نحو اصطفاف وطني واسع مناهض لـ”سلطة الاسلام السياسي”.. (الجزء الأول)




كلمة لابد منها
أدرك مسبقاً أنّ ما أريد أنْ أقوله هنا فيه خروج عن التفكير النمطي السائد وأنه سيفسر من البعض حتما على انه اعتراضٌ أو انكارٌ لأمر لا يَنتطِح فيه عنزان. باختصار فإني أعترف مقدماً وأنا أخوض غمار هذا الموضوع بأني أسير منفرداً في طريق زلق، وقد أواجه استنكارا او امتعاضاً أو اعتراضاً مشفوعاً بشتيمة أو تعليق قاس من البعض لكن مع هذا ومهما كان صوت الجوقه عالياً فلن يجبرني ذلك على أنْ أكون جزءاً من الكورال أوالمنشدين فأنا أومن بمقولة هيغل … ليس هناك صح وخطأ إنما هناك صح وصح…

و يبقى ان ما أريد ان أصل اليه، وجهة نظر أجتهد فيها و قد يوافقني عليها زيد ويعترض عليها عمر لكني في كل الاحوال آمل أنْ يجد هذا الموضوع صدىً طيباً ودعوة للتفكير جدياً خاصة لأولئك الذين أقصدهم وأعنيهم والذين سيعرفون من خلال قراءة كتابتي هذه أنهم المعنيون في الأمر .
فقط أريد أن أوضح شيئا هاما غاب ومازال عن بال الجميع هو ان الحالة البائسة لواقعنا العراقي، أي انسداد آفاق التغيير يُعزى في جزءٍ كبير منه في رأيي المتواضع لفقر وتواضع الحياة السياسية وضعف القاعدة الشعبية للتيارات الوطنية والقومية العلمانية باختلاف توجهاتها.
وفيما عدا اليسار الماركسي المتواطئ منه والمتراجع والذي يمارس “التقية” و اليسار الماركسي الآخر الضعيف والمشتّت فان الساحة الشعبية العراقية يحتكرها تياران فقط التيار الاول وهو العلني و المسيطر على الساحة السياسية ويتمثل بمجموعة الاحزاب الطائفية الاسلاموية الشيعية الحاكمة و المتحالفة مع قيادات سنية سلفية أو فاسدة وتيار آخر سري ناقم يحن الى الحقبة الصدامية والذي يحركه ويقوده البعث الصدامي مع بقايا داعش والقاعدة والذي تتوارد الاخبار انه مافتئ يستجدي عطف الامريكان ودول الخليج والجوار لاعادته الى السلطة باي ثمن والذي يجهد مسؤوليه لتبييض صفحته واغراء الشباب و البسطاء والمسحوقين والمتضررين بانهم البديل الاحسن والممكن والوحيد ..

اما التيار الوطني الليبرالي البرجوازي المخلص لعراقيته فهو غائب تماما عن الساحة بفعل غياب القاعدة الطبقية الحاضنة .. بقي التيار القومي الشريف وغير الملوث بكل أشكاله وهذا غائب عن الساحة ايضا خصوصا بعد محاصرة الحركة الاشتراكية العربية وغياب قادتها التاريخيين وانكفاء الكوادر البعثية الشريفة المناهضة للصدامية والمقطوعة عن النشاط والتواصل
أظن وانا محق في ذلك ان ثورة تموز التي اخرجت العراق من دائرة النفوذ الاستعماري وحققت طموح العراقيين انذاك وتطلعاتهم كانت ثمرة وتتويج لعمل ونشاط حبهة الاتحاد الوطني التي تأسست عام 1957 والتي تشكلت من كل الاحزاب الوطنية بتياراتها الرئيسة الثلاث الماركسي والليبرالي الوطني والقومي وقد كان الكبير فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي محقا حين قال قولته المشهورة … قووا تنظيم حزبكم ..قووا تنظيم الحركة الوطنية ..

ان غياب التيار القومي الوطني الشريف المناهض للصدامية بكل الوانه والتيار الليبرالي الوطني عن ساحة العمل السياسي في العراق يساهم بشكل كبير في بقاء الداخل العراقي اسيرا تحت سطوة احزاب الاسلام السياسي الطائفية سيما وانها اجادت توزيع الادوار بينها فشكلت موالاة متمثلة بالاطار التنسيقي الحاكم ومعارضة شكلية لخداع بسطاء الناس متمثلة بالتيار الصدري المسلح والممول جيدا والذي يقوم بدور حصان طراودة فيسرع لمشاركة المنتفضين والمحتجين غير المنظمين عند اول اشارة بغية أفشال حراكهم ومصادرته وربما تصفيتهم عند الضرورة كما حدث في انتفاضة تشرين.


ربما لاني منذ ان بدأت أفهم هذه الدنيا تملكني يقين قاطع انه سيكون من رابع المستحيلات ان يصل أمثالي الى السلطة يوما ما أو أن اكون أنا نفسي جزءاً من منظومة الحكم والادارة والمسؤولية لا في بغداد ولا في تلعفر ولا حتى في النخيب لهذا لم أتحمس كثيرا لاقتناء كتاب الامير لميكافيللي وقراءته كاملا، فجـلُّ ما قرأته نتفٌ وفقراتٌ من ذلك الكتاب كانت تقع بين يدي أحيانا هنا وهناك لكن رغم هذا فأنا متأكد ان ميكافيللي لم يغفل أبدا عن الامر الذي يقول إن الحاكم او الطبقة الحاكمة كلما أحست بخوف أو ضعف لوحت للرعية بخطر داهم وكارثة محدقة . هذا بالضبط ما تفعله سلطة الاحزاب الاسلامية الفاسدة في بغداد فكلما يحين موعد الانتخابات أو تكون هذه السلطة في أزمة تهدد سيطرتها أو وجودها أو تواجه معارضة شعبية متنامية يرفع ممثلو هذه السلطة وزعماؤها عقيرتهم محذرين من عودة البعث للسلطة .. على أية حال فانا أقطع أن الشعب العراقي ليس بحاجة الى ان يقرأ ميكافيللي لكي يفهم طبيعة هذا النهيق المنفر والخطاب البايخ.

في لقاء تلفزيوني مع الشاعر والاديب السوري محمد الماغوط سأله المحاور عن بداياته السياسية و كيف انتمى للحزب القومي السوري الاجتماعي فأجاب بسخريته المعهودة …أبداً كل ما في الامر ان مقر حزب البعث كان بعيدا عن البيت وفي حي اخر والطريق اليه يعج بالكلاب في حين ان مقر الحزب السوري القومي كان قريبا من بيتنا ففضلت الانتساب الى هذا الاخير ….
جواب الماغوط الساخر يحمل في طياته صورة عن بعض طرق الانتماء الحزبي في تلك الاوقات المبكرة من مسيرة العمل السياسي في اقطارنا العربية وبنفس التعبير اجاب الاستاذ إحسان وفيق السامرائي الدكتور حميد عبد الله في سؤاله عن بداياته البعثية رغم كل التحامل الذي ابداه السامرائي على سياسات حزب البعث العراقي وسلوكيات قيادته خلال اللقاء التلفزيزني معه فقال كان ابي يعمل في سلك الشرطة ويبغض الشيوعية بحكم عمله فلم يكن امامي وانا شاب متحمس يفيض بالوطنية الا الانحياز للتيار القومي وهكذا وجدت نفسي بعثيا.


ترجع بدايات تشكيل الجمعيات والاحزاب السياسية في الاقطار العربية الى أوائل القرن العشرين وتحديدا الى الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الاولى وانحلال الخلافة العثمانية وقيام ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى آنذاك بدأ الوعي الفكري والسياسي والنزوع الى التحرر والاستقلال ينتشر بين الشعوب العربية فبدأت تتشكل الاحزاب والتيارات السياسية فتأسس الحزب الاشتراكي المصري وبدأت الاحزاب الشيوعية العربية بالظهور تباعا وتشكلت الاحزاب الوطنية الليبرالية كحزب الوفد وحزب الهيئة السعدية في مصر وجماعة الاهالي في العراق التي انبثق منها لاحقا الحزب الوطني الديمقراطي في حين تمثل التيار القومي بالحزب القومي السوري الاجتماعي في سوريا وحزب الاستقلال في العراق ليبرز بعدها حزب البعث العربي وحركة القوميين العرب باعتبارهما ممثلين للتيار القومي . كل هذه الحركات والاحزاب بمجملها وبمختلف اتجاهاتها كانت احزابا وطنية تدعو الى التحرر و استقلال الاقطار العربية والخروج من دائرة النفوذ الاستعماري والارتقاء بالمستوى المعيشي والحياتي للشعوب العربية.

الضعف الذي اصاب الامبراطورية البريطانية وفرنسا عقب الحرب العالمية الثانية وبداية أفول نفوذهما الاستعماري والسعي الامريكي لأخذ مكانتهما الاستعمارية باعتبارها القوة الغنية الصاعدة لزعامة العالم الرأسمالي و المتطلعة لبسط نفوذها في المنطقة دفع امريكا لتبني وتشجيع تطلعات العسكرتريا في الاقطار العربية بالوصول الى السلطة وهكذا كان الامر تقريبا في كل الانقلابات العسكرية التي( تطور بعضها الى ثورات وطنية فيما بعد ) ابتداء من انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949 مرورا بحركة الضباط الاحرار في مصر عام 1952 الى ثورة تموز في العراق عام 1958 ثم ثورة الفاتح من ليبيا عام 1969 و اخيرا انقلاب مايو في السودان بقيادة جعفر النميري جميعها تمت أما برعاية مباشرة أو بضوء اخضر أمريكي وفي أحسن الظروف بتشجيع ضمني أوغض نظر من واشنطن على اني في كل الاحوال لا اقصد التشكيك بوطنية بعض هؤلاء الضباط بقدر ما أشير الى حقيقة تاريخية افصحت عنها الوثائق و شهادات المسؤولين المعاصرين والمشاركين بهذه الاحداث فيما بعد فقد كانت السفارة الامريكية في القاهرة مثلا على علم مسبق بحركة جمال عبد الناصر ورفاقه من خلال اتصال هؤلاء الضباط انفسهم بالسفارة …

وصول الزعماء العسكريين للسلطة في الاقطار العربية ومصادرتهم للحريات السياسية الاساسية للجماهير وحظر الحياة الحزبية ضمن للامريكان الوقوف بوجه النفوذ السوفيتي المتصاعد انذاك عبر الحد من نشاط اليسار والحركات الشيوعية والديمقراطية حيث كان الحركات اليسارية والديمقراطية والشيوعية في اوج صعودها التاريخي وحيث كان المزاج الشعبي العام يميل اليها ويتبنى مفاهيمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكن كان لابد لهؤلاء العسكر من رصيد جماهيري يشكل حاضنة شعبية لحكمهم .

هنا التقت اهداف هؤلاء الزعماء العسكرين الساعية لتكريس سلطاتهم الديكتاتورية المناهضة لليسار والديمقراطية مع بعض اطراف الجناح القومي العروبي اليمينية المنافسة لليسار والمخترقة والمشحونة بمعاداة الشيوعية او مخاصمتها باعتبارها تهديدا للمشروع العروبي القومي وكان حزب البعث أهمها وأكثرها تنظيما فاستطاع أن يستقطب تحت مظلته كل العسكريتاريا المتطلعة للسلطة والمناهضة لليسار والديمقراطية والمغرمة بامجاد السلف الغابر واحلام الامبراطورية العربية . والحقيقة أن التيار القومي بكل اتجاهاته لم ينشأ من الفراغ فقد كان نتيجة مباشرة لأمرين الاول هو اتفاقية سايكس بيكو التي لم تكرس التقسيم الظالم وغير العادل بالمرة( للمنطقة بأكملها) فقط بل شرعنت الاستعمار ووضعت الاقطار العربية تحت الوصايةالاستعمارية المباشرة واعاقت كثيرا فرص التنمية والتكامل العربي والامر الثاني والاهم هو وعد بلفور وما نتج عنه من ظلم الشعب الفلسطيني و تشريده و اقامة اسرائيل باعتبارها كلب حراسة متقدماً ووكيلاً امنياً لامريكا وكل الدول الاستعمارية في المنطقة على ان علينا ان لا نغفل ان موقف الاتحاد السوفيتي من التقسيم وانشاء اسرائيل والذي تبنته الاحزاب الشيوعية العربية باعتباره الموقف الماركسي الاممي المسلم به ساعد في نشوء حراك قومي يميني معاد لليسار غذته ولعبت عليه امريكا واسرائيل نفسها.






