نظرة نقدية شاملة لقصيدة الشاعرة التونسية فاطمة سعدالله..



في اللحظة التي تلامس فيها اللغة حوافّ الوجود، وتتمرد على القواعد التي تطوّق الكينونة، تولد القصيدة من رحم التوتر بين الواقع والاحتمال، بين الفناء والتوق، بين الزمن الهادر واللحظة المختلسة. ليس الشعر في هذا المقام أداة تعبير، بل هو وسيلة استحضار، استحضار اللامرئي، الغائب، المتشظي. في قصيدة “حالة جنون… ثلاثية الأبعاد”، لا تسلك فاطمة محمود سعدالله الطريق المألوف للبوح، بل تعلن منذ العنوان عن انكسار المنطق، عن ميلاد صوت يتكلم من خارج النسق، من حافة الوعي، ومن فسيفساء الذات التي لا تستكين. إن الجنون هنا ليس اضطرابًا، بل حكمة أعلى، إنه خرق للسطوح من أجل الولوج إلى العمق، إلى الأسئلة التي لا إجابة لها، والتي وحده الشعر يستطيع أن يصوغها دون أن يُخضعها لنظام الحقيقة.
(1)
خامرتني فكرة..
مجنونة
شبه مجنونة
أو..مجنونة جدا
الفكرة هنا لا تُقدم بوصفها ثمرة تأمّل عقلاني، بل بوصفها شبحًا يداهم، يحوم، ثم يتجسد. هذا التردد بين “مجنونة” و”شبه مجنونة” و”جدا” يشير إلى تمزق داخلي في الذات، وإلى ارتباك كينوني يُدخلنا إلى ساحة السؤال: هل الجنون نقيض العقل، أم هو كشف من نوع أعمق؟ حين تقتحم الفكرة حدود المعقول، تتحول إلى أداة لاختراق العالم المألوف، وتبدأ الذات رحلة الاختراق.

هنا نغادر الأرض. التسلل إلى “سنفونية بيتهوفن” ليس مجازًا بريئًا، بل هو صعودٌ إلى العالم العلوي، إلى ملكوت الصوت، حيث لا جسد بل ذبذبات. الآلات الموسيقية تتحوّل إلى جسور روحية، تُشدُّ أوتارها لتعيد تركيب النغمة، والذات لم تعد تكتفي بالتلقي، بل تريد أن تكون خالقة، أن تشارك في الكتابة المطلقة التي يخطّها بيتهوفن بالنغم، لا بالحرف. المشي بين الآلات هو مشي بين الأجساد المجازية، وكل فعل (الشد، التحريك، القرع) هو تقمص لوظيفة الخلق.
أدوزن مع بيتهوفن نغمة شاردة
أفلتت من منصة العازفين
تأتي “النغمة الشاردة” بوصفها استعارة عن الذات ذاتها، تلك التي أفلتت من “منصة العازفين”، أي من المجتمع، من النظام، من الخطاب الجاهز. والشاعرة لا تريد فقط أن تعثر على تلك النغمة، بل أن تدوّنها من جديد، أي أن تُعيد صياغة ذاتها التي ضاعت.
يد القدر تتهيأ لنصرة العدم على الوجود
وأنا..مازلت معلقة بين السقف
وبيني..
أهش على وجود يُسْحَب مني
هنا تنقلب القصيدة إلى مشهد وجودي خالص. “يد القدر” لم تعد فكرة ميتافيزيقية، بل كائن نشيط يسعى إلى نزع المعنى، ونصرة العدم على الوجود. والذات المعلقة “بين السقف وبيني” ليست فقط فيزيائيًا في العلو، بل هي وجوديًا في اللامكان، بين الأعلى (السقف) والأسفل (الذات)، في حالة “تعليق” كأنها روح لم تُخلق بعد أو لم تكتمل. هشُّها على وجود يُسحب منها هو أشبه بصراع أخير للحفاظ على الهوية.
أريد أن أكون نغمة في كل آلة موسيقية
وأحلق بخيلاء بين الغيوم
أجاور الملائكة..
أحاور “القدر” قبل أن “يقرع الباب“
التماهي مع الموسيقى هنا يبلغ ذروته: “أن أكون نغمة”، لا أن أعزفها أو أسمعها. هذا ذوبان تام في البنية الجمالية للعالم. “الخيلاء” هنا ليست كبرياء دنيوية، بل اعتزاز بالتحقق الشعري. مجاورة الملائكة رمز للسمو الروحي، والتوجه بالحديث إلى “القدر” يكشف عن نضج فلسفي عميق: ليس الهروب من الموت، بل مهادنته، محاورته، بل دعوته إلى التأجيل.

في هذا المقطع، تختلط الصورة الفلسفية بالصورة المسرحية. الموت لم يعد مفاجئًا، بل يوشك أن يصير موعدًا محددًا مسبقًا. الطلب بسيط: قليل من الزمن. لا للنجاة، بل لإعادة ترميم الذات: “أعيد جزئي إلى كلي” – بيان عن الحاجة إلى الوحدة الداخلية. الأفعال اليومية: “غسل الصحون، جمع المخطوطات، نفض الفراغ” تكتسب دلالة طقسية، أشبه بطقس دفن الذات. “أتجمل للقاء” تجعل من الموت عرسًا لا مأتما.
أنشر نَعْيِي على جداري
أتابع التعليقات
أعدك…
سأترك لك حق الرد…
اطرق البابَ أيها القدرُ…
السخرية النبيلة تبلغ قمتها هنا. الذات تُعلن موتها بنفسها، تتابع تعليقات المعزين، بل تمنح “القدر” حق الرد، كأنها تقول: سأموت، نعم، لكن بشروطي. هذه السخرية الوجودية الممزوجة بالوعي الجمالي تفتح القصيدة على مشهد عبثي تراجيدي ساحر، يجعل الموت مادة فنية قابلة للتشكيل.
(2)
السقف
الصمت
الليل
بهذا التقطيع البصري، لا يبدأ المقطع الثاني، بل يسقط علينا كزمنٍ ممددٍ ومتساقطٍ. الكلمات لا تُكتب بل تنهمر، كأن الشاعرة ترسم مشهدًا لا زمانيًّا من داخل غرفة الوعي.
ينهمر الليل بغزارة بين شقوق نافذتي
يعلقني السقف من أهدابي
و…
يُعَدِّل الصمت أوتار كمنجته
تحوُّل الليل إلى سائل متساقط يعيد تشكيل الزمن كمادة. السقف هنا يتحول إلى قوة خارجية تعلّق الذات من أهدابها، أي من أكثر أماكن الجسد رهافة، في استبطان لشعور الانكشاف التام أمام العدم. أما الصمت، فلا يعود خواءً، بل موسيقى معكوسة، يعزفها الكون ليزيد من تمزق الذات.
تتهيأ الأوركسترا المعتادة لملء وحدتي
بألوان
و
أصوات
ألوان تسمع حفيف أنفاسي
أصوات ترى حيرتي
الانقلاب الحسي هنا يُنتج “عالمًا مضادًا”، حيث تُسمع الألوان وتُرى الأصوات، في لحظة شعرية تُمكِّن الداخل من الإفصاح عن ذاته. وحدتها ليست صمتًا، بل سيمفونية مُضاعفة تستعرض هشاشة الكائن من خلال أدوات غير مألوفة.
تفرغني منّي
تفك ضفائر كلماتي
تنفلت القصائد فراشات متوهجة
الذات تنفصل عن نفسها، وكلماتها – وهي خصلاتها المجازية – تتفكك، لتولد القصائد لا كمنتَج بل ككائنات حيّة: فراشات مضيئة، خفيفة، زائلة، ولكنها مشعة. هذا الانفلات هو الولادة الثانية، حيث الشعر يصبح وسيلة تطهير وتحرير.

التحول الجسدي إلى “مطرقة” فعل عنيف، لكنه خلاّق، لأن المقصود هو كسر الجدار، لا الهدم. فان كوخ، رمز الجنون النبيل، الحزن الملون، يصبح مرآة للذات. اللوحة المنسية ليست في المتحف، بل في “ذاكرتي”، أي أنّ الذاكرة نفسها هي المتحف المهمل.
أتسلل من الفجوة
يبهرني ضوءٌ قمحيُّ اللون
أتقدم على استحياء
من تلك الشجرة
الضوء هنا “قمحي” اللون، إشارة إلى الحصاد، إلى الخصب، إلى الوطن الرمزي. الشجرة ليست شجرة فقط، بل كيان أمومي، أصل الأشياء.
لن أوقظ “رجل الحقل” من إغفاءته
سأنظر إليه بصمت
أمد يدا افتراضية تمسح قطرات تعب
نزّت من جبينه
وأمضي…
أحمل حزمة سنابل
و..
أملأ
الحقل
ضياء
الإنسان هنا (رجل الحقل) هو الإنسان الأول، البريء، المنسي، المتعب. لم تأت لتوقظه، بل لتواسيه، لترى فيه انعكاس تعبها، وتمر. السنابل ليست غذاءً بل نورًا، والنهاية لا تدفن الظلمة بل تزرع النور في قلبها.
(3)

سمعتك يا سيّابُ تنقر على نافذتي
مطر
مطر
مطر
الاستدعاء المباشر للسيّاب ليس مجرد استحضار لشاعر؛ إنه استدعاء لكامل حمولة المطر في الشعر العربي الحديث. السيّاب هنا لا يُسترجع كتقنية تناصّ، بل يُستدعى كـ«نداء روحي»، كشاعر العتمة المبللة، كصوت منسي ينقر على نافذة الذات، والنافذة بدورها رمز للحدّ بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم. والمطر المتكرر يتناسل موسيقيًّا في تكرار شعري يتجاوز الاستعادة إلى التماهي. هذا النداء يمثل لحظة انفتاح الذات على ما بعد حدودها، استجابة لصوت أعلى، أعمق، أو ربما أسبق.
فتحت رسالة الماء
وقلت للسماء
أفسحي لي الطريق
صوب القمر
لأعزف على أوتار المساء “أنشودة المطر“
في هذا التصعيد الرمزي، يُعاد بناء المطر لا كمشهد طبيعي بل كـ«رسالة». والماء، في هذا السياق، يتخذ طابعًا إشاريًّا مزدوجًا: هو الذاكرة، وهو الغسل، وهو الشفرة الكونية. الذات تطلب من السماء أن تفسح لها الطريق، لا هروبًا بل صعودًا، إلى القمر – رمز البرودة، العزلة، والمجاز – لكي تعزف “أنشودة المطر”، لا بوصفها قصيدة، بل بوصفها كشفًا موسيقيًّا كونيًّا. الشاعرة هنا تتحول إلى عازفة على وتر الوجود، إلى مفسّرة للشعر من داخله.
فهل يسمح ليَ السياب
بجولة..بين السطور فأنا
بلا مظلة…
يعجبني السفر
تستأذن السيّاب، بل تستلطفه. تسأله أن تُمضي جولةً بين السطور، تلك السطور التي سُفحت فيها الدموع والتأوهات والمطر. ولا تملك مظلة، في تعبير يشحن الصورة بالكثافة الرمزية: إنها مكشوفة، بلا حماية، مستعدة للتبلل بكل معانيه. “يعجبني السفر” هنا هو إعلان عن نزعة وجودية نحو الانفتاح، نحو الاختبار، نحو العبور الدائم.
عندما أصغي إليك تنوح:
” عيناك
غابتا
نخيل
ساعة السحر“
تتقمص صوت السيّاب، فتُعيد إحياء واحد من أشهر أسطره الشعرية، ليس اقتباسًا، بل تلبُّسًا. تدخل في ترديده من الداخل، وتُعيد له بريق الحضور في لحظة شعرية حميمة. السيّاب هنا لا يُذكر، بل يُسكن القصيدة، يُعاش فيها كذكرى وكصوت حيّ.
أندسُّ بين السماء والمساء
أستظل بسعفة
تمدّ فيئها من جيكور إلى قرطاج
الموقع الذي تختاره الذات هنا ليس الأرض ولا السماء، بل “بين السماء والمساء”، أي بين المطلق والحدود، بين الغيب والتجلي. والسعفة التي تستظل بها تمتد جغرافيًا من “جيكور” – قرية السياب – إلى “قرطاج”، موطنها الرمزي في تونس. هذا الامتداد ليس فقط جسريًّا، بل شعريًّا وتاريخيًّا؛ هو دمج بين الذاكرة العربية الجماعية والذات الفردية.
وأنام ملء جفوني
على سرير البلاغة والمجاز
أهزّ أعْذاقَ الاستعارة يسّاقط الحلم جنيًّا
الصورة هنا تُستدعى من عمق الشعر، حيث يُستبدل السرير بسرير المجاز، ويُستحضر النوم كراحة أخيرة في حضن البلاغة. تتحول الذات إلى أمٍ تحرّك شجرة الاستعارة فـ”يتساقط الحلم جنيًّا”، وهذا المشهد المتكامل يمزج المجازي بالحسي، ويجعل اللغة بذاتها هي الحلم، وهي الثمر، وهي النعاس الأخير.
وبين إيقاع الدمع
والقصيد
أنشد: مطر..
مطر
مطر
تعود إلى اللازمة التي بدأ بها السيّاب، لكن هذه المرة ليست ترديدًا، بل خلقًا جديدًا لها في تمازج صوتي بين البكاء والإنشاد، بين الماء والقصيدة. المطر لم يعد سياقًا خارجيًّا، بل تولّد داخليٌّ ناتج عن ارتجاج الداخل.
ما أجمل الرحيل يا سيابُ
بين الفصول
وعبر التفاصيل والسهول!
الرحيل هنا لا يُقابل بالحزن بل بالجمال، كأنها تعلن أن النهاية حين تأتي محمّلة بالشعر، فإنها ليست هزيمة بل عبور. والرحيل لا يحدث من مكان إلى آخر، بل “بين الفصول” – أي بين أطوار الحياة – و”عبر التفاصيل”، وهي أكثر ما يمنح الحياة معناها.
بلا مظلة أنا أعانق المطر
وأفك جدائلي كطفلة مجنونة
تلاحق الشمس مبللة الأحلام
هل تمتطي الغيوم
ولا
ضرر؟
لا
ضرر.
في الختام، تتحول الذات إلى طفلة مجنونة، صورة تختزل الهشاشة والبراءة، التمرد والانطلاق، وتُطلق جدائلها في وجه المطر، مبللة بالأحلام. المطر هنا يرمز للانفتاح على اللامحدود، على التبدد المضيء. أما “هل تمتطي الغيوم ولا ضرر؟” فهي ليست سؤالًا حقيقيًّا بل اختبارًا شعريًّا لفكرة التحليق، للانفصال عن الأرض والنجاة عبر الجنون. تأتي الإجابة “لا ضرر” مرتين، كل مرة بصوت أكثر ثقة: الرحيل المجنون لا يوجع، التحليق لا يُقصي، والتجاوز لا يُهلك.
خاتمة:
تغدو “حالة الجنون” في هذه القصيدة، لا انكسارًا عقليًّا، بل انفلاتًا روحانيًا من أسر اللغة العادية والواقع المعتم. عبر ثلاث حركات تصاعدية، تصوغ فاطمة محمود سعدالله مشهدًا شعريًّا فريدًا، حيث تختلط الأصوات: بيتهوفن، فان كوخ، السيّاب، لتندمج في صوت الذات المفككة والمعادة التكوين. القصيدة ليست مجرد نص، بل تجربة وجودية تتمادى في الحلم حتى تخترق حدود الزمن والمكان.
اللغة في النص ليست أداة وصف، بل كيان متحول: موسيقى، ظل، مطر، ضوء. والرموز ليست زخارف، بل بنية بنيوية، حيث كل إشارة – من النغمة إلى السنبلة إلى المظلة – تستدعي حقولًا من المعنى تتسع وتنفتح. الذات في هذه القصيدة لا تستسلم للقدر، بل تفاوضه، وتدير لحظة الرحيل بما تبقّى من فتنة الشعر.
“حالة جنون… ثلاثية الأبعاد” ليست مجرد عنوان، بل هوية النص بأكمله. إنها ثلاث حالات، أو ثلاث درجات من الكشف: أولها الفن، ثانيها الذاكرة، وثالثها المطر – وكلها تشكل دائرة لا تؤدي إلى الانطفاء، بل إلى نوع من الخلود الشعري. هنا، يكون الشعر هو الخلاص، هو الجواب الوحيد الممكن على سؤال العدم.
بهذا النص، لا تغادر الشاعرة عالمها، بل تصعد منه، تطفو، تختفي لا لتنطفئ، بل لتتبدد في الحلم الذي يصير مطرًا، وموسيقى، وضوءًا يملأ الحقول المنسية.





