العراق

ترجُّل داود الفرحان.. وبلدُه لم يكن “صاعداً” كما تمنّى !؟

     ظل محلقاً في سماء الكلمة، يتمنى أنْ تكون الصحافة كما درسها وتعلمها في أول دورة صحفية تخرج منها عام 1968، منحته البكالوريوس صحافة في كلية الآداب بجامعة بغداد ، بعد أن تمنى طويلاً ان ترتقي الصحافة في العراق لتكون سلطة رابعة بحق ، أو هي صاحبة الجلالة بعمق المعنى ، كما درسها.

     منجزات ومواقع كثيرة و كبيرة حققها داود الفرحان ممثلاً للصحافة العراقية و كان نداً للسلطة وناقداً لها، يرى ان قيمتها أكبر بكثير من ان تكون تابعة ذليلة للسلطات التنفيذية ، تنتظر المكارم من الحاكم وتداهنه ، أو هي صدى وبوقٌ لترويح طلته البهية!.

      كان يمقت الصفحات الأولى في جرائدنا ،كونها تنشر صورة الرئيس بمناسبة أو دون مناسبة، توثقت علاقتي به في مكانين ؛ الأول حين كان مديراً لتحرير جريدة الجمهورية الصحيفة التي كانت نموذجاً للصحافة العراقية في بنائها ومضامينها التي وازنت بين أنْ تكون ناطقة عن الحكومة وبين ما أراده صحفيوها كي تنطق باسم الشعب في اختيارات المحتوى ، وكنت مديرا لأحد صفحاتها ، والموقع الثاني في نقابة الصحفيين طيلة عقد التسعينات من القرن الماضي في ادق مرحلة من عمر الدولة المحاصرة ، و الخارجة من حرب الثمانينات الضروس والداخلة بحرب عبثية أول التسعينات في الكويت.

      كان داود الفرحان اسماً على غير مسمى، إذ لم يفرح يوماً بواقع الصحافة المحلية ، حتى كتب عموداً يقارن بين كلاب سائبة كانت تأوي إلى مقر النقابة ووزير الأوقاف حينها تسبب في حجزه في حاكمية المخابرات أواخر التسعينات لمدة ثلاثة اشهر ، وحين خرج عاد للنقابة ورأيناهُ للمرة الأولى بشاربين كثيّن، وعند أول اجتماع مع نقيب الصحفيين -وكنت وقتها اميناً للسر – عقّبَ داود برجولة على تعليق ابن رئيس الدولة ( النقيب ) حين قال له مازحاً: “مربّي شوارب أستاذ داود؟”. أجابه : دخلت السجن حتى أثبت شواربي!!.    

     وكان التعليق كالصاعقة على النقيب لأنه يعرف أن أباهُ هو من أمر بسجنه!.. كنت الشخص الثاني في بروتوكول النقابة ورأيت عن قرب كيف أنَّ يد النقيب قد تيبست واكفهر وجهه وهو يسمع ذلك التعليق الفرحاني المدوّي ، ولم ينتهِ ذلك الاجتماع بيسر، بل بمشاجرة مع داود حين انتقد الصحافة الأسبوعية وكيف صارت حالُها حالَ الصحف الحكومية والكلام يطول.

     لم يكن المجلس متوافقا معه إلا قلة من أعضائه، ومساندتي له بمواقف كثيرة ، وكان يثق بي كما أنّني أعدّه قيمة كبرى في العمل والتوجه والرأي، فهو من أبرز عقول صحيفة “الجمهورية”، ويشرف على ملحقها الأسبوعي المميز لدى القراء وقتها ، وكان رؤوساء التحرير يقرأون مقاله الأسبوعي ( بين الناس ) بحرص رقابي شديد كي لا يوقعهم بمشكلة ، وهو يعرف حدوده في الصحافة الحكومية لكنه يرفع سقف الحرية في الصحف الأسبوعية.

     وفي عمله مراسلاً لسنوات في وكالة الشرق الأوسط المصرية ، حتى يوم فصلنا من مجلس النقابة في العام 1988 بتهمة عدم التطوع ، لأننا كنا مراسلين للصحافة العربية يوم ضرب العراق العام 1988 ولم نتطوع في تمثيلية التطوع المعروفة ، التي يعرفها كل الصحافيين العراقيين فقال لي الأستاذ داود: ( خلص لا تهتم طلعت منهم ، حرّضوا السلطة علينا بكل ما يتمكنون ) .

      داود الفرحان لديه هوايات كثيرة من بينها تربية القطط ، وهو هم يومي لإعالة أكثر من سبعين قطة يطبخ وعائلته لهم كل يوم وهي تعيش في بيته بزيونة. حتى اشتكي منها الجيران وفرضوا عليه بناء مشبكاً حديدياً عالياً حول بيته ، وكنتُ أشدَّ ما أخشاه عند زيارتي له أن تجتمع تلك القطط حولي وهي قد اعتادت ان ترحب بضيوفه، الذين يفرون منها ..

     رحل داود الفرحان عن الدنيا مع كل الألقاب التي يستحقها في عالم الصحافة ليخلّف وراءه عشرات الحكايات الصحفية ، بعضها وثقها في (بلد صاعد بلد نازل ) الذي يقارن بين عادات الشعب الياباني والعراقي بسخرية لاذعة ، لا أعرف كيف أجازته الرقابة العراقية، حينها ،،ليرسي تقاليد في الصحافة الساخرة ، التي تعلمها من الصحافة العراقية في الخمسينات والمصرية التي يقرؤها كل يوم .

     مات في القاهرة وحيداً، بعد موت رفيقة دربه السيدة الفاضلة أم صفا ، التي تحملته وظلت حياتُه بعدها موحشة في منفاه الاختياري “القاهرة” التي أحبها وعشق شعبها ..

    ودع العالم بعد رحلة ممتعة مع الحياة والصحافة عن عمر ناهز 82 سنة ، وعيناهُ على بلده وصحافتها التي لم ترُق له ..رحم الله داود الفرحان وأسكنه فسيح جناته .

مقالات ذات صلة