رداً على مقال السيد جورج منصور …”الطائفية في العراق حكاية ظل طويل”..



نشر الأستاذ جورج منصور مقالاً بعنوان ( الطائفية في العراق : حكاية ظل طويل ) ويبدو أنّ الأستاذ جورج منصور توهم أننا قصيرو الذاكرة فأخذنا بعيداً عن مجرى الأحداث وبداية الكارثة ! وكأن واحدنا مصاب بالزهايمر السياسي فلم نعد نتذكر تسلسل الوقائع وتعاقب التطورات السياسية التي قادتنا الى مستنقع الطائفية وسلطة الميليشات وحكومة اللادولة الحالية .
أجهد الكاتب نفسه في الحديث عن الجذور التاريخية للطائفية ونشوئها في أوربا ثم انتقل للحديث عنها في المجتمعات الاسلامية لينتقل بعدها الى العراق فأشار الى أن العراق لم يكن خالياً من الحساسية الطائفية قبل عام 2003 الا أنها لم تبرز الى السطح نظراً لقوة النظام انذاك …. وكأنه يريد ان يعزو السبب في ظهور الطائفية تحديدا الى طبيعة و شخصية الفرد العراقي التي تحمل في دواخلها بذرة الطائفية بصورة كامنه ومتجذرة لايمكن الفكاك منها الا انها كانت مكبوته بحكم وجود سلطة مركزية قوية وصارمه قبل السقوط .
لكن فات الاستاذ جورج منصور أنّ الحساسية الدينية والطائفية أمر شائع في كل المجتمعات التي يحتل الدين والطائفة فيها حيزاً ومساحة في حياة الناس ووعيهم ولكن بدرجات متفاوته اعتماداً على مساحة الحرية التي يتمتع بها أفراد ذلك المجمتع لممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية و درجة تمدنهم ومستوى وعيهم الثقافي والوطني ودور الدولة ومؤسساتها التعليمية والتربوية والإعلامية في إشاعة روح المواطنة واحترام الخصوصية الدينية والقومية والإثنية بدرجة متساوية للجميع.
وهكذا فإنّ أغلب المجتمعات بما فيها المجتمعات الأوربية والغربية لا تكاد تخلو من هذه الحساسية والاصطفاف الطائفي لكن هذه الحساسية محكومة عندهم بدولة ذات مؤسسات راسخه وقيم علمانية متحررة من سلطة الدين تحرم استخدامه في السياسة وتعطي رابطة المواطنه قدم السبق على باقي الروابط الطائفية والاثنية والقومية

يقول السيد جورج منصور ما نصه (حين سقطت الدولة فجأة في 2003، حدث الفراغ الكبير: تفكك الجيش، تلاشت المؤسسات، غابت السلطة، وتراجع الشعور الوطني لصالح الانتماءات الأولية. في ذلك الفراغ، خرجت الطائفية من الهامش الى الواجهة…).
الغريب في الأمر أنّ الأستاذ جورج منصور يتحاشى أنْ يذكر مَنْ أسقطَ الدولة !!! وكيف تفكك الجيش ؟ ومن كان وراء اختفاء مؤسساتها ؟ ومن كان وراء تحطيم جهاز الدولة بالكامل ؟ هل الدولة قد سقطت لحالها أو بإرادة ربانية مثلاً؟ ومن الذي أخرج الطائفية من الهامش الى الواجهة ؟
يسترسل الأستاذ جورج منصور فيقول اعتمد النظام السياسي الجديد على “تمثيل المكوّنات”، وهو تعبير بدا في ظاهره عادلاً، لكنه فتح الباب لترسيخ الطائفية كمنظومة حكم) …. لكن من قال إنّ تمثيل المكونات في السلطة التنفيذية مبدأ عادل ؟ إنه يتناقض وأهم مبدأ من مباديء دولة المواطنة الحديثة التي تعتمد الكفاءة والنزاهة والإخلاص !! ثم مرة أخرى يتجاهل السيد جورج منصور من كان وراء تصميم النظام السياسي الجديد الذي اعقب السقوط ؟ ومن الذي أصر على اعتماد الطائفية والمحاصصه السياسية كمنهج للحكم ؟
إنّ الأستاذ جورج منصور يتحاشى الإشارة الى دور سلطات الاحتلال الامريكية في كل هذا وكأنه يحاول إبعاد المسؤولية في كل ذلك عن هذه السلطة وعدم الإشارة الى مسؤوليتها المباشرة في الوصول الى المستنقع الحالي ؟ لقد خطط الأمريكان لهذا الامر مستهدفين إضعاف كيان الدولة العراقية وجعلها دولة ضعيفة مستباحة مهددة في وجودها ووحدة ترابها الوطني .
وهذا هو واقع العراق اليوم .. هل نسي الأستاذ جورج منصور أم تناسى أنّ الدستور الذي ساعد في تكريس الواقع البائس الحالي كُتب بأيدٍ عراقية ولكن بخط وأقلام أمريكية ؟ على أنّ الرأي الذي يفسر به البعض ما حصل باعتباره اجتهاداً شخصياً او خطأ عرضياً من قبل الحاكم الأمريكي لسلطة الاحتلال بول بريمر هو في حقيقته تسفيه وتسطيح لحقيقة الأحداث ؟ إننا نعيش الآن في دولة فاشلة هندستها وصممتها أجهزة الاستخبارات الامريكية التي لم تكن تسعى لتحقيق العدالة في تمثيل مكونات المجتمع بقدر ما كانت تروم ترسيخ الطائفية السياسية والمحاصصة لجعل العراق دولة فاشلة ضعيفة منزوعة المخالب لا تشكل تهديداً حتى لو كان شكلياً لاسرائيل والمحميات الأمريكية في الخليج.
يقول الأستاذ جــــــــورج منصور: هناك من يسأل: لماذا تتعمَّق الطائفية؟ تتعمّق الطائفية حين تضعف الدولة، ويضيع القانون،

وهذا صحيح لكنه الجزء الثاني فقط من المعادله فالجزء الأول يقول إنّ ترسيخ الطائفية هو السبيل الرئيس لإضعاف الدولة وغياب القانون. وهذان بدورهما يساهمان في بقاء الطائفية وتعميقها وجعل الدولة غير قادرة على الفكاك منها إنها معادلة عكسية تسير في اتجاهين متعاكسين فالطائفية تضعف الدولة وضعف الدولة ينتج الطائفية والعشائرية والمناطقية وهذا ما كانت تدركه سلطة الاحتلال الامريكي حين أصرت على أنْ تكون الطائفية الأساس للبناء السياسي الراهن في عراق ما بعد السقوط!.
يخبرنا تاريخ العراق خلال القرون الماضية بان القوى الأجنبية والإقليمية التي كانت تتنازع السيطرةعلى العراق وبالتحديد (الخلافة العثمانية وفارس) غالباً ما كانت تلجأ لإذكاء نار الطائفية واستخدامها كوسيلة لتكريس الانقسام داخل المجتمع واضعافه ليسهل لها السيطرة على البلاد العراقية واحتلالها ..
لنتجاوز المجتمع العراقي قليلاً ونذهب الى المجتمعات الغربية أو المجتمع الأمريكي تحديداً وأظن أنّ الأستاذ جورج منصور على دراية وإلمام كافٍ به وبتركيبته المتنوعه دينياً وقومياً وسنسأل ماذا يتوقع أنْ يحدث له لو جردنا الدولة من صفة العلمنة واستبدلنا دولة المواطنة بدولة محاصصة قومية ودينية وطائفية ؟ أظن أنّ الأمر ذاته يصح على المجتمعات الأوربية أيضاً.
وهنا أود أن أشير من باب التذكير لأولئك الذين يعزون استشراء الطائفية الى أسباب داخلية بحتة تتعلق بالانقسام الطائفي الحاد للمجتمع العراقي أن الاحصاءات الرسمية كانت تشير انه ولغاية السقوط في عام 2003 فان ما يقارب من أربعين بالمائة من العائلات العراقية هي نتاج مصاهرة بين الشيعة والسنه ! ناهيك عن أنّ كثيراً من القبائل العراقية الكبرى التي ترتبط برابطة الدم والولاء العشائري تتوزع بين المذهبين الشيعي والسني دون أدنى غضاضة أو عداء.
أمر آخر أسقطه الأستاذ جورج منصور فلم يأت على ذكره وهو حقيقة الدور الذي قامت به القوى الكردية وما تزال في ترسيخ التقسيم والمحاصصه الطائفية منطلقة من أن وجود سلطة طائفية ضعيفة متفسخة في المركز يتيح لها إحكام قبضتها على كردستان والابتعاد بها عن الوطن الأم بانتظار المتغيرات الاقليمية والدولية التي تتيح لها تحقيق طموحاتها بإعادة رسم الحدود الجغرافية في المنطقة .. لقد لمسنا خلال العشرين سنة المنصرمة ان هذه القوى كانت حريصة على التحالف والاصطفاف واقتسام السلطة والثروة مع قوى الاسلام الطائفية وكيف أنها أدارت ظهرها في وقت ما لقوى علمانية حاولت أن تكسر طوق الطائفية فساندت نوري المالكي في مواجهة تحالف إياد علاوي الذي تصدر نتائج الانتخابات وقتذاك.

ويبقى السؤال المهم والأخير: من هم رعاة النظام السياسي القائم في العراق حالياً؟.. ومن هم أصحاب المصلحة في بقاء هذا النظام الفاشل واستمراره؟.. ومن يقف بكل ثقله ضد طموح الشعب العراقي في التغيير ؟ أظن أننا جميعاً بمن فينا الأستاذ جورج منصور يعرف جيداً الجواب بكل تفاصيله.
قد افهم أنّ الأستاذ جورج منصور لم يأت على ذكر كل التفاصيل التي قادتنا الى هذا المآل لكن ما لا أفهمه حقاً هو حرصه على إخلاء طرف الأمريكان وتجاهل الإشارة الى دورهم ومسؤوليتهم المباشرة في زرع الطائفية وتكريسها من خلال نظام سياسي متخلف و فاسد يخدم مصالحهم فهم وحدهم من يتحمل المسؤولية المباشرة في ما وصلنا إليه من واقع عراقي بائس ومثير للحزن والإحباط.





