تحولات السَّرد: من محاكاة الواقع إلى مركزية الذات في رواية عالية ممدوح..




لن يفلت القارئ والمعلق على الرواية الأخيرة لممدوح “خلوة النقص”، (دار الآداب، 2026) لو شاء أن يستعيدها من سؤال: أين تبدأ، وكيف يحدّد مجراها وتسلسلها، وهي محددة شكلًا؟ السبب عندي أن مؤلفة»حبات النفتالين»(1986) «الولع»(1995) و» الغلامة»(2000)، ف»المحبوبات»( فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية ـ 2004) وصولًا إلى « التّانكي» (2020)؛ انخرطت في هذه الأعمال في سلك من الكتابة الروائية ما انفكّ ينزاح بتدرّجٍ وتداخل وقفزات، وفي نصوص متصادية، حينًا، وعزف منفرد آخر، عن مقتضى القواعد المحددة لبنيات وعمران السرد الحاوية لمعيش وتمثيلات واقعية، لينتقل إلى كيانية الذات وتبئيرها موضوعًا وتوطينها مضمارًا للحكي، ومن هنا الانتقال بالرواية من سرد الخارج، وهذا اختصاص جنسها، إلى فرع منه يسرد سيرة مؤلفه بجعلها معادلًا موضوعيًّا للواقع، هو إشكال مرتبط بتغيير البراديغم، من شمولية المجتمع إلى مركزية الفرد.
كلُّ شكل فنيّ قرينٌ بمحتواه، وبرؤيته، وفي « خلوة النقص» نلحظ كيف يتضافر العنوان لصنع مُكوّنين: الخلوة مكان إقامة وفضاء عيش، والنقص تيمةً بعديد عناوين تنبت دماميل بأسماء شتى ومرادفات، النقص نعتٌ لأمراض أو يختصرها جميًعا حين نعلم أن المرض براديغم المحكي. تتوالد عن المكوّنين فروع وقنوات: ـ الأمكنة تتّسع؛ تضيق؛ تمتد؛ تحضُر، تغيب؛ تُسكَن؛ تُهجَر. وأخيرًا، لتصبح الذاتُ(المركبة من: الشخصية + الساردة + الكاتبة، يتأكد التركيب بالنزوع والتلفّظ السِّيَر ذاتي جلباب هذه الرواية)؛ لتصبح الفضاءَ الوحيد للعيش في خلوة الجسد الهشّ ونقصانه اللانهائي، بضموره المادي، ودفقة الوجداني ذاكرةً تسيل لتكتبَه.
تكتب ماذا؟ الكتابة. هي عبارةٌ فضفاضةٌ كثيرًا ما تُستعمل دون ضبط وكأن معناها ملازم لها محايث، بينما تحتاج إلى أن تُقرن بما يُدقّق نوعها، وتعبيرًا يخصُّها، ونسقَ تُعلُّمٍ بمقتضاه تعمل وتُنجز. في النقد الحديث استُعملت للدلالة على الأدب بصفة (الشعرية ـ البويطيقية) لتُميّزَ عن الأدب العام، ومنه فصلها عن المناهج السيكولوجية السيرية والسوسيولوجية والتاريخية والفيلولوجية، وتندرج في مفاهيم المدرسة النقدية الجديدة بفرنسا منذ الخمسينات، ولا تعني انتسابَ أيّ كلام للأدب تشترط أدبيته بطبيعتها وعناصرها الشكلية.

لذا نقول إن عالية ممدوح وهي تغرِف من خزّان آلامها، من تباريحَ الهوى والخسران للمجهول أكثر من المعلوم، كتبت خاصة، بحيطة شديدة عمدت « تسرِد» المرض بمرجعية وأدوات الأدب. جعلت من مرض أصابها وتنقّل بها إلى مستشفيات الضاحية الباريسية( العسكري، بواسي، سان جوزيف..) هواجسَها ومادةَ حكيها. وإذ نقرأها على امتداد 180 ص ننتقل بين استطرادات تسبح فيها الذكريات والمشاعر الآنية ، ومناجاة للغائبين، وتكليم للذات، بصيغ: مذكرات، تداعٍ حر، استعارات، تراسل، علينا أن ننتبه لعقد الزواج بين شتات المعاني والدلالات وابتكار صنعة الدوال واللغة الناقلة.
عملُ رفّاءٍ لوجود مهترئ يصل أمشاج الماضي بالحاضر، ويحوك مرض الجسد بكتابة مغايرة.. بحكم مراسٍ طويلٍ في كتابة ناصعةٍ بالشكل الذي ترتئيه، تعرف ممدوح جيدًا أن القارئ ينتظر ممن يعلن عن رواية أن يقدّم له قصة، التي تربّى عليها طرائق، وحدثًا وشخصيات تفعل، وتلقاها متسلسلة، ومتحولة، عبر حِقَبٍ وأجيال وتقاليدَ أدبيةٍ وفقَ شروطٍ وأطرٍ موضوعية متباينة، وكيفما كان إهاب التجديد وذرائعُه ولَبوس العبارة، فهو يتلقى الرواية مادةً حكيّا محبوكًا ممّا ثبت في تاريخها، وإلا فهو يغشّه حتى لو أخلص النية.
وعيًا منها بهذا تبدأ عالية ممدوح تاريخ (تيمة) المرض من أوله، بسلسلة نسَبٍ متأصّلٍ في السلالة كأنه شخصية تمرّ بأطوار الحياة، وينتقل بهدوء بالوراثة وقبولٍ قدَريّ بين الجدّات، العمّات، من ثم للموت حضور سياديّ مطلق في البيوت، بمكانة فردٍ حميمٍ من العائلة. تخبر(بالخبر) عن ذلك ، ومنها جاء تسلسل المصاب؛ لذا فالمرض شرعيّ، تاريخيّ، ابنُ واقع، فيصلُح حكاية للرواية، لنقل تاريخًا جديدًا للفرد بعد أن غادر بلاده، وطنه( الكاتبة ضمنًا بالسيرة التخييلية)، ما همّ اختيارًا أم قسرًا، فليس هذا شاغلُ النص، القصّ ـ( لنُبق في الذهن ونحن بصدد قراءة هذا العمل وجود وتواشج مُكونين يتوالدان باستدامة يلقّحان بعضهما وهذا النسق الفني ـ موضوع الكتابة)ـ؛ بل الوعاء، التيمة الأشمل،ـ ومن حسنات هذا العمل أنه لا «يطنطن» بتراجيديا منفى مزعومٍ ويبتئس به للكسب ومجدٍ أدبي ملفّق، فأكبرُ الأدباء النازحين إلى فرنسا، يونسكو، كورتثار، ماركيز، ستيتية ومحمود درويش، لم ينطقوا يومًًا بكلمة (منفى) ولا وظفّوها في أيّ مزاد أدبي؛ منهم عالية ممدوح التي غادرت العراق سنة 1982 لأسباب تخصّها وانتهى بها المقام في عاصمة الأنوارـ ثم المطافُ روائيّا إلى ما نحن بصدده، أي شخصية المرض.

تروي الكاتبة، الساردة، هي الشخصية عينُها قصةَ مرضها الذي لا تعرف عنه شيئًا في الظاهر، وبالتبعية نحن كذلك، سوى نوبات السعال تنتابها وتستغرق فيها من غير جزم أنها إصابة في الرئة، إلى أن يخبرها الطبيب بعد معاناة وفحوص طويلة بمثابة تمثيل ورسمٍ لملامح شخصية المرض تنقله من صعيد التجريد إلى صور التجسيد، وبعد المرور تحت أجهزة تكنولوجيا اختبارات شتى باسمِه:» التهاب رئوي خلالي ارتشاحي»(ص180) وهي لا تفقه في الإسم شيئًا ولا يعنيها لحدّ أنها تمازح طبيبها :» ماذا لو تعاملنا معه[المرض] صاحبًا أو صديقًا»(181) تأكيدًا للشخصنة ولِمَلا عصابًا للفصام وبما أن المريضة الحقيقية أو المفترضة واحدةٌ وحيدةٌ بدليل العنوان» خلوة» وتجلياته، فخَلا زياراتٍ متقطعة لأفراد بهيئات شبحية، واستحضار غيرهم بآلية التذّكر، المريضة وحيدة والرواية فنّ المتحرك والمتعدّد، لا الثابت والمجرد مثل الشعر.
تعي الكاتبةُ بتجاربها السردية السابقة هذا فتبتدع حواريةً على مقاس حالتها ومزاجها، كي تصبح اثنين، وهذا بالضبط ما فعلتْ. صادقت المرض. شخّصته إلى أقصى الحدود من خلال صُورِ وأفضيةِ تنقّلها في المشافي، وأنواع وأدوات فحوصها، وحالات تلقيّها للعلاج، ومعاملات المحيطين بها.، بذا اتخذ هيئاتٍ مادية دامغة رسّختها نعوتٌ في بنية الوصف والعناصر الموصوفة، وعمّقتها مشاعرُ في بنية الإحساس. ما كان هذا ليتمّ لولا شخصنةُ المرض، انتقالُه من هيولى تجريدية إلى شخصية حيّة فاعلة، محاوَرة، فأنا تصبح أخرى، هذه إحدى لعب تمويه السيرة الذاتية، شأن الإيحاء بتنويع الضمائر: المتكلم، المخاطب، الغائب، والخطاب كله بضمير واحد وبالمحتوى نفسه.
(أنا) تزدوِج في ذاتها. أولًا، ببُعدين: الأصلية، وإن لم تحمل أيّ اسم في الكتاب السيرة، كلها من على سرير المرض كائنًا يخضع للفحوص والعلاج ويستقبل مناوبات الممرضات والطبيب وباستثناء معلومات محدودة تنتسب إلى الماضي ورجْع صدى علاقاتٍ في الحاضر؛ هي (أنا) غُفل anonyme (لا توجد لها بطاقة مريض وهوية تحيط بالمعصم المعصم أول قبول للمريض بالمستشفيات)؛ والثانية: هي الشخص ـ الشخصية التي تكتب بتقطّع في الكرّاس الموضوع بجانب سرير الغرفة، هكذا تحقق ما سمته فرجينا وولف بتقنية (working in progress) حيث تحدث الرواية وهي تُنجز، تصنع البعد الثاني يتماهي مع الخطاب الأول معمِّقًا هويته، ويختلف في الشكل فقط. « كان المرض قد وزّع عليّ هِباته فما كان عليّ إلا البقاء كالخادم الأمين لجسمي العليل فاستبدلنا [لاحظ ملفوظ ضمير الجمع] وصف الألم بالكتابة عنه»(88). عمليًا هناك كتابتان، نصّان: نصّ الجسد في وضع المرض وبالمقلوب، ونصّ الكتابة بآلية ِوفاعليةِ ما يسميه ستيفن كينغ ب «عُدّة التأليف» تصوغها وتصنعها جماليات النقص، وسيجد القارئ عنتًا في متابعة الانتقال بين النصّين البِنيتين، بالأحرى التمييز بينهما، وذلك لسببين، أرى الأول: لتداخلهما في جملةٍ ذاتِ نَفَسٍ واحد تقسيم الفقرات فيها شكلي، رسمي، لا خاضع بالضرورة ل»منطق» الرواية، تفترض منطقها، خاصة لا حدث، لا أفعال تنمو وتتطور، هي حالة ، معاناة نفسية، وجدانية، بل حتى عصابية névrose بصيرورة دائرية تعود باستمرار إلى نقطة البداية تستأنف كتابة لم تبدأ لا تكتمل لا أقول حلقة مفرغة ولكن من قبيل الصورة المعبَّر عنها بالفرنسية

le serpent qui se mord la queue (الثعبان الذي يعُضُّ ذيله). السبب الثاني في لغةٍ وأسلوبٍ واحد مشترك للإثنين. لا تختلف لغة الصوت الخارجي عن الداخلي وهذا نقص في نوع القول يخل بانسجام الخطاب ويرتدّ به إلى الأحادية، السكونية، فيما يبغي التعدد، ويتفاقم بالعبارة الشعرية والأوصاف والصور المجازية نقيض رواية الجسد، تحتاج باعتبارها جنسًًا أدبيًّا موضوعيًا لا ذاتيًا إلى تجانس موادها وأدواتها.
للخروج من شرنقة الذات، وحتى عُصاب النرجسية، تنشر الكاتبةـ الساردة ـ الشخصية غطاءَ المرض ليشمل محيطها، انطلاقًا من إرث السلالة المتروك وراءها في بغداد، بالحري يلاحقها تأكيدًا لتفكك الأنا الجسد أشلاء هناك وهنا يستفحل المرض(الموت) كالوباء في باريس، يقابلها في صورة الجار تييري الغادي بتؤدة ومرح أبله إلى حتفه إذ يتحلل بالتدريج، تضعيف لحالتها؛ ثم وصف طقوس الدفن بعد الموت الرصينة المحايدة بخلاف المسلمين لتبيان الفرق بين عالمين وثقافتين. تتسع بانوراما المحيط أيضًا في معاينة(constat) تقريرية نظير تشخيص طبيب لداء، تبين البون الشاسع بين معاناة الشخصية المريضة، ومعناه في بلد الهجرة، فهو» حالة مضبوطة، هو قضيتك وحكايتك وحدك، الموت هنا قضية عادية»(62) بذا فأدب الحِداد في المجتمع الغربي عقلانيٌّ لا مأساوي. لمن رغب في تأمل هذه الملاحظة مشخصة روائيًا سيعثر عليها عند Italo Svevo(1861ـ1928) في روايته» وعي زينو»(1923) المعدودة من رصيد الانقلاب الروائي الكبير الذي أحدثه تيار الوعي مع جيمس جويس؛ في هذا الأثر الرائد في نوعه يُخضع المريض(الشخصية) زينو مرضه المبهم لوعي سيكولوجي وأسئلة ميتافيزيقة، وقد حول اللغة إلى مشرط لتشريح النفس والبحث عن مكامن الداء بطريقة مدوّخة وكأنك في متاهة، ولا شفاء أخيرًا من المرض.. مع اعتبار الفارق الزمني وطريقة السرد نلحظ أن عالية ممدوح تمتح إلى حد من هذا المشرب وهو تجديد جدير بالانتباه يخرق المألوف في الروائية العربية الحديثة، وأنا هنا لا أحبذ استعمال مصطلح التجريب أصبح عملة رديئة لتصريف أيّ بضاعة محكية.





