ترامب وإيران.. هل تنهي الدبلوماسية حرباً عجزت القوة عن حسمها؟


جوهر المسألة
في هذه المرحلة لا يكمن في معرفة ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى التفاوض أم ستستأنفان الحرب، بل في تحديد ما الذي يريد كل طرف انتزاعه من الآخر قبل أن يضطر إلى تقديم تنازلات. فالمفاوضات الجارية ليست مفاوضات سلام بالمعنى التقليدي، وإنما صراع على شروط إنهاء الحرب، تستخدم فيه الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية بوصفها أدوات متداخلة.


تتمثل العقدة الأساسية في اختلاف تعريف الطرفين لمعنى إنهاء الحرب. واشنطن تريد اتفاقاً يضمن إعادة فتح مضيق هرمز، ويحد من قدرة إيران على تهديد الملاحة الدولية، ويضع برنامجها النووي تحت قيود ورقابة تمنع تحوله إلى مصدر تهديد استراتيجي. أما طهران فتريد إنهاء الحصار البحري الأميركي، واستعادة قدرتها على تصدير النفط، وتخفيف العقوبات، والحصول على ضمانات تحول دون تكرار الهجمات العسكرية بعد تقديم التنازلات. وهنا تتعارض الأولويات: الولايات المتحدة تريد أن تتنازل إيران أولاً عن أوراق قوتها، بينما تصر طهران على أن رفع الحصار يجب أن يسبق أي التزام نهائي منها.
مضيق هرمز.. ورقة إيران الاستراتيجية

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تمر عبره ناقلات النفط والغاز، بل تحول إلى مركز الثقل في المواجهة الأميركية الإيرانية. لقد أدركت طهران أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة الدولية تمنحها ورقة ضغط تتجاوز حدود قوتها العسكرية التقليدية، وتضع الاقتصاد العالمي أمام تكلفة مباشرة لأي تصعيد جديد. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن استمرار إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة فيه يضعف نتائج حملتها العسكرية والاقتصادية، ويهدد أسواق الطاقة ويرفع أسعار الوقود، بما ينعكس على الداخل الأميركي.
لذلك فإن المقترح الإيراني ذا النقاط السبع، الذي يجري اختصاره حالياً ليصبح قابلاً للتنفيذ خلال يومين، ليس مجرد مبادرة لإعادة فتح المضيق، بل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين حرية الملاحة وإنهاء الحصار والاعتراف بالمصالح الإيرانية. لكن المشكلة أن واشنطن لا تريد أن يتحول المضيق إلى منطقة نفوذ إيرانية، تستطيع طهران استخدامها مستقبلاً لفرض شروط سياسية أو اقتصادية على جيرانها والعالم.

الملف النووي.. العقدة المؤجلة
الأكثر دلالة في الموقف الإيراني هو إصرار طهران على تأجيل التفاوض بشأن برنامجها النووي إلى ما بعد التحقق من تنفيذ مطالبها المتعلقة بالحصار والعقوبات والملاحة. كما رفضت نقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة أخرى. هذا الموقف يكشف أن إيران لا تنظر إلى الملف النووي باعتباره قضية فنية منفصلة عن الحرب، وإنما تعدّه جزءاً من منظومة أمنها القومي وأوراق تفاوضها الاستراتيجية. أما الولايات المتحدة، فمن الصعب أن تقبل اتفاقاً يعيد فتح المضيق ويخفف الضغط الاقتصادي، من دون الحصول على ترتيبات واضحة بشأن مستقبل البرنامج النووي.
وتزداد خطورة هذه العقدة مع تصاعد الدعوات داخل البرلمان الإيراني إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. صحيح أن الانسحاب لا يعني تلقائياً امتلاك سلاح نووي، لكنه سيكون مؤشراً على تراجع الثقة بالمسار الدبلوماسي، وربما يدفع المنطقة إلى سباق تسلح أكثر خطورة.
ترامب والانتخابات.. حسابات القوة والوقت

لا يمكن فصل توقيت المفاوضات عن الحسابات السياسية الأميركية. فالرئيس دونالد ترامب أعلن أنه لا يريد استئناف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، لكنه لم يستبعد العودة إلى العمل العسكري بعدها. ويضع هذا التوقيت طهران أمام اختبار صعب: هل تستثمر النافذة الدبلوماسية المتاحة للحصول على اتفاق يخفف الحصار، أم تراهن على أن الضغوط الاقتصادية والسياسية ستدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات أكبر؟
في المقابل، لا يبدو أن ترامب يريد حرباً مفتوحة بلا نهاية، لكنه يريد اتفاقاً يستطيع تقديمه باعتباره نتيجة لانتصار القوة الأميركية. وهذه نقطة جوهرية؛ إذ إن أي تسوية تمنح إيران مكاسب واضحة من دون قيود نووية وأمنية مقابلة قد تبدو تراجعاً أميركياً، خصوصاً بعد حجم التصعيد العسكري والتهديدات التي رافقت الحرب.
هل تعود الحرب؟
إن مغادرة الوفد الإيراني الدوحة من دون اتفاق نهائي لا تعني بالضرورة انهيار المفاوضات، خصوصاً أن المعلومات المتاحة تتحدث عن تداول مسودة مقترح وإمكانية عقد اجتماع لاحق. لكن استمرار استهداف السفن في الخليج، والتهديدات المتبادلة، والتلويح الأميركي باستهداف مواقع إيرانية إضافية، كلها مؤشرات على أن الطريق إلى التسوية لا يزال محفوفاً بالمخاطر.

كما أن دخول الصين وروسيا على خط التحذير من استئناف العمليات العسكرية يعكس اتساع القلق الدولي من أن تتحول الحرب إلى أزمة استراتيجية تتجاوز أطرافها المباشرين. وكانت رويترز نقلت عن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، الاثنين، عقب اجتماعه في بكين مع علي باقري كني، المسؤول الأمني الإيراني البارز، إن على جميع أطراف الصراع التركيز على الحلول السياسية بدلاً من العودة إلى استخدام القوة العسكرية. وفي موسكو، قالت وزارة الخارجية الروسية إن التقارير المتعلقة باحتمال تنفيذ عمليات عسكرية جديدة ضد إيران تثير قلقاً بالغاً، داعية إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية.
والأرجح أن الطرفين سيواصلان اختبار حدود الضغط المتبادل قبل اتخاذ قرار نهائي. فإيران لا تريد تقديم تنازلات تحت الحصار، وترامب لا يريد منحها اتفاقاً يبدو كأنه مكافأة على استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط دولية. والمفاوضات الحالية لا تعني أن الحرب انتهت، كما أن التهديدات العسكرية لا تعني أن قرار استئنافها قد اتخذ. نحن أمام مرحلة اختبار إرادات، يحاول فيها كل طرف تحويل مكاسبه العسكرية والاقتصادية إلى مكاسب سياسية على طاولة التفاوض.

تطورات قد تغير المسار
تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في 2 نوفمبر تؤكد استمرار الاتصالات عبر قطر، مع الحديث عن اختصار المقترح الإيراني إلى صيغة قابلة للتنفيذ خلال يومين.
تصريحات ترامب بشأن إنهاء الحرب قريباً، إما عبر الاتفاق أو بوسائل أخرى، بالتزامن مع إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً، تكشف أن واشنطن تستخدم التفاوض والتهديد معاً.
وإقليمياً، دخول باكستان وقطر في جهود الوساطة، إلى جانب التحركات الصينية والروسية، يشير إلى أن استمرار الحرب لم يعد شأناً أميركياً إيرانياً فحسب، بل بات قضية تمس أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.





