.

      بالنسبة لي، الشاعر هو بشرُ مثل غيره، وهو خاضع بانفعالاته إلى إرهاصاته وموروثه ورأيه في تلك اللحظة، وإن من الخطأ أن نسقط أحكام مرحلة لاحقة على مرحلة سابقة, وفيما بعد فقد صار مطلوباً من الجواهري أنْ يغير موقفه بدلاً من الثبات عنده لأن الحكم الملكي لم يبقَ على حالهِ وصارت أغلبية العراقيين ضده, وعلينا أن نتذكر ان الرجل كان قد فقد أعز الناس عنده على يد شرطة ذلك النظام وهو أخوه جعفر الذي ذهب شهيداً في انتفاضة الجسر عام 1948, وهل هناك عراقي لم يسمع برائعة الرجل الذي تغني ببطولة الشهيد والتي رددتها كل الجماهير حينها :أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ/ بأن جراح الضحايا فمُ. وأتذكر جيداً أنّ هناك من كتب إعجاباً بتلك القصيدة : أعْطني شاعراً أُعطيك ثورة.

       وحينما سكت عزيز إبتسم الجواهري راضياً في حين رفع (بدوي الجبل) كأسه قائلاً : في صحة الضيف وفي صحة المضيف.

      أكتب هذه القصة ليس من موقع الإعجاب المفتوح بالجواهري, فلقد كدت أن أكون فيما بعد أحد ضحايا الفوضى السياسية التي حدثت في البلد عام 1959 والتي أدت إلى سحل وتعليق عدد من العراقيين المعارضين لنظام عبدالكريم قاسم, وليس في مقدوري ان أنسى دور الجواهري في تغذية أحداث تلك المرحلة الهمجية من عمر العراقيين, أو أنسى قصيدته التي يدعو فيها لخنق الخصوم بالحبال, لكن على شرط أن يجري التقييم بعيداً عن إقتطاع الشخص من مرحلته, لكي لا يكون الخصم هو الحكم.

مقالات ذات صلة