العراقالوطن العربي

رحيل الفنان الكبير “محسن العلي”..سر الجودة والتألق دوماً..

كتبت عنه قبل رحيله الصادم ؛

    أكاد اقف محتاراً من أين أبدأ الكتابة عن صديقي اللدود محسن العلي، وهو بكل تلك الفخامة والحصيلة من التاريخ الفني والاجتماعي والذاكرة العراقية التي امتدّت من الموصل لبغداد ثم عمّان و القاهرة واستقرت إلى حين بدبي والشارقة ثم عجمان.

   محسن مع كل الالقاب التي يستحق تاريخ معطر بالحكايات العامة و الشخصية والخاصة جداً لما اعرفه عنه ومنه من حكايات لا اتمكن قطعاً من جمعها في مساحة مقال ( بروفايل )عنه، لأن ثلاثة أو اربعة عقود من تفاعلي معه ومع منجزاته تجعلني مقصراً إنْ حكيتُ عنه لأُقدم صورة مختزلة عن الانسان والفنان والصديق و الدماغ الكبير الملفوف بذلك الجسد الذي أنهكه المرض فجاة للأسف، فكل محطة في حياته قصة تصلح لعمل فني عن حياته وتشعباتها في المسرح والسينما والتلفزيون والسياسة والحكاية الشعبية والأصدقاء والمدن التي عرفها ، ومعارف من مختلف المشارب والتوجهات معاييرهم لدى محسن أوزانهم النوعية وأصالتهم وطيبة قلوبهم ، والثقة التي يعقدها معهم بالفطرة والثقة المتبادلة ، حيث قضى محسن جل عمره في الفن منذ تخرجه من معهد الفنون الجميلة ، نهاية السبعينات القرن الماضي ،الذي دخله خارج موافقة عائلته الموصلية المحافظة ، فكان شديد الإخلاص للتعبير عن المبدع الذي فيه ، قراءة واستخلاصاً وتفسيراً ومعاينة.

       انشغل طويلاً في دراسة تحولات الناس وزيف الكثيرين ممن بدلّوا جلودهم ، بسرعة البرق ، فهو يدرك ان الناس معادن، كما هو التاريخ الذي كان شاهداً عليه، وقرأه بعمق ، الذي اطلعني خلال سنوات طويلة من صداقتي له ، عن أسرار يشيب لها الولدان، عن ناس لا تملك إلا أنْ تنفرَ منهم، جراء تفانيهم في فن التملق، وهم لا يحتاجون ممارسة كل تلك الأدوار في مسرح “العبث السياسي ” الذي مضى عليه ربع قرن ، جعلني أرى صورهم الحقيقية، وهم يقلبون تبديل البنادق من كتف لكتف!!.

    لكنه العلي ظل نبيلاً ينظر إلى ضعفهم وتحولاتهم كزملائه بعين المثقف ، الذي يدرك قدرات الناس وطاقتهم واحتياجاتهم ولجوئهم لأداء الأدوار ، في حياة يظل المحترم فيها، من يقدر قيمة ذاته ،،

وحصيلة تاريخه. ان محسن العلي تسلم مواقع متقدمة في إدارة الفن والسينما والتلفزيون واشتغل مع رعيل فخم وشخصيات تركت بصمتها وغادرت الدنيا وهي تموت واقفة مثل أشجار الصنوبر .

       دخل محسن في العقد الثامن من عمره ( مواليد 1953) وهو في قمة عطائه ويقف عند صفات كثيرة تميزه، كأفضل مخرج مسرحي للأعمال الدرامية والكوميدية ، ومدير فرق كثيرة، تولى ادارة الفن العراقي في المسرح والسينما و عمل مع اهم المخرجين العراقيين والعرب ومديراً لاهم مهرجان عراقي لسنوات هو مهرجان بابل الدولي و لديه فيه حكايات (مضحكة – مبكية ) حين يروي كواليسها وسلوك السياسيين فيها ، وهو ممثل مميز في الاداء في أعمال عديدة ، وتولى عشرات الادارات التلفزيونية والمسرحية والسينمائية والفرق العربية وكتب عشرات النصوص لكل تلك الفنون ، وكان خبيراً محكماً منصفا للعروض، وله اشتباكات كثيرة مع أمنيين وسياسيين في السلطة السابقة، حول مخرجات عروضة ومواقف تجعله يقف مزهواً انه دافع عمن بمعيته من الفنانيين بشجاعة ، جعلته كبيراً في أعينهم، كما هو، ونال عشرات الجوائز في مهرجانات عربية وعالمية . فهو صاحب حصة الاسد في الجوائز والتكريمات العراقية والعربية لما انجزه العلي بصبر وطاقة على المحبة لا توصف ، وابداع حقيقي .

      تحية لهذا العراقي الفذ الذي عاني مرضاً عضال لكنه ظلّ صابراً محتسبا ً ، لا يقبل إلا ان يحيا واقفاً يشمخ بشموخ وطنه .”قال لي وقتها ماذا أبقيت لي لأعلق على ما قلت ، وكانه يقرأ خطاب وداعه الأبدي ليرتاح في عالم الخلود الأبدي ، بعد أن تعذب بالمرض اللعين، الذي أحزنه وبدد كل ضحكاته وسخريته من الدنيا ، ليكتشف أن مغادرته الوطن أقسى قرار اتخذه ، فعاد اليه مرات وهو مصاب يكابر ويظن أن هذا الوطن هو من يجد فيه ضالته وبقايا روحه التي تمردت على جسده ليسلم روحه لخالقها القدير رب السموات والأرض وليودعنا هذا المساء ليطوي 73 عاما من حياة امتدّت بين الموصل وبغداد. والقاهرة والدوحة وعمان ومدن اخرى .

     وداعا فناننا الكبير وصديقي ولتسعد روحك إلى عليين فانت كبير في دنياك وحكايتك وأثرك على الناس ،،اهمس بأذنك انك لم تكمل لي بعض حكايات ظلت عالقة في تاريخ الفن والحياة والصداقة والخصومة واسرار الوطن

مقالات ذات صلة