في ديوانها الجديد.. رسمت لهيب عبد الخالق حياتنا اليومية كلوحة تشكيلية



هناك خطأ شائع إن جاز التعبير هو أن جمالية التلقي ( وليس نظرية جمالية التلقي أو جماليات التلقي كما يقول بعض الكتاب خطأ)، ولن أمضي بعيداً في تخمين بواعث هذا الغياب المجحف٠إنّ جمالية التلقي خطاب على خطاب كذلك، لذا وظفت الشاعرة الخطاب في اللوح الأول ” سيدةُ الألواح :
“..كنت اليدَ التي سطرتْ،
والعينَ التي قرأتْ،
والألم الذي تعلّم كيف يُقال.”(ص١٠)٠
وحين تتحرك دينامية التلقي ، فإنّ حواراً، لا يخلو من التوتر والتجاذب، ينشأ بين الأفقين، بحيث يمكن أن يتمخص عن تطابق أفق الشاعرة مع أفق المتلقي :
اللوح الثالث -لا أحد يكتبُ الملكة:
“..أنظرُ الآن،
إلى وطنٍ يُقطّعُ كماشٍ قديم،
وكلّ يدٍ تدّعي أنها تُخِيطُهُ.”(ص٥٠ )٠
إنّ أهمية الخطاب للمتلقي في واقع حياتنا اولاً، وثانياً بأن الخطاب في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية ( والإعلامية طبعا)، يكون في أغلب الأحيان لما تصنعه اللغة على يد الشاعرة لهيب التي تعاملت مع اللغة بشكل معاش:
اللوح الرابع-أصداءٌ بلا أرض، قصيدة: ذاكرةٌ، بلا تراب
“في الفراغ الذي لا يملكُ عنواناً ،
تتوهُ الكلماتُ بين أضلاع الصمت ،
تتسللُ مَن الجسد،
كأنّها نسمةٌ تخافُ أنْ تلمسَ الأرض.”(ص١٨٤)٠
يمكننا القول إنّ الشاعرة لهيب لم تبحث عن المتلقي المستهدف هذه الأيام ،” ليس ما نحن”، بل صورت في قصائدها الشعرية ما يمكن أن نتصوره، بل ما يمكن أن نتخلص من قيود ذكرتها في قصيدتها:
“تمشي فوق الزمن” التي جاءت في اللوح الثاني، وفي النقش:
“في نسيج الطِينِ والزمانِ
تسيرُ الروحُ بلا محطةٍ،
تُعيدُ للحكاياتِ ألوانَها ،
وتَزهرُ في كل خطوةٍ،
كأنها بدايةٌ جديدة،
في رحلةٍ لا تنتهي.”(ص٤٠)٠
وللأنا في ديوان “ألواحٌ برسم النار” للهيب عبد الخالق خطوات يتشكل من خلالها، تأويل لنفس نصها الشعري، والتعرف على هذا النص، التي أرادت هي التعرّف إليه، وفي ذات الوقت للمتلقي٠إنها أنا جدلية بين مُتخيل صنعتهُ، ومتخيل للملتقي الذي صورهُ النص الشعري. في قصيدة “الذين عبروا من الداخل” في اللوح السادس تقول:
“لم يأتِ الخرابُ من الخارج،
بل من بابٍ انفتحَ داخلَهم،
ومِن يدٍ صافحَتْ الهاويةَ
باسم الولاء.”(ص١٤٠)٠

ويمكن القول أيضا إنَّ لهيب في خطابها للمتلقي متغيرة ومغايرة شأنها شأن الأنا أو ما شابهها، وما الأنا في واقع الأمر – الأنا تتغير حسب الظروف الموضوعية، وهناك مساحة دائما مساحة مظلمة، قد تتوافق مع المتغير، التي تصبح هوية الأنا، وفي لوحها السابع-قصيدة أنا سيدة القيامة، قالت لهيب:
” أنا سيدةُ القيامة
الطينُ يتحدثُ باسمي
قبلَ أن أضعَ قدمي،
والريحُ تحفظُ اسمي
كما تحفظُ الأصواتُ الغائبة.”(ص ١٧٠)٠
لهيب الشاعرة وصفت الزمن وصفاً ضاريا لتنكيل الزمن بالإنسان، يصبّ في مقولة الذاكرة عند بروست الذي لا يتوقف عن المقارنة بين ما كان عليه الإنسان من شباب وحيوية وبين ما صار عليه من شيخوخة، وهنا المقصود بالشيخوخة ليس الزمن البايولوجي، بل بالأفكار التي آمن بها ، ونقرأ كيف صورت لهيب عبد الخالق هذه المقولة، في اللوح السابق – قصيدة ميثاق النار على ماءين:
“في فمِ الأتونِ الأخيرِ
تُسَوَّدُ صفحةُ الطينِبنَفَسٍ باردِ،
وترفعُ المرايا رمادها
كي تَرى المدنُ وَجَهْيِ
خرابهِا
متعانِقَين كأخوين عند بابِ قديم.” (ص١٧٣) ٠
استطاعت الشاعرة لهيب عبد الخالق في ديوانها، “الواحٌ برسم النار” أن تصور قصائدها كمجاز للمتلقي، التي اعتبرته الملهم الأول لها، وكانت بعيدة كل البعد عن الانزياحات، والانحراف، فكل معاني مفردتها الشعرية كانت بلاغية في المضمون، وشكلية في التعبير، علاوة على أن مستوى المُعجمي والدلاليّ، كانت مساحتهما في الاستخدام والتوظيف كبيرة ، بعيدة عن التكرار بشكل لافت٠الواحٌ برسم النار ، رسمت حياتنا اليومية كلوحة تشكيلية٠





