تحقيق

(20) نقش على الحجر: كتابُ الوفاء لذكرى العراقي الصميم الدكتور يوسف حبّي..

    “لا لم يفُت أوان رؤية كل شيءٍ أبداً.

     أُردِّدُ ذلك في سري، بعد أن تأخرتُ بعض الوقت عن قراءة عملٍ جميلٍ مُحمَّلٍ بحزنٍ وفيِّ، ترويه قصَّةٌ تبقى تستعيد فصولها كل يوم، وأنت تخال “بطل” أحداثها يذرف من مكانه السامق، دموعا غزيرة اكثر من أي وقت مضى، على وطن أحبه بصدق، غادره مبكراً “وبدون موعد”، وهو ما يزال يئن تحت ثقل آثار “حروب مفروضة وحصار جائر”، لكنه لم يتصور أبداً أنّه سيضمر ويتآكل بالصورة التي هو عليها الآن في زمن يشهد تحالف التفاهة والانحدار والتمزق ضد كل ما كان يحلم به من جمالٍ ونقاءٍ و نبلٍ واصالة.

      وأما “القصة”، فيرويها كتاب (“أرى ما لا يُرى الأب الدكتور يوسف حبي..آراؤه وأفكاره في مقالات مختارة”) مراجعة وتحقيق رنا ممتاز نجار التي أصدرته لمناسبة مرور ربع قرن على رحيله. وإنني لأشكرها مرتين، أولاً، لأنها أهدتني الكتاب، وثانياً، كونها أتاحت لي فرصة الحديث بعض الشيء عن عراقي وطني نبيل، يستحق كل أشكال التخليد والاحترام، لأنني أدرك جيداً عظمة مكانة العراق في نفسه، وعمق إخلاصه لرسالته الانسانية، كمفكر ورجل دين سعى لنشر نور المعرفة والسلام والمحبة بين ناسه من كل طيف دون تمييز.

    ولعل الأستاذة “رنا” تتخيل اليوم مدى سعادتي وأنا أواصل رحلتي بين غلافي كتابٍ مطبوع تعاملتْ هي معه بذكاء وحرص واضحين، وصفحاتٍ من ورق أُقلِّبها بشوق، وأَشم فيها عبق أحبار السطور، وأُشاهد صوراً تنثر ألوانها في ذاكرة تختزن وطناً لا يستوعب معنى الغياب عنه إلّا من غادره مُكرهاً، ويقاسمك مشاعر اغترابٍ يبدو أبديا للأسف الشديد.

     أسفٌ، كان يبديه الأب الراحل يوسف حبي إزاء عائلات وشباب يضطرون الى السفر طيوراً مهاجرة الى المجهول. وغالباً ما يكون هذا الموضوع المؤلم، فقرة في أحاديث جمعتني معه أكثر من مرة في مجالس يعرفها الكثيرون من الصحفيين الذين كانت تربطهم به علاقات حميمة، وكانوا يشعرون بالانبهار أمام ثقافته العالية المتنوعة، ووجهه المزدان بوقار باسم وهالة من الطيبة وطول البال .

     إذ كان الأب الدكتور حبّي واحداً من مصادرنا المهمة في الغور بمعاني “اللاهوت “و”الناسوت”، والأهم من ذلك، منبعاً من المعلومات يستعين بها الصحفيون في كتابة التحقيقات أو التقارير ذات الصلة بالقضايا التاريخية المتعلقة بالعراق وأرض ما بين النهرين وغيرهما. يتكلم عنهما بعشق مقرون بالأمثلة والحكايا والشواهد.. وبالرسوم والصور أحيانا. والذين جايلوني في السبعينات والثمانينات، يتذكرون زياراته العديدة الى قسم التحقيقات في جريدة “الثورة“.

     زياراتٌ لا نراها مفاجئة أبداً، بالنظر لما عوَّدنا عليه من بساطة ودماثة خلق ولطف معشر. وقد التقينا معه مراراً على غداء أو عشاء بعد ندوة او محاضرة أو مؤتمر، يكون هو قد أشبع موضوعاتها إضاءة وتحليلاً وتفسيراً. يشاركنا وجبةً يتلو عليها صلاته مباركاً، ثم تراه يتطرق في حديث جانبي عن ألوان الطعام المتوارثة المعروفة في بلاد كانت تحاول ان تَجمع أكثر مما تُفرِّق.

أسترجعُ كل ذلك وأنا اقرأ الكتاب الذي يُعدُّ برأيي وعديدين، مرجعاً مهماً يُعتمد عليه، لأنه حصيلة جهد كبير بذلته المؤلفة في جمع المعلومات عن يوسف حبّي الكاهن والأكاديمي والصحفي والكاتب والمؤرخ والشاعر والمحقق والقاضي الذي يجيد اللغات العربية والسريانية والفرنسية والايطالية والانجليزية، وشغل العديد من المراكز العلمية والثقافية المهمة في حياته.

     تشرح الزميلة رنا كل ذلك باسلوب سلس وبلغة جميلة في صفحات البداية التي تلي “الفهرس”. ألـ”اهداء” فـ”المقدمة التحليلية” الموجزة والثريَّة التي تضمنت “فكرة الكتاب”، وأسباب اختيارها مقالاته الافتتاحية الأربع وخمسين لمجلة “بين النهرين” التي شعرتُ أنني أُراجع عبرها صفحات صادقة كتَبها بحب وشفافية عُرف بهما، بشأن ما شهدته البلاد، حلوها ومرّها، سعادتها وبؤسها، لثلاثة عقود متتالية “1973 – 2000” وهي الفترة التي تولى خلالها رئاسة تحرير المجلة منذ العدد الأول وحتى رحيله المؤثر.

     ثم حديثها عن كيفية جمع المقالات واختيار العنوان والغلاف، فـ”نظرة عامة عن المقالات وكيفية قراءتها”، مشيرة الى الفنان العراقي الدكتور قيس عيسى الذي أبدع في تصميم الغلاف. و”شكر وتقدير” للذين ساهموا في دعمها والهامها. مكتبة جدها، دعم والديها وزوجها وأطفالها، أخواتها وأقاربها وأصدقائها الاوفياء، الأب ألبير هشام نعوم، السيدة دلال حداد “المترجمة”، والسيد بشار بطي والسيدة ملاك هنودي “اصحاب المطبعة”، مع “جنود مجهولين” وقفوا بجانبها منذ اللحظة الاولى.

     ولم تنسَ تخصيص صفحات ضمَّت “بعض ما قيل عن الأب يوسف حبي” بقلم كلٍّ من: (المطران حبيب هرمز النوفلي الزائر الرسولي للارساليات الكلدانية في عموم اوروبا وأسقف أبرشية البصرة، الاستاذ الدكتور خزعل الماجدي دكتوراه في التاريخ القديم ودكتوراه في فلسفة الاديان، الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف استاذ التاريخ الحديث المتمرس جامعة الموصل، دكتور امير احمد الشمري جامعة بابل – كلية التربية الاساسية، الاستاذ الدكتور فيصل غازي مجهول استاذ الفلسفة في كلية الآداب جامعة بغداد ودكتور وسام مرقس استاذ في كلية الفنون الجميلة الاختصاص العام فنون تشكيلية الاختصاص الدقيق دراسات نظرية.)

     وقد صدر الكتاب باللغتين العربية “134 صفحة” والانجليزية “198 صفحة”، ليكون أكثر فائدة لقراء اللغتين، متمنياً أن تكون السيدة رنا قد أمنت قراءته بصيغة ألـ pdf، بهدف تعميم الفائدة من منجز جدير بالقراءة من كل عراقي بل كل انسان. وقدحرصتُ أنا على تصوير بعض صفحاته، اعتقاداً مني بان ذلك قد يضفي مزيدا من الوضوح لدى قارئ المقال الذي جعلني والكتاب أكثر قرباً من الشخص المعني، والذي حرص على أنْ يبقى يتكلم بوضوح حتى آخر مقال كتبه، او آخر كلمة قالها في نشاطاته وبرامجه طيلة حياته الكهنية والثقافية، مستعيداً وقفةً لنا وأظنها كانت في ختام لقاء ما في المركز الثقافي المسيحي “السنتر”، أو بعد نهاية قداسٍ في كنيسة “مار كَوركَيس” بالغدير، أو كنيسة “مار بطرس وبولس”في الدورة.، وهو يقول: على الكاتب أن يكون مقنعاً وواضحاً على طول الخط.

    و أعذروني، لأن ذاكرتي لم تعد تسعفني اليوم كي استرجع التأريخ أو المناسبة تحديدا، لكن صورة وداعه ألأخير لن تغيب عن خاطري المسكون بوجع الفراق أبداً، وأنا ارى جموعا من كل أطياف شعبٍ انتمى الراحل إليه، امتلأت بهم ساحة الدير الكهنوتي في حي “الميكانيك” بـ”الدورة” حيث كنتُ أُقيم في حي “آسيا” المجاور “منقطعاً عن عالم الصحافة منذ سنوات عشر”. وهو الدير الذي خدم فيه من خلال عمله في “كلية بابل الحبرية” التي كانت له اليد الطولى في تأسيسها في العام 1991، وظل عميداً لها حتى وفاته في 15 تشرين أول 2000، في حادث سيرٍ على طريق بغداد – عمّان الدولي في الاردن. وقد كان يوماً ظلَّلتْ سماءَه سحبٌ داكنة مع لمسة برد حزينة تعني الكثير!!

مقالات ذات صلة