ترامب والمنصة الأخيرة.. نهاية استثنائية أم بداية التراجع؟



التجمعات الانتخابية لم تعد مجرد وسيلة انتخابية بالنسبة إلى ترامب، بل تحولت إلى جزء من هويته السياسية، ومصدر أساسي لاستمداد القوة والشعور بالتفوق. “برقية”، مستندة إلى تقرير نشرته صحيفة “الواشنطن بوست” تنشر قراءة تتجاوز وصف المشهد إلى تحليل دلالاته السياسية و”الشعبوية“!.
ترامب في صورة “المنقذ“!!!
إن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن في أعداد المشاركين وحدها، بل في طبيعة العلاقة التي نشأت بين ترامب وأنصاره. فالرجل لم يعد يخاطب جمهورا انتخابيا بالمعنى التقليدي، وإنما جمهورا يتعامل معه بوصفه رمزا لهويته السياسية والثقافية، وربما الاجتماعية أيضا. ومن هنا نفهم لماذا تتجاوز التجمعات مضمون الخطاب السياسي إلى طقوس استعراضية تتكرر بصورة شبه ثابتة: الموسيقى، والأعلام، والقبعات، ومقاطع الفيديو التي تقدم ترامب في صورة المنقذ، ثم ظهوره وسط هتافات تشبه طقوس الاحتفالات الجماهيرية.

“عبادة الفرد”..والولاء لجنون دكتاتوريته
نحن هنا حيال أنموذج من الشعبوية التي لا تكتفي بتقديم الوعود الانتخابية، وإنما تسعى إلى بناء علاقة وجدانية بين القائد والجمهور، تجعل الولاء الشخصي بديلاً عن تقييم الأداء السياسي. فالمؤيد لا يأتي بالضرورة للاستماع إلى برنامج انتخابي أو مناقشة السياسات العامة، بل يأتي ليكون جزءاً من مشهد جماعي يؤكد فيه انتماءه إلى حركة سياسية يقودها شخص واحد. وهي حالة تُعدُّ في الدول غير الديمقراطية “عبادة للفرد”، أو “تذويب الذات” في شخصية الدكتاتور، بحيث تصبح “الهيمنة” هيبة، والقهر “قوّة”.. وهكذا حتى ليقلب “العبد المأسور”، وحشية زعيمه إلى “انتقام مشروع”..ولصوصيته المالية “عبقرية اقتصادية“.
التجربة “الترامبية”.. وتجاوز حدود اللياقة
وهذه إحدى مفارقات التجربة الترامبية؛ إذ استطاع ترامب أن يحول نقاط ضعفه السياسية إلى عناصر تعبئة. فالهجوم على الإعلام، والاستخفاف بالخصوم، واستخدام اللغة الصِدامية، بل وحتى إطلاق الإهانات الشخصية، لم تعد في نظر جمهوره أخطاء في الخطاب السياسي، وإنما شواهد على أنه لا يخضع لقواعد المؤسسة السياسية التقليدية. إنه يقدم نفسه باعتباره الرجل الذي يقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله، حتى عندما يتجاوز ذلك حدود اللياقة أو المسؤولية.
أنموذجا “إلهان عمر”..و”عبد السيد“
لكن هذه القدرة على التعبئة تحمل في داخلها مخاطر واضحة. فعندما يتحول الخصم السياسي إلى عدو، وعندما تصبح الإهانة بديلا عن الحجة، ويتحول الاختلاف إلى مناسبة للتحريض، تتراجع مساحة الحوار الديمقراطي لمصلحة الاستقطاب. وما أورده التقرير عن الهجمات التي طالت شخصيات سياسية، ومن بينها إلهان عمر وعبد السيد، يكشف أن خطاب ترامب لا يكتفي بمنافسة الخصوم، بل يستثمر أحيانا في إثارة المخاوف والهويات الدينية والعرقية لتعبئة أنصاره.

أكذوبة قاعدة “التصفيق الشعبي“..
وثمة جانب آخر يستحق التوقف عنده، يتمثل في التناقض بين صورة القوة التي تصنعها التجمعات الانتخابية وبين الواقع السياسي الذي يواجهه الرئيس. فالحشود الصاخبة لا تعني بالضرورة اتساع قاعدة التأييد الشعبي، كما أن التصفيق والهتاف لا يشكلان مؤشرا دقيقا على النجاح في إدارة الدولة. إن جمهور التجمعات هو في الغالب الجمهور الأكثر ولاء، وليس بالضرورة ممثلا لاتجاهات المجتمع الأميركي بأسره. ومن هنا تبرز أهمية الانتخابات النصفية بوصفها اختبارا مختلفا عن اختبار المنصات الجماهيرية. فالانتخابات لا تقيس حجم التصفيق، وإنما عدد الأصوات، ولا تقيس الحماسة داخل القاعات، وإنما قدرة الحزب على الاحتفاظ بأغلبيته في المؤسسات التشريعية. وهذه مسافة كبيرة بين صناعة المشهد الجماهيري وتحقيق النتيجة السياسية.
“المشهدية”..معضلة التجربة الترامبية!
أما إشارة ترامب إلى أن هذه التجمعات ربما لن تتكرر، فتفتح بابا للتساؤل بشأن مستقبله السياسي بعد انتهاء ولايته. لقد اعتاد أن يكون مركز المشهد، وأن يرى أمامه آلاف المؤيدين الذين يمنحونه شعورا متجددا بالقوة والتأثير. لكن ماذا يحدث عندما يفقد المنصة الرسمية، أو تتراجع قدرته على استدعاء هذه الحشود؟ وهل يستطيع الحزب الجمهوري الاحتفاظ بالزخم الذي صنعه حول شخصه، أم أن الحركة التي أسسها ستواجه أزمة انتقال القيادة؟. إن المعضلة الحقيقية في التجربة الترامبية أن ترامب لم يبن نفوذه على مؤسسة سياسية مستقلة عنه بقدر ما ربط المؤسسة بشخصه. ولذلك فإن مستقبل الحركة الجمهورية سيظل، إلى حد بعيد، مرهونا بقدرتها على تجاوز هذه الشخصية أو إعادة إنتاجها.

ملاحظة تحليلية: الفكرة الأهم في هذه القراءة هي التمييز بين قوة ترامب الجماهيرية وقوته الانتخابية والمؤسسية، فهذه ثلاثة مستويات قد تتقاطع، لكنها ليست متطابقة. وهذا التمييز يمنح رأينا عمقا سياسيا يتجاوز الانطباع الى التحليل المعمّقز
مؤشرات أساسية في تقرير “الواشنطن بوست“:
– ترامب يواجه نهاية حقبة مهرجاناته الانتخابية مع اقتراب رئاسته من مرحلة البطة العرجاء!.
– “مشهديته الشوفينية” الصاخبة أعادت تشكيل الحزب الجمهوري على مدى أحد عشر عاما، ثم أعادت تشكيل البلاد بأسرها.
– عندما يتحلّق حوله آلاف المؤيدين تصدح مكبرات الصوت بأغنيات إلفيس بريسلي وفرانك سيناترا وسينيد أوكونور، ومقاطع موسيقية من أعمال أندرو لويد ويبر المسرحية.

– يرتدي أنصار ترامب قمصاناً تحمل صورته وقبعات MAGA والعبارة مختصر لشعاره الخادع“Make AmericaGreat Again”, أي لنجعل أميركا عظيمة من جديد!.
– في كل حشد جماهيري يعرض مقطع فيديو يصور ترامب باعتباره شخصية شبه مسيحية اختيرت لإنقاذ البلاد. ويقول الراوي في الفيديو، بينما تظهر صورة للرئيس وهو رضيع: «وفي الرابع عشر من يونيو/حزيران عام 1946، نظر الله إلى جنته التي خطط لها، وقال: أحتاج إلى من يرعاها. فمنحنا ترامب».
– يتمايل الرئيس مع موسيقى المغني لي غرينوود، ويلقي بين الحين والآخر قبعات تذكارية قبل أن يبدأ خطابه.
– تستغرق خطابته عادة نحو تسعين دقيقة، وإن كان تحدث مساء الأحد في ولاية آيوا مدة ساعتين ودقيقتين، وهي مدة تقترب من الرقم القياسي!.
– كما يلوح باستمرار بحوافز اقتصادية، “خادعة” من بينها وعده بمنح شيكات بقيمة خمسة آلاف دولار لكل مواطن بالغ، إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس.
– ولطالما تعرضت تجمعات ترامب لانتقادات بسبب خطابها التحريضي، والحوادث العنيفة التي شهدتها، والأجواء التي وصفها منتقدون بأنها أقرب إلى الولاء الطائفي أو الانتماء إلى جماعة مغلقة.
– هاجم ترامب مرارا عبد السيد، ووصفه بأنه «جهادي»، واتهمه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهي اتهامات نفاها السيد مرارا، ولم يقدم ترامب أي دليل عليها.
– وقال ترامب في تجمع انتخابي بولاية كارولاينا الجنوبية الأسبوع الماضي، وكرر كلامه الأحد في دوبوك: «إذا كنت أسود أو يهوديا، وصوت لعبد، فأنت مجنون، حسنا؟ أنت مجنون. نعم، أنت مجنون على أي حال».

– أما إلهان عمر، وهي عضو في الكونغرس من أصول صومالية، فقد خصص لها ترامب حيزا واسعا من هجماته. وفي التجمع الأخير بولاية كانساس، كرر ادعاءه بأنها تزوجت شقيقها. وقد نفت عمر وممثلوها هذه المزاعم، ووصفوها بأنها نظرية مؤامرة لا أساس لها.
– وفي تجمع انتخابي خلال أكتوبر/تشرين الأول، وصف ترامب آدم هاميلتون، القس الميثودي الذي ينافس السيناتور الجمهوري روجر مارشال عن ولاية كانساس، بأنه «منحرف»، وادعى أن القس «يسخر علنا من السيد المسيح».
– وفي التجمع نفسه، استخدم ترامب تعبيرا معاديا للسامية دفاعا عن مارشال، على خلفية دعاوى قضائية رفعها الأخير لتحصيل الديون الطبية.
– وفي بعض المناسبات، شجع ترامب أنصاره على الرد بعنف على المحتجين الذين يقاطعون خطاباته. ففي جامعة كليمسون بولاية كارولاينا الجنوبية، أشاد بأحد الحاضرين لأنه لكم متظاهرا كان يجري إخراجه من القاعة.




