تحقيق

أوراق من دفاتري الصحفية..أموال الدولة ونفوذها في الصحافة العراقية.. 

     تردَّدت على صفحات الصحف في تاريخ العراق لعديد المرّات اتّهامات متفرِّقة بتلقّي هذه الصحيفة أو تلك، أو هذا الصحفي أو ذاك  ، داخل العراق وخارجه معونات مالية أو هدايا مالية.

بدأت هذه الظاهرة بالإنتشار خلال عهدي رئيس الوزراء ياسين الهاشمي 1935-1936 وبعدها مباشرة حكومة الانقلاب العسكري الأول 1936-1937.

   وليس هدف هذه الملاحظات نفي وجود التمويل الحكومي ، بل الهدف هو إلقاء الضوء على هذه الظاهرة التي طفت مبكراً على السطح وليس محتملاً أن تتوقف  في المستقبل ، بل ازدادت تغوّلاً وارتفعت مبالغةً ودخل العامل الأجنبي طرفاً لتمويل صحف عراقية بعد أن كان العراق هو الممول لصحف خارج العراق.

    بلا شك مارس هذه الظاهرة جميع أنظمة الحكم التي حكمت العراق في العهد الملكي والعهد الجمهوري ومرحلتي ما قبل الاحتلال الأمريكي 2003 وبعده.

        ******

    بدأ الحديث عن التمويل الحكومي للصحف عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة ياسين الهاشمي في تشرين الثاني 1936 ،حين اتهمت  جريدة الحارس  لصاحبها مكي الجميل في عددها الثالث الصادر في 14 تشرين الثاني 1936 حكومة الهاشمي السابقة بالتفرقة بين الجرائد إلى درجتين وخصصت ( لأصحاب الدرجة الأولى مخصصات شهرية قدرها 30 ديناراً ولأصحاب الدرجة الثانية 15 ديناراً.

    لكن التمويل الحكومي في عهد حكومة الهاشمي لم يكن الأول بل سبقه تمويل كان يُسمّى “المخصصات الحكومية” التي بقيت طويلاً ، وهو إجراء حكومي تقليدي لشراء ولاء الصحف والصحفيين ، ومارسته كل حكومة تولت مقاليد الأمور، بصرف النظر عن سياستها ومنهاجها ورجالها. ولابد من الإشارة إلى أنّ موضوع التمويل الحكومي للصحف بقي سراً من أسرار الحكومة، وفي الوقت نفسه تعذر العثور على وثائق رسمية بهذا الخصوص، فيما تجنّب الكثيرون مِمَّن تحدثت معهم من رجال الصحافة والسياسة والحكومة وفي فترات متعددة الحديث في مثل هذه الأمور.

     وكانت الحكومات تسعى لكسب ولاء الصحف بعدة اشتراكات للجريدة ، وكانت السفارتان البريطانية والامريكية تقومان بتنظيم زيارات لأصحاب بعض الصحف أو الصحفيين لبريطانيا والولايات المتحدة ولعدة شهور ولم يخجل البعض من تسلّمِ مقالاتٍ جاهزة لتلميع صورة الاحتلال البريطاني  في العراق مقابل بضعة دولارات، كما هي الحال مع ما قامت به القوات الأمريكية المحتلة للعراق في القرن الحادي والعشرين، باعتراف المصادر الرسمية الامريكية.

     وركنت حكومة الانقلاب ذاتها عام 1936-1937 لاستخدام المخصصات المالية في علاقتها مع الصحافة ويقول المؤرخ عبد الرزاق الحسني في الصفحة رقم 237 من الجزء الثاني لموسوعته تاريخ الوزارات العراقية ، أن حكومة بكر صديق- حكمت سليمان أغدقت المال على الصحفيين ألعرب الذين أستضافتهم بوساطة رفائيل بطي وبعدها عادوا ( إلى بلدانهم وجيوبهم مثقلة بالدنانير وأقلامهم مهيأة لكتابة ما فيه تمجيد للوزارة).

    بل إن جريدة الاستقلال البغدادية نشرت في الأول من تشرين الأول 1937ما سبق أن نشرته جريدة الاستقلال العربي الدمشقية في 23 أيلول 1937 من أنّ الحكومة الانقلابية في بغداد صرفت آلاف الدنانير على صحف تصدر في مصر وسوريا وفلسطين، ووصلت في أحد الاوقات إلى 20 ألف دينار كان نصيب جريدة مصرية منها 3 آلاف دينار.

     وأكد  حسين جميل في أحدِ لقاءاتي معه ببغداد منذ سنوات طويلة انه -بصفته مدير الدعاية والنشر العام للانقلاب- لم يصرف أية مساعدات مالية للصحف، برغم أنّ من كان قبله من المدراء، ومن جاء بعده كانوا يسيرون على هذا المنوال.

    وكان حسين جميل قد تولى مكتب الدعاية والنشر بإرادة ملكية بعد أيام  قليلة من الانقلاب العسكري ، لكنه استقال في نيسان 1937 ، وفي الحالتين، تسلّم المكتب من إبراهيم حلمي العمر، وسلمه إياه بعد استقالته.

    ويؤكد حسين جميل ( أن بعض الصحفيين كانوا  يتسلّمون 30 ديناراً مساعدات شهرية)، ورفض رحمه الله، أنْ يكشفَ لي عن أسماء هولاء الصحفيين.

    ودائماً لدى الحكومة العراقية وسيلة أخرى غير التمويل المالي، للضغط لاحتواء الصحف والصحفيين وهي الإعلانات الحكومية التي ترسلها للنشر في صحف وتحجبها عن صحف أخرى لتخسر رسوم النشر.

     وتمتلئ الصحف العراقية في العهدين الملكي والجمهوري بالكثير من شكاوى أصحابها بأن وزارة الداخلية( مكتب المطبوعات) ، أو وزارة الدفاع أو وزارة الإرشاد تفضل بعض الصحف على الصحف الأخرى في توزيع الإعلانات الرسمية.

     وفي استعراض لصحف عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، نجد أن بعضها خصص صفحة كاملة من مجموع ست صفحات بالحجم الاعتيادي المألوف للصحف، لنشر الإعلانات الحكومية والتجارية والترويج للبضائع البريطانية ، وإعلانات المحاكم والدوائر الرسمية الأخرى ، وجميعها يوفر للجريدة  مورداً مالياً ثابتاً ومضموناً، ولكن عليها أن تكون لينة في معارضتها للحكومة أو تسكت عن أخطائها.

ويمكن تفسير اهتمام جريدة البلاد بالإعلانات بأن صاحبها رفائيل بطي      

أدرك مبكراً فنون الصحافة والتمويل الذاتي من البيع الذي يشجع الإعلان ، وبأنه كان مطلعاً على فنون الإعلان من اتصالاته مع الصحف العربية في مصر وسوريا ولبنان . لكن الصحفي صادق الأزدي يخالف هذا الرأي ، وينسب لجبران ملكون صاحب  الأخبار قوله أن رفائيل بطي ( كان أول من استلم مخصصات سرية على شكل إعلانات).

     وكان ملكون شريكاً لبطي في إصدار عدة صحف عراقية في اعوام 1929-1931، ومنها  الأخبار التي انفرد ملكون فيها بينما انفرد بطي بجريدة البلاد مما يعني ببساطة أن ملكون نفسه لم يكن بعيداً عن تلك المخصصات المالية السرية ، وسنرى لاحقاً أنّ الأخبار لم تكن أقل حظاً في تلقي الإعلانات ،وكذلك الحال مع جريدة  أخرى هي الزمان  لصاحبها توفيق السمعاني.

    وربما لان عبد القادر السياب قد أصبح بعد الحرب العالمية الثانية عضواً في حزب الاستقلال فقد تفادى صديق شنشل كشف تفاصيل تمويل الصحف أيام الانتفاضة، وقال لي أنه كمدير دعاية رفض منح أية مخصصات مالية سرية للصحفيين وأنه أبلغ رئيس الوزراء بذلك.

ويشير فائق بطي أيضاً إلى أن تلك الصحيفة قد صدرت بست صفحات بالرغم من غلاء ورق الصحف آنذاك دون أن يراجع صحف تلك الفترة ومنها جريدة والده البلاد ، وجريدة الاستقلال ليوم الاثنين 12 مايس 1941 ليجد أنها نشرت إعلاناً يقول ( إنّ وزارة الاقتصاد قررت بيع مائة طن من الورق سعر البند 600 فلس بواسطة مديرية الدعاية العامة فيرجى من الصحفيين مراجعة المديرية المذكورة للحصول على الورق المذكور).

     فلو كانت الحكومة تنفق كما يقول فائق على بعض الصحف لكان الورق متوفراً لتلك الصحف فقط دون غيرها ، وهذا السعر لورق الصحف هو الذي استخدمه ايضاً ستيورات بيرون مدير العلاقات العامة في السفارة البريطانية لتوفير الورق لبعض الصحف بعد فشل الانتفاضة.

     وقد أثرى أصحاب بعض الصحف من شراء الورق من السفارة البريطانية بهذا السعر ليبيعوه في السوق السوداء بسعر أعلى مما حصل مع صاحبي جريدته الأخبار  والزمان.

وقد واصلت حكومات ما بعد الحرب العالمية الثانية ذات النهج حتى حكومة صالح جبر 1948 لكسب تأييد الصحف لمعاهدة بورتسموث مع بريطانيا.

     فلبنان كان رئيس الوزراء وأعضاء وفده يقضي فترة استراحة في أسواق لندن بعد التوقيع على المعاهدة ، كان نائب رئيس الوزراء جمال بابان الموجود في بغداد يستدعي الصحفيين إلى مكتبه ويسلمهم كلا على إنفراد  مظروفات فيها مبالغ مالية يقول صادق الأزدي انه تسلّم المظروف الموجودة لصاحب الجريدة التي يعمل فيها وهو جبران ملكون ، وقال الأزدي لي انه تبين ان المبلغ هو 75 ديناراً أخذها ملكون ولم يعطِ جزءاً منه للأزدي. وهذه الحقيقة التي أشرت إليها في مقدمة هذا المقال حين أثار الأزدي اهتمامي بتاريخ تمويل الدولة للصحف وللصحفيين.

    ولم تنحسر ظاهرة التمويل الحكومي في السنوات اللاحقة واستخدمتها السلطات الرسمية خلال فرض الأحكام العرفية وكانت الصحف تجد دائماً من تتهمه بتمويل صحف دون صحف اخرى.

وقد تعرض رفائيل بطي بصفته وزير الدعاية في حكومة فاضل الجمالي عام1953-1954 لوابل من الاتهامات بالتصرف بأموال الدولة.

في البداية هاجمه صادق البصام  في جريدته الحياد لتبديده أموال الدولة.

     وفي تصريح لصادق الأزدي في مجلة ألف باء صيف 1983 قال أن بطي صرف آنذاك معونات لجريدتين صغيرتين ، أحداهما جريدة الحقيقة بما في ذلك تكاليف طباعتها ، وشرح لي شخصياً أنه كان عام 1954 جريدة الصحافة وأطلع كما أطلع صحفيون آخرون على ما كانت وزارة الدعاية تصرفه من أموال من المخصصات السرية.

     وبالتأكيد كانت كل الحكومات ملكية وجمهورية تحتفظ بالمخصصات السرية لصرفها على الصحفيين وكان تقليداً حكومياً معمولاً به ولم يتصرف بطي برغبة شخصية لكنه أصبح جزءاً من الحكومة ودفع المعونات المالية بصفته الوزارية وليس الصحفية.

     وبعد ذلك شهدت مرحلة حلف بغداد ما بعد عام 1955 استخداماً كثيفاً للمخصصات المالية في الصحافة ، بعضها من مخصصات الحكومة العراقية التي يترأسها نوري السعيد ، وبعضها الآخر من مخصصات مؤسسات  حلف بغداد التي كان بهجت العطية مدير الأمن العام يحتفظ بها بصفته رئيساً للجنة مكافحة النشاط الهدام.

      وبعد قيام النظام الجمهوري في14 تموز عام 1958 وجهت المحكمة العسكرية الخاصة للزعيم محسن محمد علي مدير الدعاية العام تهم تبديد الأموال العامة ومنها صرف مائة ألف دينار عراقي لشراء أجهزة تشويش على إذاعات صوت العرب والقاهرة ودمشق ،واحتفاظه بمصروفات سرية قدرها 12 ألف دينار إضافةً لمصروفات لجان حلف بغداد.

      وابتدعت حكومة نوري السعيد عام 1954-1955 بدعة لتمويل الصحف الموالية حين كانت أجهزة الأمن ترسل الى الصحف إعلانات سياسية من معارضيها المعتقلين من أعضاء الأحزاب السرية تحت عنوان صغير واحد هو ( براءة) من الأحزاب التي ينتمون إليها وتنشرها الصحف الموالية مقابل اجور مالية.

    ولم تختلف حكومات النظام الجمهوري عن سابقاتها في النظام الملكي في الهيمنة مالياً على الحياة الصحفية.

فقد استخدمت حكومة عبد الكريم قاسم 1958-1963 الإعلانات الحكومية وسيلة للضغط على الصحف ، فباستثناء دفع رئيس الحكومة مبالغ متكررة لنقابة الصحفيين لبناء مقر لها ، نجد ان أجهزة وزير داخليته الزعيم محمد أحمد يحيى كانت تدفع للصحف والأحزاب السياسية الهزيلة إضافة لما كانت أجهزة وزارة الدفاع تدفعه للصحفيين.

     وقد كشفت محاكمة الزعيم محمد أحمد يحيى فيما بعد عن أن رئيس الحكومة السابق عبد الكريم قاسم دفع من المخصصات السرية خمسة آلاف دينار عراقي للشيوعي المنشق داود الصايغ لكي يصدر جريدة المبدأ، إضافة لما كانت وزارة الداخلية تدفعه له شهرياً، مبلغ مائة دينار!

     وقد كان بعض الصحف يشتكي من التفرقة في توزيع الإعلانات الحكومية ، فنرى مثلا نقيب الصحفيين الشاعر محمد مهدي الجواهري اشتكى في مقال له في جريدته الرأي العام من ان وزارة الدفاع تمول صحفاً وتستثني  صحفاً أخرى ، وهو ما عبر عنه أيضاً خضر العباسي في جريدته بغداد لكنه اتهم وزارة الإرشاد وليس الدفاع بحجب الإعلانات عن جريدته.

     وفي وقت لاحق قال لي الزعيم عبد الكريم فرحان في رسالة له من السويد بتاريخ 14 أيلول عام  1984 إنه لم يدفع عندما كان وزيراً للإرشاد المخصصات للصحف لكنه يعترف في رسالته أنه توسط لدى زميله وزير الداخلية الزعيم رشيد مصلح لدفع عشرين ألف دينار عراقي من مخصصاته السرية الى جريدة الثورة العربية لتشتري مطبعة لها .

وورثت سلطات حكومة عبد السلام عارف من حكومة نوري السعيد نشر إعلانات البراءة من الأحزاب السياسية وحظيت بها صحيفتا العرب والمنار .

******

      وأصبحت الصحافة العراقية بعد الثالث من كانون الأول عام 1967 من أملاك الدولة بقانون تنظيم الصحافة وهو ما ورثه نظام البعث بعد عام 1968 لكن الممارسات لم تختلف كثيراً عن سابقاتها حيث أصبح التمويل يسمى مكافآت حين يتلقى بعض الصحفيين هدايا من رئاسة الجمهورية بعضها شقق سكنية او سيارات أو أرض زراعية أو مبالغ نقدية سخية.

      ومن أمثلة نكران الجميل أن بعض الصحفيين المعروفين في العراق كانوا بالرغم من تلقيهم هدايا رئاسية سخية ومتكررة أكثر من غيرهم  ، كانوا في مقدمة من هاجم وانتقد صدام حسين بعد الاحتلال  الامريكي.

وكذلك لعبت مديرية الأمن العامة في عقدي السبعينات والثمانينيات من القرن العشرين دورها التقليدي في تمويل الصحفيين ( المتعاونين) أو كما تم تسميتهم  لاحقاً (المؤتمنين ) هم أشخاص يتم الاتفاق على تقديمهم المعلومات للأمن العام مقابل حصولهم  على دعم الأجهزة الأمنية  وكان هذا الدعم ذا أبعاد مختلفة منها مرتبات شهرية تمنح لمن تتم الموافقة على منحه إياها وهنالك باب مالي يحدد لهذه الأسماء  المستفيدة وبعضها اسماء يتم ترميزها، وطبعا كان هنالك صحفيون. 

وقد اشتهر تعاون شخصيات أكاديمية وصحفية منذ تولى فاضل البراك منصب المدير العام للأمن العامة ، منهم معروفون في الوسط الصحفي وقد انقلبوا على النظام بعد الاحتلال.

       وصرفت الدولة العراقية في عقد الثمانينات مبالغ خرافية لعدد من الصحفيين العرب ومولت صحفهم في عواصم أوروبية.   

      أما في السنوات الأولى لاحتلال العراق 2003 بل وقبلها فقد أغدقت الدوائر الامريكية على بعض العراقيين ومنهم صحفيون معونات مالية وعينية تولت صرف بعضها وكالة التنمية  الدولية ( الملغية مؤخراً) لتمويل  صحفيين لإصدار  صحف او إنشاء وكالة انباء أو معدات محطة تلفزيون وبث تلفزيوني وأثاث مكاتب ورواتب ، وفيما بعد باعوها وعادوا الى خارج العراق مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق