رأي

حين يصبح الالتزام تهمة… قراءة في مأساة المسلم المعاصر

على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، يخوض المسلمون معركة مفتوحة في بقاع شتى من هذا العالم. معركة لا تقتصر على ساحات الحرب التقليدية، ولا تُختزل في الصراعات العسكرية وحدها، بل تمتد لتشمل صراعًا نفسيًا وفكريًا وثقافيًا عميقًا، تُختلط فيه الأسباب الدينية بالسياسية، والعقائدية بالمصالح، والأطماع الحديثة بالأحقاد التاريخية المتراكمة.

     ما يثير الدهشة أن هذه الحرب لم تعد حدثًا استثنائيًا أو طارئًا، بل تحوّلت تدريجيًا إلى سلوك عام تتبناه بعض الشعوب والدول، غربية كانت أم عربية، حتى غدا استهداف المسلم الملتزم أمرًا شبه طبيعي، لا يثير استغرابًا ولا يوقظ ضميرًا.

    لم يعد المطلوب من المسلم أن يرتكب جريمة كي يُتهم؛ يكفي أن يُربي لحيته، أو يلتزم بالصلاة في أوقاتها، أو يظهر عليه أثر الدين في سلوكه وكلامه. يكفي أن يقول: هذا حلال أو ذاك حرام، حتى تبدأ حوله دوائر الشك، وتُثار الأسئلة، وتتحرك المخاوف، وكأن الالتزام الأخلاقي والديني أصبح مؤشرًا خطيراً لا قيمة إنسانية.

    المفارقة المؤلمة أن هذا المسلم، في الغالب، لا يحمل سلاحًا، ولا يدعو إلى عنف، ولا يتجاوز على أحد. سلوكه منضبط، وأخلاقه واضحة، وحياته بسيطة، لكنه يُحاسَب لا على أفعاله، بل على هويته.

     هكذا تشكّلت صورة ذهنية قاسية، صُنعت بعناية، وزُرعت في عقول الناس، مسلمين وغير مسلمين على حد سواء؛ صورة تربط بين الإسلام والجريمة، وبين التدين والإرهاب. هذه الصورة ليست وليدة الصدفة، بل نتاج خطاب إعلامي وسياسي طويل، كرّس ما يُعرف اليوم بـ الإسلاموفوبيا، ذلك المرض الفكري الذي عشَّشَ في الوعي الجمعي، حتى بدأنا نخاف من الملتزم، ونرتاب من الصالح، ونبرر التضييق عليه دون أن نشعر.

     ومن هنا تبدأ المعاناة الحقيقية. في العمل، يُراقَب. في السفر، يُستوقف. في الجامعة، يُنظر إليه بعين الشك. في السوق، يُعامل بحذر. حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، يشعر وكأنه متهم ينتظر لحظة الاتهام الرسمي.

     ولأن الألم حين يتكرر يتحول إلى واقع، تجد هؤلاء الملتزمين يتجمعون مع بعضهم في السكن والعمل، لا تعصبًا ولا انغلاقًا، بل بحثًا عن الأمان، عن مساحة يفهم فيها أحدهم الآخر، لأنهم يشتركون في الإحساس نفسه بالظلم والإقصاء.

     الأكثر غرابة، وربما الأكثر قسوة، أن من يختار طريق الانفلات الأخلاقي، ويتخلى عن الدين والضمير، ولا يحترم قيمة ولا يهاب مبدأ، كثيرًا ما يُقابَل بالاحترام والحذر. تحسب له الحكومات والناس ألف حساب، ولا يجرؤ أحد على مضايقته أو التشكيك فيه، وكأن الفوضى أصبحت شهادة براءة، بينما صار الالتزام قرينة إدانة.

أي عالم هذا الذي نعيش فيه؟

وأي موازين تلك التي اختلّت إلى هذا الحد؟

     ومع ذلك، يبقى في هذا الظلام بصيص نور. كلمة تُقال لذلك المسلم الملتزم، الذي يركض خلف لقمة عيشه، ولا يطلب من الدنيا إلا سترًا وكرامة: لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.

     فالحق لا يُقاس بعدد أتباعه، ولا تُلغيه حملات التشويه، ولا تسقطه نظرات الشك. والله أعلم بما تخفي الأنفس، ويوم السؤال آتٍ لا محالة، يوم تقف فيه الناس جميعها، ويسقط فيه الظلم مهما طال أمده.

    ذلك اليوم وحده كفيل بأن يعيد لكل مظلوم اعتباره، ولكل ملتزم كرامته، ولكل إنسان حقيقته.

مقالات ذات صلة