أدب

الشاعر الكبير حميد سعيد “أنقذ” ذاكرة العراق بـ “الكلمة”…

مشاهد من القصيدة

سَبْعَةُ كُهّانٍ مِنْ أُورْ..

سَبْعَةُ حُكَماءٍ مِنْ بابِلَ.. سَبْعُ أَميراتٍ مِنْ آشُورْ..

النِّيرانُ تُحاصِرُهُمْ فِي فِرْدَوْسِ الوَطَنِ المَغْدُورْ..

يَطْرُدُهُمْ وَحْشُ العَتْمَةِ.. مِنْ حَقْلِ النُّورْ..

السُّومَرِيُّونَ أَفاقُوا مِنْ سَماديرِ الرُّؤَى..

فَانْفَتَحَتْ عَلَى جَحيمِ العالَمِ السُّفْلِيِّ.. أَلْفُ بابْ..

وَجاءَ رَبُّ الجُنْدِ مِنْ مَمالِكِ الحِقْدِ.. إِلى أوروكْ..

مُنْتَقِمًا..

فَأَشْعَلَ النّيرانَ فِي نَخيلِها.. وَأَشْعَلَ النّيرانَ فِي الأَعْنَابْ

ثمّ يمضي في مرثيّته الممزّقة للمدينة المهزومة قائلاً:

تَرْتَجِفُ النُّصُوصُ فِي أَصَابِعِ اللُّصُوصْ..

تَسَّاقَطُ القَصائِدُ الأُولَى.. كَما الأَسْنانُ في الشَّيْخُوَخَةِ..

اقْتَرَبْتُ مِنْ كاهِنَةِ المَعْبَدِ..

كانَتْ تَتَخَفَّى في أَزِقَّةِ الكَرْخ.. وَكانَ دَمُها..

يَمْتَدُّ مِنْ جِراحِها إِلَى فَضاءِ المَوْتِ.. في المَتْحفِ

كانَ ناصِرْبَعْلْ يَبْكِي.. بَعْدَ أَنْ جَرَّدَهُ الغُزاةُ مِنْ خوذَتِهِ

حَيْثُ رَأَى اللَّيْلَةَ .. في مَواسِمِ الأَسْلافْ

النَّارَ والرَّمادْ

لَيْسَ سِوَى مَرْثِيَّةٍ سَوْداءَ.. صَارَتِ البِلادْ!

شكّلت القصيدة العتبة الأولى لمرحلةٍ شعريّةٍ جديدةٍ لدى الشّاعر. فبعدما كانت أسوار السّلطة تطوّق حضوره، جرّدته الغربة والفجيعة المكانيّة من أطره الأيديولوجيّة، ليعود إلى جوهره الإنسانيّ: شاعرٌ عارٍ أمام هذا الانكسار الكبير، عارٍ من كل شيءٍ إلّا من ذاته ولغته. القصيدة كُتبت بلسان ابن الحضارة المغدورة؛ فالنّهب الذي طال “المتحف العراقيّ”، كان عملية سطوٍ للذّاكرة الجمعيّة، وتجريد الوطن من هويّته الحضاريّة، لنجد صدى صوت يتردّد على الملأ لقوله:

لا أَحَدٌ.. يَسْأَلُ عَنْ بَغْدادْ..

لا أَحَدٌ.. يَسْأَلُ عَنْ بابِل.. عَنْ أور..

وعن آشورْ..”

كانت القصيدة الإرهاص الأول بعد نكبة العراق، فضمّها وما تلاها من نصوصٍ شعريّة في ديوانه الشّهير «من وردة الكتابة إلى غابة الرّماد»، لتكون الشّرارة التي دفعته لاحقًا لارتداء قناع “الموريسكي المتغرّب” في جلده وكِيانه، حيث بات مصيره الشّخصيّ والجمعيّ يحاكي مصير أواخر أهل الأندلس. ثمّ أتبعها بديوان «من أوراق الموريسكي»، الذي شبّه فيه خروجه من بغداد بخروج الموريسكيّين المفجوعين من الأندلس، ليستعيض عن جغرافيا الوطن المفقود بـ “وطن الكلمة وإرهاصات الذّاكرة“.

إنَّ الولوج إلى مرثيّةٍ حجمها حجم الوطن يستلزم مساءلة ما قبل النّص، للقبض على الجوهر الدّفين الذي جعل الشّاعر يرثي العراق بهذه الكثافة والحرقة. وثمّة أسئلةٌ جوهريةٌ متقاطعةٌ بين السّياسي، والأدبي، والنّفسي، يجدر بنا استجلاؤها قبل النّفاذ إلى أحشاء القصيدة.

_ ما الذي يعنيه بالتّخلي عن “الحبر والورق” واللّجوء إلى “الفحم والدّم” أداتين للتّخطيط؟

_ حين تنهدم المدائن، وتتطاير الرّقيمات السّومريّة، ما الذي يتبقّى للشّعر كي يقوله؟

_ استدعاء الأقنعة التاريخيّة والأسطوريّة (السّومريّون، والآشوريّون، وكهّان أورْ) مع وطأة أقدام الغزاة أرض بغداد، إلى أيّ عمقٍ تمتدّ هذه الذّاكرة في تشكيل صورة الخراب؟

_ الاغتراب المزدوج: أين تنتهي حدود الأيديولوجيا القوميّة لتولد صرخة الإنساني المحض؟

ومن هذه الأسئلة تتشعّب دروب المرثيّة: الشّاعر وذاكرته، الأسطورة وواقعها المأزوم، ومجد الكلمة حين تجاوره وحشة المكان.

تحت مظلّة الشّعر

اختار الشّاعر “جدران المتحف” مسرحًا لمرثيّته، والتي كانت قصيدته البكر بعد مغادرة مدينته “بغداد”. لم يكن الانهيار بالنسبة إليه احتراق شوارع أو تهدّم قصور؛ إذ كان سلب جغرافيا، وتجريد أمةٍ من سِفرها الحضاريّ وسرقتها رمزيًّا. ويمتد هذا الفقد في عمق وجدانه ليصل إلى طفولته الأولى؛ فالفجيعة تتقاطع مع ما أشار إليه الباحث د. »صباح ناهي« حول انقطاع الشّاعر عن “ملاعب صباه في الحلّة، وشَمّ رائحة جدران معابدها القديمة في بابل”. بعد أن باتت العودة إلى الرّحم الأول مجرّد حسرة، وأضحت تلك المرابع محكومة بالغرباء ولا يتردّد في أرجائها سوى نشيج النّار والرّماد. من هنا، تحوّل المتحف في القصيدة إلى مجسّمٍ مصغّرٍ للعراق بأكمله. غير أن هذا التّمثيل لا يبقى محصورًا في المكان، لينتقل إلى مادة الكتابة نفسها.

حينها يصبح المتحف صورة مكثّفة للوطن المهدّم، ويتبدّل كذلك السّجل الذي تنطق به القصيدة؛ إذ ينتقل الشّاعر من خامة “الحبر والورق” إلى بدائيّة القول “الفحم والدّم”، وهذا يعكس انقلابًا جذريًّا في بنية الرّؤيا: من شعر السّدّة والمركز، إلى شعر الصّدمة الأولى والرّماد. إنّه الاعتراف الأخير بتلعثم اللّغة أمام هول الدّمار، كأنَّ القصيدة عادت من كهوف الماضي محاولةً إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه إلّا بالشّعر. فكان “الفحم والدّم” أداتي الكارثة: فـ”الفحم” تمثّل برماد الحريق الذي طال المدن وملاعب الصّبا، أمّا “الدّم” فيعبّر عن نزيف الضّحايا. وبعد أن نزع »سعيد« عنه ثياب القصيدة الأنيقة، سعى لإسقاط لحظة السّقوط الحاضر يومذاك على متوالية محوٍ حضاريٍّ، لتتّسع المأساة إلى سقوطٍ شاملٍ للكينونة، يتجاوز هزيمة نظامٍ أو سلطة، ومن هذا الاتّساع نشأت الحاجة إلى لغةٍ أقدم من الحدث نفسه.

لذلك تأتي الأقنعة الأسطوريّة (عشتار، تموز، أنكيدو، جلجامش، شبعاد، وكهنة المعبد)، فتجيب القصيدة بوضوح عن سبب استدعائهم؛ الشّاعر يرى أن “الغزاة واللّصوص” الذين اقتحموا المكان غرباء عن روح الأرض، وقد نفى عنهم حتى الانتساب إلى “انكيدو” الوحشيّ، محوّلًا الصّراع إلى مواجهة كبرى بين “أرومة الخلّ، وسلالات الخراب” وبين “أوروك وآشور، وبابل”. هكذا تستعيد القصيدة إرثها الحضاريّ في اللّحظة التي يُنتزع فيها المكان من ذاكرته، فتغدو الأسطورة داخل النّصّ شاهدًا على اتّساع الفاجعة من سقوط مدينةٍ إلى انكسار حضارة.

القراءة في عمق مقال صحيفة »برقية«

عند الوقوف أمام مقال الإعلامي والأكاديمي الدكتور »صباح ناهي«، المنشور في صحيفة »برقية«، الخميس 13 آب (أغسطس) 2026، نتبيّن إضاءة بالغة الأهمية التي قدّمها الباحث؛ إذ تجاوز الحدود الجماليّة والبلاغيّة للقصيدة، ونفذ منها إلى مساءلةٍ تاريخيّة وأخلاقيّة لجيلٍ كاملٍ من صنّاع القرار والخطاب.

والسّؤال النّافذ أعماق الخطى على امتداد عقود، جاء بلهجة العتاب: “إني أعتب على »حميد سعيد«، كما يعتب جيلٌ واسعٌ من أمثالي، لأنه لم يخبرنا من كان وراء تلك النتيجة المأساويّة المحبطة… أدعوك يا أبا بادية أن تقول لرفاقك وشعبك: من يقف وراء تلك النّتيجة المخيّبة، التي أسقطت وطنًا ودولةً بحجم العراق وشعبه؟

ينقل »ناهي« القصيدة من مقام الرّثاء إلى مقام الشّهادة، ويضع الشّاعرَ أمام مأزق “الشّاهد وشهادة التّاريخ”، فـ»حميد سعيد« في نظره ليس مجرّد مراقبٍ عابرٍ، أو شاعرٍ يصف الفاجعة بعد وقوعها، لقربه من التّجربة بحكم موقعه الثّقافيّ والإعلاميّ، الأمر الذي يمنح السّؤال ثقله الأخلاقيّ والتّاريخيّ. والعتب الذي يتكلّم بلسان جيلٍ عراقيٍّ كاملٍ، يتجاوز القصيدة ذاتها إلى موقع المثقّف في صناعة الوعي السّياسيّ والثقافيّ، وإلى مسؤوليته حين تنكسر الرّواية الرّسمية ويسقط الوطن في قلب الكارثة. ذاك لم يكن عتبًا على أدبيّات القصيدة، بقدر ما كان على “الشاهد الصّامت“.

كما أنّه يجد القصيدةَ وثيقةً غير مكتملة؛ إذ يرثي المفجوع دمارَ المتحف وتلاشي الدّولة، ويرى أنّ القصيدة وحدها لا تمنحه صكّ براءةٍ جماليًّا، فيطالبه بالشّهادة الصّريحة قبل فوات الأوان، وبـ”المكاشفة الحقيقيّة” بما هو أبعد من المأساة الإنسانيّة، فيما يظل السّؤال معلّقًا فوق الفاجعة: “كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن يتحمل المسؤوليّة المباشرة عن جرّ البلاد إلى هذا المآل الكارثيّ؟

وهنا تبلغ «مرثية المتحف» أحد أكثر مواضعها حساسيّة:

فهل تكفي الشّهادة الشّعريّة حين يكون الشّاعر قريبًا من دوائر الثّقافة والإعلام وصناعة الخطاب؟

وهل يستطيع «الفحم والدّم» أن يقولا ما عجزت اللّغة السّياسيّة عن قوله؟

يضعنا د. “ناهي” أمام هذه الهوّة بين الشّاعر بوصفه صانعًا للنّص، والشّاهد الحامل لذاكرة مرحلةٍ كاملةٍ، وهي هوّةٌ ستعود القصيدة نفسها إلى كشفها من داخل بنائها.

غير أن المقال يأتي في الوقت عينه كوثيقة إجلالٍ تصدر من إعلاميٍّ يعرف قدر »حميد سعيد«؛ إذ يشبّهه بالكاتب الرّوسي “مكسيم غوركي” (ضمير الثّورة). وهنا تحديدًا، تتبدّل زاوية النّظر إلى الصّمت؛ فـ »حميد سعيد« في قراءة الباحث كـ”غوركي” يمارس الاعتراض الضّمني، ونقد قسوة التّجربة من الدّاخل، متحفّظًا، ومحافظًا على موقعه كملاذٍ يُطفئ غضب السّلطة عن الأدباء.

على هذا الأساس، يمكن قراءة إحجام الشّاعر عن التّسمية، والتّورّط في التّراشق السّياسي الضيّق -كما يطالبه د. صباح- ليس تملّصًا من الشهادة، وإنّما امتدادٌ لطبيعته الرّؤيوية: فهو يرفض -الشّاعر- السّقوط في أسماءٍ وحساباتٍ سياسيّةٍ عابرة، وفضّل أن يُرثي المأساة الحضاريّة التي أصابت الوطن في جوهره، فالشّعر عنده أعلى وأبقى المدوّنات، وإيثاره بالرّمز والرّماد ما هي إلّا الشّهادة الأعمق على اندحار الكينونة.

وفي ختام مقاله، يرفع “ناهي” الصّرخة في وجه »أبي بادية«: بصفتك الشّاهد، الفارس، المقرّب، والضّمير.. من يقف وراء هذه النّتيجة المخيّبة التي أسقطت دولةً بحجم العراق؟

هنا تلتقي صرخة المقال برادع النّص؛ فالشّاعر كان قد أجاب عن هذا العتب مبكرًا داخل قصيدته حين أعلن ضياع الحقيقة وسقوط الرّواة أمام الهول الكبير:

» لا شاهدٌ فطنٌ.. ولا راوٍ يقول لنا الحقيقة..

كلُّ شاهدةٍ تخطّفها السُّعارْ «.

كيف قُرئت هذه القصيدة؟ أكانت ثورة معه أم عليه ؟

واجهت القصيدة اتجاهات نقدية متباينة تمثّل حالة الانقسام والتّشظّي الذي شهده العراق والوسط العربيّ بعد عام 2003:

1. المؤسّسات والنّقاد المستقلّون: قُرئت القصيدة بوصفها إحدى أهم المراثي الحضاريّة في الشّعر العربيّ المعاصر؛ إذ رأى فيها بعض النقّاد -ممّن قشّروا طبقات الرّمز والشّفرات الشّعريّة- تحوّلًا بنيويًّا وانكسارًا للإطار الأيديولوجي الصّارم لصالح صدمة الهويّة والوجع الإنسانيّ الخالص. كما قُرئت كوثيقةٍ نقديّةٍ تفكّك لحظة الشّتات العربيّ الحديث.

2. القراءات الاحتفائيّة والنّقديّة: اعتبرها آخرون تحوّلًا تيماتيًّا ونوعيًّا، تشكّل فيه “قناع الموريسكي” المطرود من فردوسه، وردت في دراسات تناولت ديوانه «من وردة الكتابة إلى غابة الرّماد». كما نشرت عنها مقالاتٌ ودراساتٌ نقديّةٌ في العديد من الصّحف والمجلّات. وكانت القصيدة بنظر بعض النّقاد -ومنهم د. غانم السّامرائي وأحمد جاسم الحسين وآخرون- بمثابة “نصّ قطيعةٍ” بين مرحلتين في أدب »حميد سعيد«.

3. خصوم التّجربة البعثيّة والعهد الجديد: تعامل قطاعٌ واسعٌ من هذا الوسط مع المرثيّة بـريبةٍ وشكٍّ شديدين؛ اعتبر بعضهم أن بكاء الشّاعر على “المتحف” والبلاد هو “بكاء مضمرٌ على النّظام السّاقط”، وأنَّه يستغلّ البعد الحضاري والرّموز الأسطوريّة ليتغطّى به عن انكساره السّياسيّ والشّخصي.

4. التهمة الأيديولوجية: حوصرت القصيدة من قبل بعض الأقلام السّياسيّة والنّقدية بتهمة أنّها خطابٌ تحريضيٌّ يرفض المشهد الجديد ولا يعترف بمتغيّرات العراق بعد تلك المرحلة. ورأت هذه الأقلام أن استخدام الرّموز التّاريخيّة في مجمل أدبه السّابق، يجعله غير مؤهّلٍ إنسانيًّا لرثاء الوطن.

وتُوّج النّقد غير مرّة بنبرة العتب، كالذي صاغه د. »صباح ناهي« في مقاله الأخير؛ إذ استشعر المأساة بصفةٍ عامّةٍ، ووقف عند التّساؤل الفلسفيّ: كيف لشاعرٍ أدار المؤسّسات وكان في قلب السّلطة، أن يجد نفسه فجأةً يرثي بلده بـ “الفحم والدّم” من معتزله؟

بل إنَّ د. صباح يُعمّق المأساة حين يرسم مفارقة الوداع؛ فيرى أن وداع »حميد سعيد« لبغداد ورفاق جيله كان أشدّ لوعةً من وداع “جلجامش لأنكيدو”؛ لأن الملحمة هنا لم تعد أسطورةً تُحكى، فقد تحوّلت إلى فاجعةٍ بشريّةٍ يفرّ فيها فرسان الشّعر والثّقافة، الذين ظنّوا أنَّ الموت لا يكون إلا على صهوات الخيل، ليقضوا شتاتًا وحسرةً في المهاجع والغربات.

خلاصة المشهد

قصيدة حميد سعيد «تخطيطات بالفحم والدم على جدران المتحف العراقي» كانت مسيرة الحد الفاصل بين عالمين:

مرحلة الشّاعر المستقرّ في المركز، المحميّ برمزيّة السّلطة والأيديولوجيا.

مرحلة الشّاعر الموريسكي المطرود إلى التّخوم، الذي لا يملك إلّا لغته وذاكرته المشتعلة، لينهض عاليًا من غفوةٍ مستبدّة نحو الفضاء الإنسانيّ الرّحب.

لهذا السّبب، بقيت القصيدة حيّةً ومثيرةً للجدل؛ فبينما رآها نقّاد الأدب وثيقة صدمةٍ إنسانيّةٍ خالدةٍ، رآها الخصوم مرثيّةً مبطّنةً. لكنّها في مجمل الحالتين تقف كواحدةٍ من أقسى وأشدّ النّصوص إيلامًا بين تلك التي كُتبت لحظة سقوط المدينة.

موت البلاغة أمام الهول.. والانقطاع الموريسكي

تتجسّد القيمة الفنّيّة والإنسانيّة الأشدّ وطأةً في هذه المرثيّة، حين لا تكتفي القصيدة برصد الخراب من الخارج، ليتسلّل إلى جسد اللّغة نفسها؛ فيتهشّم الصّوت، وتتلعثم البلاغة، وتتداعى كالبلاد معلنةً السّقوط في بستانٍ مواسمه من خراب عند الختام:

لا ماءٌ قِراحٌ.. لا سَرابُ

هَذا الخَرابُ..

بُسْتانُ عُزْرائيلَ.. يُثمرُ في مَواسِمِهِ الخَرابُ

لَمْ يَبْقَ في أَرْجائِهِ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ..

لَقَدْ عَمَّ الخرابُ

عَمَّ الخرابُ

عَمَّ الخرا…”

هذا الانقطاع المفاجئ في تردّدات الحروف «عم الخرا…« يتجاوز كونه تعثّرًا لفظيًّا أو سقوطًا عابرًا؛ نستشفّه صدًى لـ”موت البلاغة أمام هول الفاجعة”، فالتّراكيب تدفع نفسها عند حواف العجز، وتخذل اللّغة في إستكمال هيئتها، لتتداعى أدوات البيان أمام مشهد المحو الشّامل، حتى تتوقّف الكلمة عند العتبة الأخيرة من تشكّلها.

فـ “الخراب” الذي ظلّ يتكرّر ويتّسع في النّص يبلغ أشدّه. كأنّ الفاجعة لم تعد موضوعًا تصفه اللّغة، وإنّما أصبحت قوّةً تنفذ إلى جهازها التّعبيريّ فتقطع امتداده. وهنا، يتماهى انقطاع الصّوت مع انقطاع العالم الذي تصفه القصيدة: يتوقّف اللّفظ في اللّحظة التي يبدو فيها “الخراب” وقد استنفد ما تستطيع اللّغة أن تستوعبه. والنّقاط الثّلاثة الأخيرة تصبح جزءًا من المعنى، وتهدي القصيدة امتدادها؛ بحيث يصبح هذا الانقطاع هو نفسه بلاغةً من نوع آخر: بلاغة ما لا يَكتمل، وما لا يمكن أن يُستكمل… ليترك المغرَّبُ قصيدتَه وهي في ذروتها

ومن غبار هذا الانقطاع بالذّات، نعبر إلى التّحوّل الفلسفيّ العميق في تجربة البليغ »حميد سعيد« لاحقًا لارتداء قناع “الموريسكي”، ذلك الشّاهد المطرود من فردوسه، الذي يحمل أوجاع وطنه المفقود على كتفيه في برزخ الاغتراب.

وقد اختار الشّاعر في نهاية المطاف، أن تبقى صورة العراق في ذهنه، ونقده، وقصائده، ناصعةً كما يراها، مبنيّةً على الذّات والذّاكرة والحنين، فضلاً عن العيش في غربةٍ كريمةٍ بين أوساطٍ ثقافيّة تُقدّر قيمته كرمزٍ شعريٍّ، وأكاديميٍّ كبيرٍ، بدلًا من العودة إلى واقعٍ مأزوم لا يرحم رموزها الحضاريّة ولا يحترم تاريخها.

أخيرًا، تتفتق الحقيقة في كبد السّماء ظلاً ظليلاً يُشاهد من بعيد، ولا يُرى.

فمن يستحقّ أن يكون نجمًا.. سوف يكون

نقطة، فاصلة، وإنّها ليست بخاتمة

………………

مقالات ذات صلة