حينَ تتذكّرُ الروحُ لغتَها الأولى


***
لم تكن الكلماتُ سيوفًا،
ولا الحروفُ خيولَ اقتحام،
كانت نَفَسًا قديمًا
خرج من رئةِ العالمِ المتعبة،
فارتجفَ الرخامُ
وتلعثمَتِ المرايا.
هناك…
حيثُ تُلمَّعُ الوجوهُ كلَّ صباح،
وحيثُ تُصاغُ الحقيقةُ
بحجمِ النشرات،
مرَّ صوتٌ وحيدٌ
خفيفٌ كدعاءٍ في مهبِّ الريح،
لكنه ثقيلٌ
كميزانِ العدالةِ حينَ يستيقظ.
***
جاء الصوتُ من امرأةٍ
تعلّمتْ الصمتَ طويلًا
بين جدرانٍ تعرفُ التراتيل
ولا تعرفُ الرجفة.
خرجتْ من الزمنِ
لا حاقدةً ولا منكسرة،
بل مثلَ غصنٍ
اكتشفَ فجأةً
أنَّ السماءَ أقربُ
من سقفِ القاعة.
قالت:
لم أُمسَّ بسوء،
لم تُكسَرْ روحي،
لم تُساوَمْ كرامتي،
بل رأيتُ بشرًا
يُصلحون داخلَهم
قبل أن يغسلوا أيديهم،
ويقيسونَ خطاهم
على نبضٍ خفيٍّ
لا يُرى…
لكنَّه يُنقذ.
رأيتُ وجوهًا
لا تعرفُ الضجيج،
وأكفًّا
تُمسكُ الفقرَ
دون أن تسقطَ العزّة،
ونساءً
يمشينَ في الضوء
كما تمشي الفكرةُ النقية
دون أن تخجل.
وكان الفجرُ
حينَ يتكلّم،
لا يطلبُ فهمًا،
بل يوقظُ في الصدرِ
ذاكرةً سماوية،
كأنَّ الروحَ
تتذكّرُ لغتَها الأولى.
ثم التفتَ الصوتُ
إلى العروشِ المصنوعةِ من صور،
لا ليُدينَ…
بل ليضعَ مرآةً
أمام الوجهِ المُتعب
من التمثيل.
قال:
كم مرّةٍ لبسنا الأسماءَ
وخلعنا المعاني؟
كم مرّةٍ رفعنا الشعارَ
وأسقطنا الإنسان؟
ليس كلُّ من صرخَ آمن،
ولا كلُّ من همسَ كان ضعيفًا،
فالحقيقةُ
تمشي أحيانًا
حافيةً…
لكنَّ الأرضَ
تتعلّمُ منها الثبات.
***
ثمّ يحدثُ أن
يعيشَ أحدهم
كما لو أنّه
الجواب…
دون أن يعرفَ السؤال.
أن تكونَ جسراً
لا لافتة،
ومعنىً
لا خطبة،
وأن تتركَ أثركَ
في قلبٍ واحد،
فالقلبُ إذا استيقظ
يتّسعُ المعنى.
هذا هو الطريق:
أن تمشي الحقيقةُ
كما لو أنّها وحدها،
ويكملُ الصمتُ
ما لم يُقَل.
سمير اليوسف




