تحليل سياسي

من أوكرانيا إلى إيران.. استراتيجية القوة التي تهدد بتآكل “النفوذ الأميركي”..فكيف؟

    لا تبدو السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مرحلتها الراهنة، مجرد سلسلة من القرارات المتفرقة التي تستجيب لأزمات دولية متعاقبة، بل أقرب إلى محاولة لإعادة تشكيل موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وفق تصور يقوم على فرض الإرادة الأميركية، واستخدام القوة العسكرية والاقتصادية والتجارية أدوات مباشرة لإعادة ترتيب موازين النفوذ.

     غير أن المشكلة الأساسية في هذه المقاربة تكمن في اتساع الفجوة بين الأهداف التي يعلنها ترامب والنتائج التي تفرزها سياساته، وبين الصورة التي يريد تقديمها عن الولايات المتحدة بوصفها القوة القادرة على فرض الحلول، والواقع الذي يكشف عن تعقيدات لا تستطيع القوة وحدها تجاوزها.

     وتكشف قراءة تقرير الغارديان عن مفارقة أساسية: الرئيس الذي وعد الأميركيين بإنهاء الحروب وتقليص الانخراط الأميركي في النزاعات الخارجية، يجد نفسه أمام حربين بالغتي التأثير، في أوكرانيا وإيران، فضلا عن أزمات تجارية ودبلوماسية تتسع آثارها لتشمل الحلفاء والخصوم على السواء. وهذه المفارقة لا تتعلق بتناقض الوعود مع الممارسات فحسب، وإنما تكشف خللا أعمق في تقدير طبيعة القوة الأميركية وحدود استخدامها.

أوكرانيا.. التراجع الأميركي ومخاطر إعادة توزيع النفوذ

     في الملف الأوكراني، تبدو سياسة ترامب أقرب إلى محاولة التخلص من التزامات واشنطن تجاه كييف، حتى لو كان ذلك على حساب التوازن الاستراتيجي الذي تشكل منذ بدء الغزو الروسي. فالتعامل مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي بوصفه طرفا ينبغي الضغط عليه لتقديم تنازلات، مقابل إظهار قدر أكبر من المرونة تجاه فلاديمير بوتين، يثير تساؤلات بشأن المعايير التي تستند إليها الإدارة الأميركية في تحديد مسؤولياتها تجاه حلفائها.

      إن المسألة لا تتعلق بمصير أوكرانيا وحدها، وإنما بمستقبل النظام الأمني الأوروبي برمته. فحين تتراجع واشنطن عن دعم دولة تعرضت لغزو عسكري، فإن الرسالة التي تصل إلى موسكو لا تقتصر على إمكانية تحقيق مكاسب إقليمية، بل تتجاوزها إلى اختبار مدى تماسك التحالف الغربي وقدرة حلف شمال الأطلسي على المحافظة على التزاماته.

     ومن هنا يمكن فهم المخاوف التي يعبر عنها الأميركيون من أصول أوكرانية، والذين يرون في مواقف ترامب تخليا عن بلدهم الأصلي، لكن الأهمية السياسية لهذه المخاوف تتجاوز الجالية الأوكرانية نفسها. إذ إن أي انتصار روسي يفرض بالقوة يمكن أن يشجع قوى أخرى على إعادة النظر في حدود استخدام القوة لتغيير الخرائط السياسية والجغرافية.

     ولا يعني ذلك أن هزيمة أوكرانيا ستؤدي حتما إلى حرب عالمية ثالثة، كما لا يعني أن استمرار الدعم الأميركي لها يضمن تجنبها. لكن الخطر الحقيقي يكمن في انهيار قواعد الردع، واعتقاد القوى الكبرى أن بإمكانها تعديل موازين النفوذ بالقوة من دون مواجهة ردود فعل دولية متماسكة.

 إيران..حرب بلا أفق واضح وتكاليف باهظة  

      إذا كان الملف الأوكراني يكشف عن تراجع الالتزامات الأميركية تجاه حليف، فإن الحرب مع إيران تكشف عن الوجه الآخر لسياسة ترامب، أي استخدام القوة العسكرية المباشرة لتحقيق أهداف استراتيجية لم تنجح الضغوط السياسية والاقتصادية في إنجازها.

    لقد دخلت واشنطن الحرب بتقديرات بدت وكأنها تفترض إمكان حسم المواجهة خلال فترة قصيرة، وإجبار طهران على الاستسلام للشروط الأميركية. لكن استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز، وما ترتب عليه من اضطراب في أسواق الطاقة والملاحة الدولية، يبرزان أن الحسابات العسكرية لا تستطيع وحدها تحديد نتائج الصراعات.

     فإيران، رغم الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية والتكنولوجية بينها وبين الولايات المتحدة، تمتلك أوراقا جغرافية واستراتيجية تجعل تكلفة المواجهة معها ممتدة إلى ما وراء حدودها. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الأوراق، باعتباره ممرا حيويا لتجارة الطاقة العالمية.

     وهنا تظهر إحدى أبرز مفارقات الحرب: الولايات المتحدة التي تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية تجد نفسها أمام أزمة طاقة تضغط على المستهلك الأميركي، وترفع أسعار الوقود والنقل، وتزيد تكاليف الإنتاج والتوزيع. إن إغلاق المضيق لا يمثل مجرد ورقة ضغط إيرانية في مواجهة واشنطن، بل يكشف مدى الترابط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. فقرار عسكري يتخذ في منطقة الخليج يمكن أن يتحول خلال أيام إلى عبء اقتصادي على المواطن الأميركي، وعلى اقتصادات الدول الصناعية والحليفة للولايات المتحدة.

     والأخطر أن استمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح يضع إدارة ترامب أمام معضلة مزدوجة: التراجع عن الأهداف المعلنة سيبدو إخفاقا سياسيا واستراتيجيا، فيما قد يؤدي توسيع العمليات العسكرية إلى تعميق الأزمة وزيادة احتمالات اتساع المواجهة.

الاقتصاد الأميركي.. الحلقة التي تربط الخارج بالداخل

من أبرز ما يلفت الانتباه في التقرير أنه لا يفصل بين السياسة الخارجية والضغوط الاقتصادية الداخلية. فارتفاع أسعار النفط والوقود، بالتزامن مع الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الواردات، يضع المواطن الأميركي أمام نتائج مباشرة لقرارات تتخذ في واشنطن وتنعكس على حياته اليومية.

      وهنا تكمن نقطة ضعف جوهرية في استراتيجية ترامب. فهو يتعامل مع الرسوم الجمركية بوصفها وسيلة لإجبار الدول الأخرى على تقديم تنازلات تجارية، لكنه يغفل أن تكاليف هذه الرسوم لا تتحملها الشركات الأجنبية وحدها، بل تنتقل أجزاء مهمة منها إلى المستوردين والمستهلكين الأميركيين.

      وتزداد المشكلة تعقيدا عندما تتزامن الرسوم مع ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب مع إيران. فالمستهلك الذي يدفع أكثر مقابل الوقود والسلع والخدمات لا يعنيه كثيرا أن الإدارة الأميركية تحقق مكاسب تفاوضية أو تعيد صياغة علاقاتها التجارية، بقدر ما يعنيه تراجع قدرته الشرائية.

      أما التوتر مع كندا، فيقدم مثالا إضافيا على كيفية تحول السياسة التجارية إلى مشكلة سياسية داخلية. فحين يضطر مرشح جمهوري في ميشيغان إلى مطالبة ترامب بإنهاء الحرب التجارية مع الجارة الشمالية، فإن ذلك يعكس إدراكا انتخابيا بأن خطاب المواجهة مع الحلفاء قد لا يجد قبولا لدى الناخبين الذين ترتبط مصالحهم الاقتصادية بهذه العلاقات.

فنزويلا ومبدأ دونرو.. عودة منطق مناطق النفوذ

      لا يمكن فصل تحركات ترامب في فنزويلا عن تصوره الأوسع للنفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي. فتسمية استراتيجيته بمبدأ «دونرو»، في إحالة إلى مبدأ مونرو التاريخي، تحمل دلالة سياسية تتجاوز التسمية ذاتها. إنها محاولة لإعادة تقديم الهيمنة الأميركية على المجال الجغرافي القريب باعتبارها حقا استراتيجيا، وليس مجرد امتداد للعلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول.

      لكن الحديث عن موارد النفط الفنزويلية، واستخدام تعبير «الغنائم للمنتصرين»، يكشفان عن تصور إشكالي للعلاقات الدولية، يتعامل مع سيادة الدول ومقدراتها وكأنها عناصر قابلة لإعادة التوزيع بعد التدخل العسكري. وهذا المنطق، إذا تحول إلى قاعدة في السياسة الأميركية، فإنه يهدد بتقويض المبادئ التي قامت عليها العلاقات الدولية الحديثة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها.

     كما أن اعتماد ترامب على شخصيات من خارج المؤسسة الدبلوماسية التقليدية في ملفات شديدة التعقيد، مثل أوكرانيا وإيران وغزة، يثير تساؤلات بشأن طبيعة عملية صنع القرار ومدى خضوعها للتقدير المؤسسي والخبرة الاستراتيجية.

الانتخابات.. الاختبار الحقيقي لسياسة ترامب

     لعل أهم ما يميز التقرير هو ربطه بين نتائج السياسة الخارجية والاستحقاق الانتخابي الأميركي. فالانتخابات النصفية ليست مجرد مناسبة لتجديد مقاعد الكونغرس، بل اختبار سياسي لمدى قدرة الرئيس على الاحتفاظ بثقة الناخبين في منتصف ولايته.

      ومع اقتراب موعد الانتخابات في الثالث من نوفمبر، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام معادلة صعبة: الدفاع عن سياسات رئيسهم، من دون تجاهل الاستياء الشعبي المتزايد من تكاليف المعيشة والحرب والرسوم التجارية.

      لكن ينبغي عدم المبالغة في تقدير تأثير السياسة الخارجية وحدها في سلوك الناخب الأميركي. فتاريخ الانتخابات الأميركية يظهر أن الاقتصاد والوظائف والتضخم والرعاية الصحية غالبا ما تحتل موقعا متقدما في تحديد خيارات الناخبين.

     ومع ذلك، فإن الخطورة بالنسبة إلى ترامب تكمن في أن الملفات الخارجية لم تعد بعيدة عن حياة الأميركيين اليومية. فالحرب في إيران تظهر عند محطة الوقود، والرسوم الجمركية تظهر في أسعار السلع، والتوتر مع كندا ينعكس على قطاعات اقتصادية ومجتمعات حدودية، فيما تثير الحرب الأوكرانية تساؤلات بشأن مستقبل الأمن الدولي والتزامات الولايات المتحدة.

      وهكذا تتداخل السياسة الخارجية مع الاقتصاد الداخلي، وتتحول القرارات التي أراد ترامب من خلالها تأكيد قوته إلى عوامل يمكن أن تضعف موقع حزبه انتخابيا.

القوة وحدها..لا تصنع الاستقرار

     إن القراءة الأعمق لما يطرحه التقرير تقود إلى استنتاج مفاده أن أزمة ترامب ليست في تعدد الملفات الدولية التي يتعامل معها، بل في غياب تصور متماسك للعلاقة بين القوة والمصالح والنتائج.

    فالتراجع عن دعم أوكرانيا لا يضمن كسب روسيا، والحرب على إيران لا تضمن السيطرة على تداعيات إغلاق مضيق هرمز، والضغط التجاري على الحلفاء لا يضمن تحسين شروط التجارة الأميركية، كما أن التدخل في فنزويلا لا يعني بالضرورة بناء نفوذ مستقر ودائم.

     إن السياسة الدولية لا تقاس بعدد التهديدات التي يطلقها القادة، ولا بحجم القوة العسكرية التي يمتلكونها، بل بقدرتهم على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية مستدامة. وإذا كان ترامب يعتقد أن بإمكانه إدارة العالم بمنطق الصفقات والضغوط والمواجهات المتزامنة، فإن التطورات الراهنة تشير إلى أن العالم أكثر تعقيدا من أن يخضع لهذه المعادلة.

مقالات ذات صلة