(غابة من السلطة) في إيران، تشبه الأشهر الأولى الفوضوية خلال ثورة 1979..



“برقية” ترجمة عن الإيكونوميست بتصرّف
لم يعد تذبذب مواقف ترامب مفاجئاً. لكن الرسائل المتناقضة الصادرة من إيران تشير إلى أمر مهم: صراع على السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، التي تعيش للمرة الثانية فقط خلال 47 عاماً من تاريخها من دون قائد أعلى مطلق قائم. ويُشبّه أحد المراقبين الوضع بـ”غابة من السلطة”، تشبه الأشهر الأولى الفوضوية خلال الثورة الإيرانية عام 1979. وهذا يطرح على الوفد الأمريكي في إسلام آباد –إنْ جرى عقد الجولة الثانية قريباً- سؤالاً جوهرياً: مع من سيتفاوضون تحديداً؟.
أعطت الجولة الأولى من المحادثات في إسلام آباد، التي عُقدت يومي 11 و12 أبريل/نيسان لمحة عن التوترات الداخلية في إيران. فعادةً ما تكون الوفود الإيرانية صغيرة ومنضبطة ومحددة المهام، لكن وفد إسلام آباد كان مختلفاً تماماً: إذ ضم نحو 80 إيرانياً من بينهم نحو 30 صُنّفوا كصنّاع قرار. وتراوح أعضاؤه بين دبلوماسيين مخضرمين مثل مجيد تخت روانجي، الذي ساهم في صياغة الاتفاق النووي مع إدارة أوباما عام 2015، وشخصيات متشددة مثل محمود نبويان، الذي يصف أمريكا بـ”الكلب الأصفر الشرس” ويرى أي اتفاق بمثابة استسلام.

وقد كانت خلافاتهم حادة إلى درجة أن الوسطاء الباكستانيين أمضوا وقتًا في التوفيق بينهم بقدر ما فعلوا مع الأمريكيين، بل اضطروا أحياناً إلى تعليق الجلسات لتهدئة الأجواء.
يرجع أحد أسباب هذه التوترات إلى وجود فراغ في قمة السلطة. فبعد سبعة أسابيع من مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي حكم 37 عاماً، في ضربة جوية أمريكية-إسرائيلية، لم يتمكن خلفاؤه حتى الآن من تحديد موعد جنازته. ويُعتقد أن ابنه وخليفته المفترض، مجتبى خامنئي، إما عاجز أو ضعيف عن فرض سلطته.
كما أدت الحروب والاغتيالات الإسرائيلية إلى تقليص صفوف القيادات العسكرية الموالية، بينما يبدو أن البدلاء يرفضون التخلي عن الاستقلالية التي حصلوا عليها خلال الحرب، حين لجأت إيران إلى لامركزية القيادة والسيطرة لمواجهة الهجمات المشتركة الأمريكية والإسرائيلية.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان بدأت وحدة النظام التي سادت زمن الحرب تتفكك. رسمياً، تتركز السلطة في المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم الرئيس ورئيس البرلمان وقادة الأجهزة الأمنية. وقد تم تعيين محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، كبيراً للمفاوضين، مع عراقجي كنائب له. لكن استعدادهما للتفاوض أثار رد فعل عنيف، خصوصاً من الحرس الثوري، الذي يبلغ قوامه 190 ألف عنصر. وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في التصريحات المتناقضة حول وضع مضيق هرمز.
داخل إيران، تتزايد مظاهر صعود النفوذ العسكري. فقد بدأت حشود موالية للنظام، يتم حشدها ليلًا عبر شبكات مرتبطة بالحرس الثوري في مهاجمة عراقجي وقاليباف بالاسم. كما يبدو أن البيانات العسكرية التي يلقيها رجال بزيهم العسكري قد حلت محل الخطب الدينية. وحتى القيود الصارمة على اللباس بدأت تتراخى؛ إذ قادت امرأة غير محجبة هتافات في تجمع حديث، في خرق لمحظور استمر أربعة عقود على غناء النساء منفردات أمام الرجال. وفي مؤشر آخر على تنامي سيطرة العسكريين، طرحت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس فكرة تأجيل الانتخابات البلدية المقررة في 1 مايو/مايس.
يرى البعض أن هذا التناقض الظاهر تكتيكي، يهدف إلى انتزاع تنازلات عبر إظهار معارضة متشددة. فالصراعات داخل إيران تعود إلى بدايات الثورة، حيث اختلف قادتها بين مواجهة أمريكا أو التكيف معها. لكن الحرب الحالية يبدو أنها تعمّق انقساماً جديداً بين قوميين يسترشدون بالواقعية السياسية ومصلحة الدولة، وإسلاميين يتمسكون بالأيديولوجيا الثورية.

وتعقّد المصالح المادية المشهد أكثر، فقد ظهرت خلال السنوات الماضية طبقة من القادة العسكريين الذين تحولوا إلى متجاوزي عقوبات، يحققون أرباحاً كبيرة من الالتفاف على العقوبات الأمريكية. كما يُعتقد أن شبكات مرتبطة بمجتبى خامنئي وقاليباف تسيطر على استثمارات عقارية خارجية، ما أثار اهتمام وسائل الإعلام. ومع غياب خامنئي الأب، عاد إلى الواجهة لاعبون كانوا مهمّشين سابقاً، ولكل منهم حلفاؤه وأجنداته وطموحاته في السلطة.
لكل مجموعة رؤية مختلفة بشأن القضايا الرئيسة في المفاوضات، مثل البرنامج النووي، والسيطرة على مياه الخليج، ودور الوكلاء الإقليميين لإيران. فالقوميون قد يقبلون بالتخلي عن هذه الشبكات مقابل رفع العقوبات، بينما يعتبرها الإسلاميون عمود “المقاومة”. ويرى القوميون أن التصعيد النووي يستدعي الهجوم، في حين يستلهم الإسلاميون نموذج كوريا الشمالية ويسعون إلى امتلاك سلاح نووي للردع. أما السيطرة على مضيق هرمز، فهي لدى البراغماتيين ورقة تفاوض لاتفاق أمني أوسع مع دول الخليج، بينما يراها المتشددون مصدر دخل محتمل عبر فرض رسوم عبور.





