شكاوى القراء وما يطلبه المستمعون!



كثيرٌ من صفحات شكاوى المواطنين في الصحف العراقية، إنّما هي صفحاتٌ يُروِّج محرروها لشكاوى، تكونُ في أغلب الأحيان وهمية، لا وجودَ لدليل وصولها فعلاً، ضمنَ رسائل تشتكي من ظاهرة أو مشكلة ما.
الحالة نفسها مع برنامج (ما يطلبه المستمعون) في إذاعة بغداد أو الإذاعات العربية الأخرى أيام زمان، إذ لم يوجدْ ثمّة دليل على أنَّ البرنامج قد تسلّم فعلاً رسائل تطلب هذه الأغنية أو تلك لمطرب أو مطربة!.
شكاوى القراء
أنا لا أنكر هنا وصول شكاوى من القراء إلى محرر الصفحة، لكني أؤكد أنها رسائل محدودة العدد، أو عدم وصولها إلى كل تلك الأعداد التي كانت تُعلن بشأن الشكاوى المتنوعة التي تعرض الكثير من الظواهر السلبية، الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية.
وسميت الشكاوى في مجلات الستينيات (رسائل القراء) كما جرى ذلك في مجلة “طبيبك” الصحية ، ومجلات الموعد، والشبكة، الفنيتين المختصتين، بأخبار الفنانين والفنانات.

كنتُ ذات يوم في زيارة صديق صحفي متعدِّد المهام في الصحيفة التي يعمل فيها، ومنها مهمة تحرير باب شكاوى المواطنين، وقال لي إن مصمم الصفحة يحتاج لزيادة في مواد باب الشكاوى لكي يتمكن من تصميم الصفحة.
وما حصل أنّ الصديق الصحفي زاد من عدد الشكاوى التي يدعي أنها وصلت إلى الجريدة من القراء ، وجلس يفبرك شكاوى من زوجة تشتكي من ظلم مطلقها ، ومن مواطن يشتكي من وجود حفرة في شارع يمر أمام بيته في بغداد، وهكذا!!
هذا أيضاً لا ينفي تخصيص محررين مختصين فقط بباب شكاوى المواطنين، ولكنهم لم يكونوا من كادر الجريدة كما هي الحال مع حسن العلوي الذي حافظ على وظيفته مدرساً، لكن إدارة جريدة الجماهير ، استخدمته عام 1963، محرراً بالقطعة لا يُلزمُ بداوم، إنما يأتي بمواده الى إدارة الجريدة في محلة الصرافية ويسلمها إلى سكرتير التحرير سامي مهدي ويتسلّم منه رسائل جديدة وصلت الجريدة.
في تلك الفترة كانت مكاتباتُ القراء للصحف كثيرة، وفي شؤون شتّى، لكنها قلّت كثيراً في سنوات لاحقة، بل انعدمت نهائياً في الأعوام التالية. وفي سنوات الحصار الاقتصادي على العراق، عَرفنا أشخاصاً اقتصر عملهم على باب شكاوى المواطنين وحدَه ، ولا اعتقد أنّ مثل هؤلاء يمكن أن يكونوا صحفيين!

ما يطلبه المستمعون
في الجانب الآخر لا أنفي وصول رسائل الى مذيع برنامج ما يطلبه المستمعون، بل هي رسائل محدودة العدد، وأحياناً، تكون محضَ رسائل وهمية لم تصل الى البرنامج بل هي من تأليف المذيع.
حكى لي مذيع في إحدى الإذاعات العربية القديمة، أنه كان في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي، يقدم برنامج ما يطلبه المستمعون وتصله رسائل لا تكفي لتغطية فترة الساعة المحددة للبرنامج الأسبوعي.
ويعترف هذا المذيع أنه كان يجلس مفبركاً طلبات تصله من المدن المصرية أو من مدن عربية في لبنان وسوريا والعراق وحتى الجزائر والمغرب.
ويقول إنّ كل اهتمامه كان منصبّاً على التوازن في أغاني المطربين والمطربات أسبوعياً، فهذا الأسبوع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفي الأسبوع التالي فريد الأطرش وفائزة أحمد وبين هذا وذاك يذيع أغاني معجبين فبرك أسماءَهم لنجاة الصغيرة وهدى سلطان وصباح وفيروز.
وتشتكي سامية صادق أشهر من قدَّم برنامج ما يطلبه المستمعون في إذاعة القاهرة في عقد الخمسينيات من القرن الماضي من أن أحد المطربين الشعبيين كان يرسل هو وأفراد فرقته الموسيقية رسائل من كل مدينة يغني فيها وبأسماء مستعارة يطلبون فيها من البرنامج اذاعة إحدى أغانيه وكانت رسائل كثيرة حتى اكتشفت أنّ مصدرها ذلك المطرب وفرقته.
وتقول إنّ المطرب محمد عبد المطلب اشتكى عندها على عدم إذاعة أغانيه في البرنامج قائلاً لها ( هو إن المستمعين لا يحبون سماع أغانيه).

وهنالك قصة في الأدب العربي كتبها توفيق الحكيم سماها ( الخروج من الجنة) أصبحت عام 1967 فيلماً لفريد الاطرش وهند رستم حيث تمثل هند واسمها عنان في الفيلم دور صحفية تقضي وقتها في الإجابة على رسائل القراء وتلتقي بقارئات يزرنها في المكتب لتقترح عليهن حلولاً.
زمن الرسائل
ومع تقلص عدد المطبوعات والصحافة المكتوبة وإقفال عدد كبير من المجلات ، أو تحويلها إلى مواقع إلكترونية، تغيّرت الاهتمامات والأبواب. وصارت أبواب مشاكل وحلول المجلات من ذكريات زمن الرسائل التي تأخذ وقتها لتصل وتُقرأ وليُردّ عليها.
اليوم أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تعرض عبر حسابات عدد من المتخصصين حلولاً حول موضوعاتٍ كثيرة من الأمور الاجتماعية إلى الصحية، فالنفسية والقانونية والغذائية، بشكل إما مكتوب أو مصور.
وباتت المعلومات متاحة بشكل واسع، والوصول إليها لا يحتاج إلى خبراء مما جعل عادة العودة إلى المجلات للسؤال عن أي موضوع لا داعي له، وانتفت الحاجة إلى صحفيين يديرون بريد شكاوى القراء.





