(الموت في غزة).. استنفارُ الحياة





جاءت قصيدة أستاذي الشاعر الكبير حميد سعيد (الموت في غزة) مؤرِّخاً لها باليوم الثامن والعشرين من تموز/ يوليو 2025، أي بعد قرابة عامين من انطلاق ملحمة (طوفان الأقصى) من أرض غزة، ولهذا التأريخ ثاني مفاتيح عتبات القصيدة، بعد عتبة عنوانها/ ثريّاها، مفتاحها الأول بحسب القارئ الداخل في متنها، الناظر المتأمل في حيثياتها الفنية، الساعي إلى استكشاف ما أظهره هذان المفتاحان، أو ما انغمر بين سطورها الستة والستين، عدا ما سكت عنه الشاعر فاكتفى بسطرَيْ نقاط بين مقاطعها، بلغت ثمانية (اثنان) تحت كل مقطع من مقاطعها، بما يُشبه عملية مونتاج (تقطيع) لمشاهد سينمائية متحركة.
فهل جاء هذا التقطيع الشكلي/ الظاهر الخارجي، الذي دلّت عليه سطور نقاط المسكوت عنه في متنها، ليعني كبح جماح انسياح ما اعتمل في قلب الشاعر من رؤى في كل مقطع من مقاطع القصيدة؟! أم جعله سبيلاً إلى إحداث انتقالات تُيسّر لهذه الرؤى التروّي قليلاً، وقد عوّدنا الـ (حميد سعيد) اعتماده في العديد من قصائده، متأملاً ـ يكاد يكون واعياً ـ ما يريد قوله، وهو المتيقّن تماماً من مساوئ الاندفاع العاطفي البحت، إن كانت “ثيمة” النص لا تحتمل “التسريد” العاطفي النازل بالدافع إلى القول من علياء الرؤى المتأملة؟!
ذكرت قبلاً إن لمفتاح “تأرخة” القصيدة مدلولاً مثلما لثريّاها، إذ يبدو مرور هذا الزمن كله (بين 7/ 10/ 2023 ـ 28/ 7/ 2025) ذا صلة وثيقة بعتبة عنواها (الموت في غزة)، المتكوّنة من المبتدأ (الموت) وجملة حرف الجر والاسم المجرور (في غزة)، وهي جملة لا تصلح أن تكون خبراً تامّ المعنى للمبتدأ، بل جملة لا تشي بما يعنيه المبتدأ (الموت) بمداليله المعروفة، إن تمّ ربطه بجملة (في غزة) لأن ثمة ما أخفاه الشاعر الـ (حميد) فيه، إغراءً للمتلقي لتجاوز العنوان إلى المتن النصّي، ل”يكتشف” ما يمكنه اكتشافه من مداليل دوالّ يمكن أن توصله إلى ما يريد الوصول إليه في القصيدة، وهذا ما يُراد ـ بالضرورة ـ من أي نصّ شعري أو نثري بداهةً وبالضرورة كذلك، وما أحسبني أوردت أمراً غريباً في هذا.
سأُنقّر في النص إذن وصولاً إلى مبتغايَ، ولعلي لن أتجاوز ما استكشفه أصدقاء قبلي، كتبوا عنه ونشروا ما قرأوا انطلاقاً مما أثاره من اهتمام به وبالشاعر معاً.
انطلاقاً من سطرَي القصيدة الأول والثاني : “للموتِ أجنحةٌ/ يطيرُ بها إلى مَن لا يشاء.. ومَن يشاءُ من الضحايا”، سنكون أمام دالّ (الموت) ذي الأجنحة، الذي طالما قابله في عُرفنا الشائع تعبير “ملاك الموت” من جانب، وقابله هذا الملاك الموصوف والمحدَّد الدور “ملاك النور” المحدَّد الدور إلاهيّاً بالحياة وانبعاثها، لكننا ما دمنا في مواجهة دال الموت تحديداً، ستستوقفنا عبارة غاية في الأهمية، أوردها الشاعر في نهاية السطر الثالث : “في الطريق إلى التي كانت تُشاكسُه..”، فهذه التي شاكست الموت من قبل، حملت دلالتين : أنثى بعينها [لنقل إنها المرأة الفلسطينية/ المدينة غزة نفسها التي حدّدها عنوان النص]، والمشاكسة [بحركتَيْ الفتح أو الكسر فوق حرفَيْ الكاف والسين] لا فرق، ففي كلا الحالتين ستمنح المتلقي لحظة التفات إلى “كائنة” طالما أحسنت مشاكسة الموت، ولم تدَعه ينتصر عليها البتة، بأن : “تُنجب كلَّ عام”، مثلما أخبرنا الشاعر في السطر الرابع من مفتتح القصيدة، بل هي : “رحِمٌ ثريٌّ منذ أن كانت/ تجمّع حولها وطنٌ جميلُ”، مثلما تمظهر أمامنا وصف هذه المرأة/ المدينة لا فرق، في السطرين العاشر والحادي عشر من النص.

إنها لم تستسلم، و(الموت) بأجنحته المعنوية أو أجنحة الطائرات والصواريخ المادية، لم يتوقف أو يُسلّم لها، ما دام رأى مذ : “حطَّ صغاراً يكبرون”(سطر5)، و : “ليس من بابٍ سيُغلَقُ دون مَن جاؤا إليها”(سطر9)، ومدلول هؤلاء لم يحتج الشاعر إلى تسميتهم من “أجنحة الموت” أو ممثليه، لتظل “سطوة الموت” الغشوم وممثلوه على الأرض قائمة طوال هذا الزمن الذي حدّدناه سابقاً، لكن : “الحياة أقوى إذا اشتبكا”(السطران 12 و13)، لكن سطوة الموت استبدلت وسائلها طوال هذا الزمن، إذ : “الجوعُ.. افترى أنشودةً سوداء../ واختار الصبايا الحالماتْ../ عرائساً/ والأمّهاتْ../ يُطعِمن من وشَلٍ.. جموع الجائعين”(الأسطر17 ـ 21)، وقد جنّب الشاعر المقطع الأول هذا التقريرية بأن جعل الجوع مفتريّاً ـ مجازاً بالطبع ـ لأنشودة سوداء، دال القسوة المفرطة في استخدامه بين وسائل الموت وجنحته.
وإذ استكمل الشاعر في المقطع الثاني نقل مشاهد أفعال الموت وممثليه، جاء بعدد من العبارات الشعرية “المؤنسِنة” للأشياء :
ـ “غادرَ الخبزُ المدينة” [صارت المشاهد معنيّة بمدينة لا امرأة كما أوهمنا قبلاً].
ـ “ضيَّع الطرقَ التي كانت.. إلى الناس.. العجينْ” [ مختصِراً مدلول اختفاء الطرق السالكة واختفاء الطعام عن ناسها].
ـ “ما كان من شجرٍ يُطلُّ على الحقولِ../ ذوى../ ولمَّ ثيابَه../ ومضى/ وأبقى للترابِ وللترابِ../ رسالةً للقادمينْ”(السطور 22 ـ 31).
ولأن الشاعر حميد سعيد معرفة ثقافية عامة بالعمل السينمائي، سرعان ما انتقل من المقطع الثاني “السوداويّ” المشاهد، إلى المقطع الثالث الذي شاء أن يفتحه ـ ابتداءً ـ على مشاهد مضيئة، لأنه مثلما عرفه من أحبَّه وقرأ شعره، طالما أكد يقينه من حركة الحياة (النور) وإن ساد الظلام (الموت) أجواءها وأثار نوازع الخوف والقلق والريبة في وقائعها، إذ لم يتخلَّ في مواجهته لـ “مِحنِه” التي واجهها مراراً، عن يقينه هذا بروح الثائر/ المناضل/ العنيد إزاء الحق والحرية والكرامة، وقد تشبث بالشعر وغيره من أجناس الإبداع لخدمة يقينه هذا. لذا سنقرأ في هذا المقطع، وقد لجأ إلى “الأنسنة” ثانية في رؤياه لمحنة ما جرى ويجري في غزّة وعلى ناسها والحياة فيها، بمختلف شؤونها :
ـ “ستعود غزّةُ مرةً أخرى إليها../ تقرأ الآتي../ ستعرفُ.. أنّ مَن قُتِلوا../ مضَوا../ لكنّ غزّةَ سوف لا تمضي/ كما كانت.. تظلُّ هناك..”، ذلك إنها مرت عليها مراحل وحقب تاريخية منذ عصور، الأقرب فيها ما شهدته في الحرب العالمية الأولى وما أعقبها، مثلما أخبرتنا وثائق وكتب كثيرة عنها، فهي :
ـ “في هذا الخراب ومهرجان الجوع والخوف../ استعادت ما تسلل من طقوس الموتِ../ في أوراقها الأولى../ وبادلَتِ الحكايات القديمة.. بالذي يأتي”(السطور32 ـ 41)، فإذا ما راحت تشهد في محنتها هذه :

ـ “كأنّ الموتَ صيّادٌ جبانٌ يقنصُ الأفراخَ ../ في أعشاشها../ ويفرُّ حين يرى الصقور”(الأسطر 42 ـ 44).
ولم يشأ الشاعر الـ (حميد) إنهاء هذا المقطع “المُضاء/ المُضيء”، من دون أن يتخلى عن نفَسِه الملحميّ الذي عرفت بها نصوصه المخصوصة بهمومه الإنسانية، وهو سليل تاريخ طويل ووريث حقيقي صادق لعشرات الملاحم الخالدة، منذ العصر السومري، وعصور ما قبل التاريخ، العراقية والعربية والإسلامية وغيرها، لذا رأيناه ينعطف في ختامه للمقطع الثالث هذا من قصيدته، فيُرينا (غزة) وطناً أكبر من مساحة هذا “القطاع” المحدود من أرض فلسطين، إنها :
ـ “وطنٌ وقورْ/ مذ كان تخرج من فيوض يديه../ أو دمِه المهورْ/ أهيَ النذورْ؟/ ما كان من عصفٍ يُعيد إلى مواسمِها../ أقاويل العصور”(السطور 45 ـ 50)غتَيْ
لقد أسقط ـ أظنه عامداً ـ علامة الاستفهام عن السطرَين التالييَن لسطر السؤال “أهيَ النذور؟”، لإمكان قراءته بصيغتَي : سؤال ثانٍ، وهذا من شأنه إضعاف المدلول، أو إخبار عن إمكان قراءة “العصف” الحالي الذي تشهده غزة والوطن ـ عراقياً أكان أم عربيّاً ـ بشيراً بقرب جعله سبباً لاستعادة ما سجله التاريخ من مواقف قوة وانتصار للأمة، في مواجهات ـ إن لم تكن أشد قسوة ـ فهي قريبة الوقائع منها، استمراراً لروح اليقين والثقة التي لم تغادر الشاعر الـ (حميد) في مختلف الأحوال.
في المقطع الرابع من هذه القصيدة الكبيرة، سيجعل الشاعر من الحوار صيغة تذكير ونُصح واستهجان، وقد بدأ خطابه مع غزة ـ ظاهراً ـ ومع الأمة كلها لمن ينعم نظره بالسؤال الاستنكاري :
ـ “هذا الفجورْ/ من أين جاء إليكِ../ مَن فتح الطريقَ له..؟/ أما أيقنتِ.. إنّ الموتَ يكمنُ في دعاوى العاجزين/ وإنّ مَن كذبوا عليكِ../ سيكذبون عليكِ ثانيةً وثالثةً..”(السطور 51 ـ 56)، وقد وضعتُ في قراءتي هذه علامة استفهام مُفترَضة، أمام عبارة “أما أيقنتِ؟” إذ وجدت الشاعر يبدأ ما بعدها ـ في سطرها والسطر التالي ـ بالأداة (إنَّ) [ اسم الفعل الذي يفيد التوكيد القوي]، بما يدلّ على أنه لم يُرد مواصلة تساؤله في بقية السطر والسطر التالي له، بل بدء عبارات شديدة التأكيد بشأن الموت؛ الموت تحديداً، الذي “يكمن في دعاوى العاجزين، الذين طالما كذبوا ـ أو لعلهم أساغواـ أكاذيب الأعداء واستمرأوها، فاندفعوا وراءها وجرّوا على الأمة كلها ويلات الهزائم، لكنه كمن تنبّه إلى أنه لا يرغب بأن يبدو واعظاً أو “معاتباً” تحديداً ـ بحسب السطر58، فتدارك الموقف والتفت إلى شأنه الشخصي :
ـ “سأُرجئُ ما أُريد القولَ../ لستُ معاتباً../ وأخاف من زلل اللسان../ يا أنتِ يا امرأةً حَصانْ/ كيف استباح حِماكِ.. أوغادٌ../ يبيعون الكلامْ” (السطور57 ـ 61)، فكأنه آثرَ بإرجاء ما أراد أن يُدلي به من آراء محرجة، أو رؤى يُساء فهمها في زمن اتسم برداءة النيّات المسبقة التي صار يبديها كارهو الحق والجهر به، معادو المجاهرين به، أن لا يعطي لسيّئي النيات هؤلاء فرصة لاتّهامه بسوء القصد، وفيهم كثيرين من “المستوفزين” أو من مخالفيه في رؤاه ورؤيته الخاصة لما جرى لغزة؛ مثالِ ما يجري عليها وعلى الأمة كلها بالضرورة.
… وسيعود الشاعر في المقطع الأخير من قصيدته هذه، ليُرينا “أجنحة الموت” إذ تقترب من غزة، أو تقترب غزة نفسها من الموت، لكنها قد تُطيل الإقامة “بين مقبرةٍ وأخرى”، وتُدخِل “شواهدَ الموتى../ إلى ما يحفظ التاريخُ منها”(!)
تُرى؛ هل سكت الشاعر لجهله بما سينتهي إليه هذا الموت؟!
هل ستنتصر الحياة عليه ذات يوم رهنٍ بالغيب، ولله وحده العلم بالغيب؟!
وهل ثمة رؤية غائمة تتلبّس رؤاهُ أو تلبّستها في محنتيه : الشخصية منها حيث اضطره احتلال عراقه إلى هجرته، وتعاظم ما تسير إليه الأمة كلها ـ لا غزة وحدها ـ من هوان؟!.. إنه واثق بيقينه من استنفار ما يجري لإرادة الحياة، كما علّمته “أقاويل العصور”.





