رأي

مادة (جرائم حزب البعث) للصف الرابع إعدادي!!  

     ضمن ورقة أسئلة امتحانات نصف السنة، الدور الأول (للعام الدراسي 2025-2026)، ثمّة ما يثير الشفقة على جيل من الطلّاب، يتعرَّضون لما يمكنُ تسميته (أبشع عملية تجهيل)، لا أقول ذلك دفاعاً عن حكم “حزب البعث”، الذي كانت له “سابقاتُ” القسوة المفرطة، وأحياناً “الفرطاء جداً” في مواجهة أي معارضة سياسية للبعث أو للقائد، فالإعدام “أيسرُ الأحكام” عنده!.

    ويبدو أنّ “حزب الدعوة”، ومَنْ هم في مداراته من السلطويين الشيعة، لم يكفهم لا اجتثاث البعث، ولا حظر نشاطه وتجريم الانتماء إليه، بل وتجريم من يذكره بخير، والحكم عليه وفق المادة المعروفة “4-إرهاب”!. لم يكفهم ذلك، حتى بعد مرور أكثر من عقدين على سقوط سلطة البعث، أو “سلطة صدام”، سمّها ما شئت.

     أعود إلى الورقة، فطلبة الرابع إعدادي، يفترض أنهم ولدوا بعد 2003، وأنّهم لم يعيشوا فترة “حكم البعث”، وأنهم عاشوا فترة حكم “الدعوة ومَنْ هم في مداره”، ورأوا في بحر سنيّ عمرهم ما يشيب له الوِلدان: خَطْفٌ، قتلٌ على الهوية، اعتقالاتٌ بالجملة، حرب أهلية طائفية مقيتة، كانَ من نتائجها الوخيمة أنْ “ألِفَتْ” أعينُ الصبية والفتيان والشبّان الأبرياء، “ذبائح بشرية” ملقاة في الشوارع، لا يقوى عموم الناس على سترها، أو إكرامها بدفنها. 

   يتناسى “أهل السلطة” المكروهة اجتماعياً (بعموم الناس لا بخصوصهم) منذ سنة 2003 حتى الآن، أنّ الانتقام حصاده الندامة، وأنّ مجتمعنا بحاجة لمن يعيد بناءَه، أخلاقياً، فكرياً، سلوكياً، طبقاً لمعطيات العصر، لا بموجب ثأرياتٍ لا جدوى منها مهما بلغت شدّتها، بل في واقع الحال “أنّ اشتدادها ربما يؤدّي إلى نتائج” غير التي يأملها أصحاب الثأر!.

    إنّ الأساليب التي يعالجُ بها “السلطويون” في بغداد باختلاف رتبهم، وأحزابهم، وتياراتهم، آثاراً خلّفها “حكم البعث” في المجتمع العراقي، مخزية، وجاهلة، وتنمُّ عن “خوف حقيقي راسخ” من عودة البعثيين إلى السلطة. ولنفترض جزافاً أنهم أو غيرهم، حكموا البلد، فما الذي سيدرّسونه لطلبة الدراسة الإعدادية والجامعية، “جرائم حزب الدعوة”، أو ربمّا وسّعوا التسمية ليجعلوها “جرائم الدعوة والأحزاب الشيعية”، والأخطر أن يتوسّع العنوان أكثر فأكثر ليُصبح “جرائم الشيعة”.. هنا مكمنُ الخطر، والفتنة، أي أنْ يتحوّل الصراع السياسي على السلطة، إلى صراع اجتماعي، ينسف قواعد التآلف، وأسس المواطنة، والمعاني الإنسانية التي تَمنحُ العراقيين حياة آمنة من دون “ألغامٍ لابدةٍ أو مزروعة تحت جلودِهم”، وفي حاراتهم، وأزقّتهم، بل وفي مدارسهم، وجامعاتهم، وبيوتهم نفسها!.

      ولقد سألتُ أستاذاً تربوياً ذا شأنٍ في مضمار التعليم، عمّا ورد في ورقة امتحان الرابع الإعدادي التي سأنشرها (للاطلاع)، ولم أذكر شيئاً من تفاصيلها، احتراماً لذائقة القارئ المستقل، الذي لا يميل لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، سوى حبّه للعراق، والناس أجمعين.

    كتب إليَّ الأستاذ التربوي قائلاً:

      الأسئلة طويلة جداً ومبالغ فيها. اعتقد أنّ استحداث هذا الدرس بالأساس خطأ كبير، فهو وإنْ كان ضمن حملة تعبئة ضد البعث إلا أنّه سيثير أسئلة في أذهان الطلاب، ويجعل اسمه يتردد ويترسخ في اذهان الجيل الجديد.

    لم يقم اي نظام سابق باستحداث درس للطعن بحزب بذاته،

كان يفترض أنْ يتم نقد مرحلة البعث بفصل من درس “الديمقراطية”

وهذا الدرس استُحدث في بداية التغيير (بعد الاحتلال) سنة 2003، وثمّة حقائق تفيد أنّ الامريكان، قدموا دراسة متكاملة لاستحداث درس بديل عن درس الثقافة الوطنية باسم “الديمقراطية الأمريكية”، فلم يُقبل ما أرادوه!.

     واختتم الأستاذ التربوي إجابته بالقول: كنتُ اعتقد أنّ ورقة الأسئلة لطلبة المرحلة الجامعية، ولما تبيّن لي أنها للرابع ثانوي، ازدَدَتُ قناعةً أنّ الجماعة لا يفقهون شيئاً من الأساليب التربوية، إلا بقدرِ “ثأريتهم” التي تزرع المزيد من الألغام في حياة مجتمع كان يعيش “على حبّ الله”، كما يُقال، أما الحكام، فهم يذهبون ويجيء غيرُهم، والبقاء دائماً للعراق وأهله!.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق