أدب

“ألواح برسم النار”: قصيدة الطين التي لا تنطفئ..

                    “برقية”: المحرّر الثقافي

      صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت العمل الشعري الجديد للشاعرة العراقية المقيمة في كندا لهيب عبدالخالق بعنوان ألواح برسم النار، وهو كتابها الثامن ومجموعتها الشعرية السادسة، بعد سلسلة إصدارات امتدت منذ ثمانينات القرن الماضي وتوزعت بين الشعر والنقد والسياسة. بهذا الإصدار تواصل الشاعرة حفر مسارها الخاص في الكتابة العربية المعاصرة، مسار يتكئ على لغة متوهجة وصور ميتافيزيقية تنبثق من الذاكرة السومرية ومن حاضر المنفى العراقي والعالمي في آن.

    المجموعة ليست ديوانًا شعريًا بالمعنى التقليدي، بل أشبه بعمل معماري من الألواح والأنقاض والظلال. تتوزع النصوص على سبعة أقسام تحمل اسم “ألواح”، يتناثر في كل لوح نصوص تنبني على قصيدة طويلة النفس، تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ، والمخيلة بالواقع، والرماد بالماء. إننا أمام مشروع شعري يتخذ من الطين مادته الأولى والأخيرة، ومن النار عنصر التكوين والامتحان.

شبعاد والعودة إلى الأنوثة المقدسة

       في قلب المجموعة تستعيد الشاعرة شخصية شبعاد (بو-آبي)، الملكة السومرية التي حكمت أور في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، وارتبطت بمعبد القمر “ننا”. حضور شبعاد هنا ليس استدعاءً أثريًا أو وصفًا تاريخيًا، بل بعث جديد لشخصية أنثوية مقدسة في لحظة الخراب. تقول الشاعرة: «أنا سيدة الألواح… أنا التي لا تُختصر في اسم، أنا الحبر المتبقي من أول كتابة». هكذا تتحول شبعاد إلى مرآة للشاعرة المعاصرة، وإلى رمزٍ لكل امرأة تحفر اسمها في الطين كي لا يُمحى.

ليست هذه العودة إلى التاريخ السومري نوعًا من الحنين الماضوي، بل محاولة لإعادة كتابة الحاضر بعيون الماضي. فشبعاد التي دُفنت بذهبها، ثم عادت من ظلال أور، تصبح رمزًا للمرأة-الذاكرة، المرأة-القصيدة، التي تواجه النسيان بكتابة متجددة.

لغة الطين والظل

لغة المجموعة تتسم بكثافة صورها وانزياحاتها البلاغية، حيث تتجاور النار والماء، الطين والظل، الصوت والصمت، لتصوغ مشهدًا شعريًا يتجاوز المباشرة. الألواح لا تسرد أحداثًا بقدر ما تستبطن إيقاعًا داخليًا يوازي التراتيل القديمة.

في نصوص مثل «ظل الزمن»و*«زهرة الصمت»* و*«ذاكرة الجدار»* يتكرر حضور العناصر الأربعة: الأرض، الماء، النار، الهواء. لكنها ليست عناصر طبيعية بل رموز أنطولوجية. الطين هنا ليس مجرد مادة، بل ذاكرة متجسدة. النار ليست عذابًا فقط، بل امتحان للمعنى. الظل لا يكتفي بأن يكون أثرًا للنور، بل يصير كيانًا قائمًا بذاته، يصرخ بلا صوت.

هذا التكوين الرمزي يعيد القارئ إلى جذور الشعر الرافديني، إلى التراتيل السومرية والأكادية، لكنه يقدمه في قوالب حداثية، بل ما بعد حداثية، حيث يتجاور النص الموزون بالقصيدة النثرية، وينكسر السرد في مقاطع قصيرة تنتهي غالبًا بـ«نقش» يحفر الخلاصة.

الذاكرة والمنفى

تتجاوز المجموعة حدود التاريخ والأسطورة لتلامس التجربة العراقية المعاصرة، تجربة الغياب والمنفى والخراب. فالقصائد تعج بصور المدن المحترقة، المذابح، الأنهار التي تحفظ الأسماء، والجدران التي تكتب الظلال. في نص «رماد المدن»نقرأ: «في القصيدة تُرفع المدن من رمادها، ويُرمَّم التاريخ بصوت لا يعرف إلا أن يبقى».

بهذا المعنى، يصبح النص الشعري ليس فقط إعادة سرد، بل إعادة بناء رمزية لمدن محطمة. وكأن الشاعرة تعيد رسم أور ونُفّر وبغداد وحلب والموصل وكل مدن الذاكرة التي اجتاحها الخراب. الشعر هنا فعل مقاومة للزمن، ومحاولة لانتزاع المعنى من بين الركام.

فرادة المشروع

تبدو ألواح برسم النار مشروعًا متكاملًا، لا مجرد ديوان متفرق النصوص. فالعناوين والهيكلية تدفع القارئ إلى التعامل مع الكتاب كوثيقة شعرية/ميثولوجية. كل لوح يتخذ شكل شهادة أو نقش، كأننا أمام ألواح طينية فعلًا، تنقشها امرأة معاصرة لتعيد كتابة التاريخ.

الأسلوب يجمع بين الشعر الموزون والحر، وبين الخطاب الطقسي والخطاب التأملي. وفي كل مرة تضع الشاعرة القارئ أمام سؤال: هل نحن نقرأ ماضي سومر، أم حاضر العراق، أم مستقبل الإنسانية؟ هذه التعددية تجعل الكتاب مفتوحًا على قراءات لا تنتهي، وتضعه في مصاف المشاريع الشعرية الكبرى في الأدب العربي الحديث.

صوت بين ضفتين

لا يمكن قراءة هذا العمل دون الالتفات إلى سيرة الشاعرة نفسها: عراقية من جيل الثمانينات، عاشت التجربة الشعرية منذ بداياتها في منتدى الأدباء الشباب ببغداد، ثم خاضت العمل الصحفي والنقدي والسياسي، قبل أن تستقر في كندا. ثمانية كتب حتى اليوم، بينها أعمال شعرية ونقدية وسياسية، تشهد على تنوع تجربتها، وعلى إصرارها على جعل الشعر فضاءً للذاكرة والهوية.

هكذا يتقاطع صوتها مع صوت شبعاد وإنخيدوانا وتموز، لكنه يظل صوتًا معاصرًا، يكتب من المنفى، ويواجه الخراب بالقصيدة. إنها تجربة «بين ضفتين»، ضفة الوطن المفقود وضفة الاغتراب، وبينهما الطين الذي لا ينتهي.

    ألواح برسم النار ليست مجموعة شعرية جديدة وحسب، بل حدث أدبي يعيد طرح سؤال الشعر نفسه: ما معنى أن نكتب في زمن الخراب؟ كيف يمكن للقصيدة أن تحمي الذاكرة من التفتت؟ كيف يمكن للمرأة – الكاهنة، الملكة، الشاعرة – أن تعيد للغة قوتها الأولى؟

      هذا الكتاب يجيب لا بالإجابات الجاهزة، بل بالقصائد التي تنحت معانيها من الطين والنار، وتترك أثرها كأحرف على ألواح لا تحترق. إنه نص يضع لهيب عبدالخالق في موقع متقدم داخل المشهد الشعري العربي، كصوت يحمل مشروعًا خاصًا، عميقًا، يزاوج بين الجذور والأسئلة المفتوحة، بين سومر والعراق والإنسانية كلها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق