أدب

في مدينة لا تشبهني

تطِلُّ على البحرِ

في ضوئهِ يرتدي حلةً للضبابِ،

ثيابَ الغيابِ الطويلِ،

تمدُّ يديها،

فتعرجُ أنسامها،

وكأنّ الرياحَ

تعيدُ لها سيرةَ السندبادِ

ولكنهُ… لم يَصِلْ.

هنا،

تتكاثرُ ألوانُ تشرينَ

في شجرِ الحلمِ….

ترقص في كرنفالاتِ نارٍ

على جسدِ الورقِ المتشظي،

هنا الزهرُ لا يشتكي،

غير أنَّ الخزامى

يُذكّرُني بالدمِ النائمِ في جذرِ “بيّاع بابِ السرايْ“.

أرى البحرَ

لكنَّهُ ليس يُشبهُ ماءَ الفراتِ،

هنا حيثُ تهطلُ “نوفا سكوتشيا”* على رئتي

ينفرُ الماء ظلا نقيا،

يمسّد وجهَ الحنينِ

بأكمامِ ريحٍ

تعودُ… ولا تستقرُّ،

تُدثّرُ أصواتها بالندى

وتقولُ:

أهذا شراعٌ يلوّحُ،

أم آيةٌ من بكاءِ المسافاتِ؟

هل وطنٌ يتمرأى على شاطئيهِ،

أم امرأةٍ لم تُودّعْ جراحَ الطفولةِ بعدْ؟

كنتُ أكتبها ثم أنسى ملامحها،

وتسير المدينةُ خلف خطاها

كأنّ الأصيل يلملُم طينَ الظلالِ،

وأسرارَ أورَ،

كأنّ الزهورَ تنامَ على لغةٍ ليس تعرفها،

وكأنّ الهواءَ

ينادي: تعالي..

فبين الغروبِ وبين الخزامى

طريقٌ إلى ما نسيتِ….

هنا،

كلُّ شيءٍ يُجيدُ التلوّنَ

إلا النداءْ،

فكيفَ ستنمو على شجرِ الأطلسيِّ

يدٌ تتقنُ الرافدين؟

تُطلُّ، فتعبرُ في جفنها

مدنٌ أُحرِقتْ

ثمّ زُوّقتِ الآنَ بالذكرياتِ

التي عبأت واجهاتِ المنافي

تمدُّ نواظرها،

فترى سفنًا من ضبابٍ

تُشابهُ قبرًا،

له شكلُ نافذةٍ لا تُطلُّ على أحدٍ،

وتُحدّقُ في البحرِ مثلَ نبيٍّ

رأى أولَ الموتِ في خدِّ نخلةْ،

وفي صدرِ أمٍّ

تخبّئ أسماءَ من غادروا

في ثنايا الرغيفِ،

هنا، كل شيء غريبٌ

زهورُ الحدائق،

تلكَ النوارسُ،

أكتبُ فوق السواحل

أنّي تركتُ ورائي بلاداً

تعوّدتِ الحربَ حتى غَفَتْ

في وسائدِنا الطائراتُ،

أنا من مدينةِ نارٍ،

ومن شغف الناي تغزلهُ شهرزاد

على ضفة النهرِ،

نقشُ العيونِ على ليلِ بابلَ،

من جرحِ فجرٍ تعلّمَ كيفَ يُرتّلُ

أغنيةً للرمادْ.

وينشدُ: يا بحرُ،

كُنْ لي سماءً صغيرةْ،

أُعلّقُ فيها

خيالاتِ أهلي،

ورائحةَ الدارِ

حين يعودُ المساءْ.

أسيرُ على طرفِ الموجِ

والأرضُ تحفرُ تحتَ خطايَ

خرائطَ أخرى

بلا اسمٍ،

بلا شهقةٍ من ترابِ الحقولِ،

ولا لهفةٍ من سنابل خبأتها

في دياري البعيدةْ،

أنا امرأةٌ من رمادِ النخيلِ

تفتش عن نارِها في شآبيب تلك البحار،

هنا،

لا تنامُ السنابلُ في شالها

لا القصيدةُ تُورقُ

إن لم تمرَّ على شفةِ القصبِ الغافي

على خدّ دجلةْ،

أسطر فوق الشواطئ اسئلتي

ثم أكتب في دفتر البحر

لي وطن سيؤوب إلي صباحا

وأمضي….

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من أجمل الولايات الكندية التي تطل على الأطلسي. وهي الآن دار إقامة الشاعرة، ومنفاها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق