هل تقترب المنطقة من مواجهة جديدة؟..مفاوضات أميركية-إيرانية على حافة الانفجار العسكري



في الإقدام الإيراني على المفاوضات قد تنحني للعاصفة، لكنَّ ذلك لا يعني أنها ستقبل بشروط استسلامية، بمعنى أنها تبحث عن مخرج وليس عن “استسلام”. وهناك تطور مهم جديد، فقد دخلت المفاوضات الإيرانية بوساطة قطرية يومها الرابع في الدوحة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وتشير المعلومات التي نشرتها رويترز إلى وجود اتصالات مستمرة بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء.
لكن الخلاف الجوهري لا يزال قائما، فواشنطن تريد معالجة الملف النووي الإيراني ضمن أي تسوية. أما طهران فتريد إنهاء الحرب ورفع الحصار البحري والعقوبات المتعلقة بصادرات النفط والإفراج عن أصولها المجمدة. وتسعى إلى إعادة فتح مضيق هرمز ضمن ترتيبات تمنحها دورا أساسيا في إدارته. وهذا يعني أن الطرفين لا يتفاوضان على وقف إطلاق النار فحسب، بل على “شكل التوازن الإقليمي” الذي سيولد بعد الحرب.
وثمة سؤال أساسي: هل التصعيد العسكري.. مجرد ورقة ضغط أم استعداد لحرب جديدة؟. اللافت أن طهران لم تخف استعدادها لمواجهة جديدة. فقد أصدر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي توجيهات برفع الجاهزية العسكرية، محذرا من أن أي هجوم أميركي أو إسرائيلي جديد سيواجه ب”رد لا تحده حدود جغرافية”!. هذا يعني أنّ الاستهدافات الخليجية ستكون أشد في حرب جديدة. كما تحدث مسؤولون إيرانيون عن استخدام أسلحة جديدة في أي مواجهة مقبلة.

وفي المقابل، لم يحسم ترامب قراره بشأن استئناف الضربات، لكنه أبقى الخيار العسكري مفتوحا، وأشار إلى أن الولايات المتحدة ما زالت أمامها أهداف عسكرية تريد التعامل معها داخل إيران. وتتحدث تقارير عن استعدادات إسرائيلية لاحتمال استئناف المواجهة بعد الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من نوفمبر. وهنا تكمن المفارقة، فكل طرف يتحدث عن السلام، لكنه يستعد للحرب.
ماذا تريد واشنطن من إيران؟
إن فهم الموقف الأميركي يتطلب التمييز بين ثلاثة أهداف: الحد من القدرات النووية الإيرانية ومنع تحولها إلى تهديد نووي. تقليص قدرة إيران على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية. ثم فرض معادلة إقليمية جديدة تحدّ من نفوذ طهران العسكري والسياسي.
لكن تحقيق هذه الأهداف بالقوة العسكرية وحدها ليس أمرا مضمونا. فالتجربة أثبتت أن ضرب المنشآت العسكرية والنووية لا يعني بالضرورة القضاء على المعرفة العلمية أو الإرادة السياسية أو القدرة على إعادة بناء القوة. ومن هنا فإن واشنطن تواجه معضلة: كيف تحقق أهدافها من دون الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة؟.
أما بصدد “المعضلة الإيرانية الداخلية”، فلا يمكن قراءة مستقبل إيران من زاوية المواجهة الخارجية وحدها. هناك جبهة داخلية لا تقل أهمية. ويمكن تلخيصها بالنقاط التالية: الحرب الطويلة، وتراجع الصادرات النفطية، والحصار، والتضخم، وتدهور العملة، كلها عوامل تضغط على المجتمع الإيراني.

وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن التضخم السنوي بلغ 73.6% في سبتمبر، كما تعرضت الصادرات النفطية لضغوط شديدة بفعل الحصار الأميركي. وهذه كلها مؤشرات على أن استمرار المواجهة ستكون له تكاليف اقتصادية واجتماعية متزايدة. لكن ينبغي ألا نفترض أن الضغوط الاقتصادية ستؤدي تلقائيا إلى انهيار النظام، فالتاريخ الإيراني يُظهر أن الضغوط الخارجية قد تدفع أحيانا إلى مزيد من التماسك داخل مؤسسات السلطة، حتى عندما تتزايد مشكلات المجتمع.
نعود إلى السؤال: إلى أين تتجه إيران؟.
أمامنا ثلاثة مسارات تستحق المتابعة: تسوية مرحلية. أي أن تقبل إيران اتفاقا تدريجيا يتضمن وقف العمليات العسكرية، وتخفيف الحصار، وإعادة فتح مضيق هرمز، مع تأجيل بعض الملفات الأكثر تعقيدا إلى مفاوضات لاحقة. وهذا المسار لا يعني نهاية الخلاف الأميركي الإيراني، بل تجميده ضمن ترتيبات مؤقتة.
المسار الثاني: استمرار حالة اللا حرب واللا سلم. أي استمرار الاتصالات الدبلوماسية من دون اتفاق نهائي، مع إبقاء القوات العسكرية في حالة استعداد. وهذا الوضع يمنح الطرفين فرصة للمناورة، لكنه يبقي المنطقة تحت تهديد الانفجار في أي لحظة.

ثم المسار الثالث باستئناف المواجهة العسكرية، إذا فشلت الوساطة، أو قررت واشنطن وتل أبيب أن التفاوض لا يحقق أهدافهما، فقد نشهد جولة عسكرية جديدة. لكنها هذه المرة قد تكون أكثر اتّساعاُ، بالنظر إلى التهديدات الإيرانية باستهداف مصالح أميركية وإسرائيلية خارج نطاق المواجهة المباشرة.
ومجمل هذه القراءة، يجعلنا نميل إلى التركيز على حقيقة استراتيجية أساسية، وهي أنّ إيران لا تستطيع العودة إلى ما قبل الحرب، والولايات المتحدة لا تستطيع ضمان أن الحرب الجديدة ستنتج النظام الإقليمي الذي تريده. إن طهران تريد الاحتفاظ بأوراق القوة التي لم تفقدها، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي ومضيق هرمز وما تبقى من قدراتها العسكرية وشبكة علاقاتها الإقليمية. أما واشنطن فتريد تحويل نتائج التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية واستراتيجية طويلة الأمد.
وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع الولايات المتحدة انتزاع تنازلات إيرانية جوهرية من دون إسقاط النظام، وهل تستطيع إيران الحفاظ على نفوذها الإقليمي من دون تقديم تنازلات في الملف النووي والممرات البحرية؟. نرى أن جوهر الصراع لم يعد مقتصرا على البرنامج النووي الإيراني، بل أصبح صراعا على من يمتلك حق رسم قواعد الأمن والنفوذ في الشرق الأوسط. ولذلك فإن أي اتفاق مقبل، إن تحقق، لن يكون بالضرورة سلاما بين واشنطن وطهران، بل قد يكون هدنة استراتيجية بين خصمين لم يحسما صراعهما بعد.





