العراق

الشاعر حميد سعيد..للموت أجنحة تطوف في غزة..

    يقولُ الشاعر حميد سعيد (. . إنَّ الموتَ يكمنُ في دعاوى العاجزين ) فهو يخفق فوق اجساد الضحايا في مدينة الموت ، غزة التي تحولت إلى ارض يباب في مدينة حرمت كلياً من نعمة الحياة والعيش والماء والطعام والاهم الامن الذي تحول إلى عواء ، في ليالي لا تنتظر سوى القنابل والدخان ، وهي تنتظر ان تفتح معابرها المقفلة ، وساد الموت والجوع  والخراب ، انها أنشودة اخرى في الشعر العراقي الذي يختار هذه المرة مدينة موحشه يسكنها الجوع والحرمان والخوف الأكبر،  لمئات الالاف من الضحايا العزل الذين سيقوا لمذابح لم ترحم النساء والأطفال والثكالى ، في عالم اكتفى بالتفرج والكذب والنسيان كما يصفه ، بل التناسي وغلق العيون والقلوب معاً، يتلمس حميد سعيد في قصيدته الجديدة جراحات مدينة غزة التي ارتوت بالموت وانجبت ماساة كبرى  لتكون مدينته الأسطورية التي ارتوت بما يكفي من الجماجم وأجساد الأطفال العارية، وهي تلفظ آخر أمنياتها بلقمة تسد الرمق او الجوع الذي حلَّ بها ليحيلها إلى خراب ابدّي

   إن الشاعر المكلوم بغزة كما فجع بخراب زهو مدينته التي سقطت عند تخوم الاحتلال،  يرى في فاجعته الجديدة أنها  تعيد في ذاكرته  الموشومة بالاسى مهرجانا جديداً للموت ، اكثر قسوة حين يقول :

( تظلُّ هناكَ..

في هذا الخراب ومهرجان الجوع والخوفِ..

استعادت ما تسلل من طقوس الموت..).

فالموت الذي يراه الشاعر،  بكل شفافيته وروحه المشربة بالحنين إلى ايام البطولة، التي عاشها ليمجد أمته ،،تكاد تضمحل وهو يرى تلك الطقوس التي تعجز الامة عن مد يد العون لأطفال يموتون جوعا وحرماناً.  

   إنها ماساة اخرى ان يعيش الشاعر الفارس حميد سعيد عاجزاً عن ان يكون له دور غير الكلمة في التعبير عن ماساة أطفال غزة ونسائها الحزينات ، بالكلمة التي يعرف مدى تأثيرها المحدود قياسا لمأساة شعب يذبح ، وهو يخرج من حزن لآخر بين بغداد وغزة فيصورها امراة أصيلة جامحة استباحها غزاة لا يعرفون الرحمة و لا يرى ان مجرد الكلام  سينقذها ..

في ملحمته هذه  تثير قصيدة اسئلة تترى دون اجابات ودونما توقع بأنّ لها صدى في زمن الخيبة والخذلان :

( من أين جاء إليكِ..

مَنْ فتحَ الطريقَ له ..؟

أما أيقنتِ . . إن الموتَ يكمنُ في دعاوى العاجزين

وإن من كذبوا عليكِ..

سيكذبون عليكِ ثانيةً وثالثةً.)

فالثقة المفقودة بواقع لا يرتجي منه الشاعر، أملاً في نجدة المظلومين او وقف عذاباتهم ، يزيد فيه شعور الاسى والخذلان ،،

لا ادري لماذا تسحبني قصيدة حميد سعيد لأنشودة المطر التي كتبها السياب قبل اكثر من نصف قرن وكيف وجدت صداها في أعماقه

حين يقول ؛ ( لماذا .. لَمْ تَعُدْ تتواصلُ الأشجارُ..

مُذْ غطىّ الرمادُ.. الأرضَ

وانتشرَ الدمُ..

الجوعُ .. افترى أنشودةً سوداءَ..

واختارَ الصبايا الحالماتْ..

عرائساً

والأمهاتْ..

يُطعمنَ من وشلٍ .. جموعَ الجائعينْ)..

فذات اللوعة والاسى السيابي في أنشودة المطر تحاكي قصيدته باسئلته التي تجد صدى إجابتها عند ماساة الشاعر وهو يغوص في عمق ازمة أمته التي تخلت عن دورها وباتت متفرجه ، ليحل الجوع والعطش والخراب

( ومنذ أنْ كنّا صغاراً، كانت السماءْ

تغيمُ في الشتاءْ

ويهطل المطرْ،

وكلَّ عام ـ حين يعشب الثرى ـ نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعِراق ليس فيه جوع )

وهكذا تتواصل ماساة الشاعر وتوقه للحرية التي عاش فيها ليجده محاصراً بالاسئلة والانهيارات من أمامه ، التي تتمثل بواقع ما كان يظن انه سيحدث ..

ويصور الموت يحف بالمدينة المنكوبة كانّه يطير بجناح اسود يحلق فوق رؤوس اهلها ، ولا احد محمي منه،  فهو قريب من جميع المحتمين بتلك المدينة الخاوية،  كانها مقبرة ينعق فيها الغربان فوق رؤوس الموتى الذين ينتظرون من يدفنهم وهم بالألف من الضحايا دونما رحمة ،،

(للموت أجنحةٌ..

وأنت قريبة منها .. ومنهُ

قد تُطيلين الإقامة.. بين مقبرةٍ وأخرى..

تُدخلينَ شواهدَ الموتى..

إلى ما يحفظ التاريخ منها.)

ولا تبقى غير شواهد المقابر لتسدل المدينة موتها بكبرياء الكلمة الرافضة لمحتل والمضحية بما تبقى لها من حياة يختطفها الموت بأجنحته وهو يحلق فوقها كانّه قدرها الذي وجد الشاعر فيه آخر شاهدة في قبر طفل فلسطيني يموت وهو يتطلع للسماء علها تنقذه.   

مقالات ذات صلة