ثقافة

هل يبقى للشعر “بيتٌ” في مستقبل الرَّقْمَنَة؟!

    هل ثمّةَ “بيتٌ-للشعر”، أو بتعبير مباشر “وجود شعريٌّ” مستقبلاً. لكنْ ماذا لو تصاعدت، أسرعَ فأسرعَ، حدّة التطوّر الإلكتروني، والتحوّلات التكونولوجية، وأصيب البشر –نتاجَ ذلك- بما يُشبه “التبلّد” في المشاعر والإنكماش في العواطف الإنسانية، التي يمكنُ أن ينحنيَ ظهرُها أمام حادلة “المستقبل الرقمي” أو الخوارزمي؟!

    تُرى ماذا يتبقّى لإنسان ما بعدَ أيفون 25 “حالياً Air 17من قدراتٍ روحية على التفاعل مع الموسيقى، الشعر، الرواية، الرسم التشكيلي، المسرح، التمثيل عموماً، النحت، وسائر ما يندرج تحت عنوان “فنون الجمال”؟.. هل تُطاقُ الحياة من دون كل ذلك؟.. ما الذي سيحدث لدماغ الإنسان حينئذٍ، أتتبلّد فطرية المرءِ بالنزوع إلى الخيال، والتأمل، والإحساس بالجمال؟.. أية “فلسفة” ستنجُم عن غياب الجماليات، لتسوّغ للناس عيشاً فقط للأكل والشرب، والجنس والتكاثر، والعمل أو الكدح اليومي بكل أشكاله؟!.

      هل سيجدُ الإنسانُ متسعاً للتأمّل؟..أيقدرُ مثلاً على المكوث في كرسيّ مسرح، لمشاهدة موسيقى لساعتين؟..ما حالُ التنزّه في حديقة عامّة، أو في شارع تراثي، أو في متحفٍ أو غير ذلك؟..إنْ كُنا الآن، بلغة العصر “نتعبّدُ في محراب الشاشة المضيئة”، آناء الليل، وأطراف النهار؟..ماذا ستكون عليه الحال في عصر أحفادنا لجيل أو جيلين؟..

      مدى التساؤلات لا نهاية له، فالأسئلة، تنجبُ الأسئلة، وهلمَّ جرّا، حتى لنكاد نكون أمام سيل منها، يُغرقنا بهموم نجهل تقدير حجم فداحتها لحياة يعيشها المرء، تسلبُها “الرقمنةDigitalization “، عِطرَها، لونَها، طعمها، بهجتها الداخلية، ومسرّات قلبها، فكأنّها تُجمِّد، “حياةَ البشر” أو تحجزها في زنزانة لا كُوّة فيها لهواءٍ وضوء يُنعشان أفئتدتنا، ويُشعراننا بالتجديد، والانبعاث اليومي مع كل فجر مضيء!.

    أعلمُ أنّنا بإزاءِ “مدخل إشكاليّ”، شديدِ الاعتياص، لِما في القضية التي نتحدث عنها من احتمالات، يصعُب التكهن بها، وبتفاصيلها على مدى عشر سنين، لاسيما أنّ المتغيّرات في مدى أشهر، وبشكل متتالٍ تُرينا ما يُدهش وأيضاً ما يُقلق.

     إننا لا نسأل عن مستقبل الشعر في العصر الرقمي، لأنّ ما يُقلقنا لا الشعرُ ذاتُه كجنسٍ أدبيّ عرفته الحضارات البشرية بجميع تحوّلاتها، إنّما مصير الانسان، أنثروبولجياً وفلسفياً، فالشعر –عبر التاريخ ليس “ترفاً فكرياً”، و”نزوعاً جماليّاً” وحسب، فنحن بالشعر وبغيره من التعبير الجمالي، نؤكد جوهر وجودنا، وأسلوبنا في مقاومة الفناء.

      وفي حضارة تحكمها الخوارزميات، لا شيءَ يقوى على قتل الحسّ، ودهشة إبداعات الذاكرة البشرية، والحنين، والوَجْد، والولع، والحب، والأمل، والخيال، وحتى العذاب، والألم، والتجربة المُرّة، بل الفشل نفسه، فهو نمط من أنماط حرية الإنسان في التجدّد، والوثوب ثانية، وثالثة، ورابعة، للتمتع ببهجة نجاح له سيرة شخصية، وتاريخ عذابات فشل، ربما يكون نفسه مصدر مسرتنا في خاتمة المطاف!.

                                  للحديث بقية إنْ شاء الله  

مقالات ذات صلة