رأي

خطرُ الأَئِمة “المُضلِّين”..

     من يقرأ تراثنا النبوي يجد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خوفه الأكبر على امته من المسيح الدجال وحده، بل قال: «ان اخوف ما اخاف على امتي الائمة المضلين». وهذه الوصية النبوية البليغة تكشف لنا ان الفتنة الاعظم لا تكمن دائما في عدو خارجي ظاهر، بل في الباطل حين يتخفى بلباس الحق، وفي الضلال حين يطل على الناس بوجه الهداية.

         فالأئمة المضلون قد يكونون حكاما يسوسون الناس بالملة العوجاء ويفرضون عليهم مناهج الحياة كما يشتهون، وقد يكونون علماء سلطة باعوا ضمائرهم وأصبحوا أبواقاً للظالمين، يزينون الباطل بفتاوى محرفة ويخدرون الشعوب باسم الدين، فيحولون المقدس الى اداة طيعة في يد الطغيان. وهؤلاء اخطر من الدجال لان الدجال فتنة سافرة يدركها من يعرف دينه ويستعيذ بالله منها، اما هم فيتكلمون بلغة الدين ويستشهدون بالقرآن والحديث، فيضلون العقول والقلوب تحت غطاء القداسة.

        وقد رسم القرآن الكريم ملامح هذه الحقيقة حين قال: {وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، وحين قال: {وجعلناهم ائمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون}. فالامامة ليست منصبا او لقبا، بل هي طريقان لا ثالث لهما: امامة هدى تقود الى الجنة، وامامة ضلال تدفع الى النار.

       والتاريخ شاهد على ان هناك من العلماء من عاشوا في كنف السلاطين، يغرقون في النعيم ويبررون للظلم ويكتمون صوت الحق، فكتبوا لانفسهم سطور الخزي، وفي المقابل بقي رجال صدعوا بالحق ولم يخافوا الا الله، فكان جزاؤهم السجون والمطاردات والتضييق، لكنهم ورثوا شرف الثبات ومكانة الربانية.

       العجيب في الامر ان علماء الحق تراهم دائما متعبين في معيشة الدنيا، يصعب عليك حالهم لفقرهم ولمخافتهم الله في كل ما يكسبونه، فهم الافقر مالا لكن الاغنى مكانة، ويمكنك ان تعرف العلماء الحق من خلال ما يملكونه من تواضع وخشية الله لا من خلال الاموال والمظاهر.

        ان خطورة الائمة المضلين، تتجلّى في انهم لا يقتلون الاجساد فحسب، بل يقتلون الروح قبل الجسد، ويطفئون نور البصيرة قبل ان ينهبوا المال او الارض، فهم يصنعون جيلا من العقول المأسورة التي تظن انها على الهدى وهي غارقة في الضلال. وهنا يتجلى الخوف الذي عبر عنه النبي، اذ تصبح الامة بلا مناعة امام اي طاغية او دجال قادم.

      ومع ذلك يبقى الامل حيا، فالله وعد ان الحق لا يمحى، وانه سيبعث في كل زمن رجالا ربانيين يحملون مشعل النور مهما طال ليل الظلم، وقد يسجنون او ينفون او يشوه صوتهم، لكن التاريخ لا يخلد الا الثابتين، والباطل مهما تجبر فان موعده الزوال.

       ومن هنا فان على كل مؤمن ان يكون يقظا، لا تفتنه زخارف المناصب ولا تضلله الفتاوى المفخخة، بل يزن الامور بميزان الوحي، ويعلم ان النجاة في اتباع الحق لا في محاكاة الاشخاص، وان الثبات على كلمة الحق هو وحده الطريق لحفظ الدين والكرامة معا.

      وفي الختام نسأل الله تعالى ان يفرج عن كل مسجون او مظلوم من قبضة الطواغيت، وان يُعيد كل مغترب أو منفي أو مهجّر الى اهليهم سالمين غانمين، وان يثبتهم على طريق الحق، ويجعل لهم فرجا عاجلا ونصرا قريبا، انه على كل شيء قدير

مقالات ذات صلة