لَجَجُ الهَوَى المَشْحُونُ بِالأَشْوَاقِ يَسْرِي فِي بَسَاطِ الذِّكْرَيَاتِ، وَلا يَرَى إِلا صَدَى الأَبْحَارِ، أَسْمَعُهُ هُنَاكَ، فَلا يَمُرُّ سِوَى غَمَامٍ مِنْ دَمِ الشُّهَدَاءِ أَحْمَرَ، يَصْرُخُ: يَا أَيُّهَا القَمَرُ الحَزِينُ، نُورُكَ البَاكِي اسْتَبَاحَ حُرْمَةَ الجَسَدِ المُجَرَّحِ بِالخِطَابِ الأَسْوَدِ المَعْسُولِ، بَلّا القَدِيمَةَ وَالمُنَى، رَحَلَتْ، فَمَنْ يَأْتِي وَيَبْتَكِرُ المَدَى سُبُلاً لإِشْرَاقِ الرُّؤَى بَيْنَ الخَسَائِرِ وَالمَرَاثِي وَالأَسَى؟ يَا أَيُّهَا المَعْزُولُ حَتْماً أَنْتَ تَحْيَا فِي حِصَارِ الخَوْفِ وَالوَهْمِ الَّذِي يَقْتَادُ أَوْهَامَ الصَّدَى. سِيزِيفُ ظِلِّي صَاخِبٌ يَرْتَاحُ فِي دَمْعٍ تَجَلَّى صَخْرَةً، يَمْضِي يُقَاتِلُ فِي العَمَاءِ، وَلا يَرَى غَيْرَ الجَفَا. ظَمَأٌ أَنَا، وَعَلَى خُطَايَ سَحَائِبٌ تَمْضِي لِتَقْتَرِحَ اللِّقَاءَ مَعَ الخُصُومِ وَتَبْعَثَ أَشْوَاقَهَا رَغْمَ الحَرِيقِ وَنَارِهِ. لا بُدَّ مِنْ شَمْسٍ تُعِيدُ صَفَاءَهَا لِلْبَحْرِ حِينَ يَذُوبُ فِي مَوْجِ العِنَاقِ وَيَسْتَزيدُ سَكِينَةً مِنْ عِطْرِكِ المَأْهُولِ بِالرُّؤْيَا وَبِالأَحْلاَمِ. يَا بَيْرُوتُ لا تَسْتَقْبِلِي الطَّيْرَ المُهَاجِرَ، وَاطْرُدِي كُلَّ كوابيس الخنا .. وَإِصْغِي إِلَى فَيْرُوزَ: (يَا جَارَةَ الوَادِي طَرِبْتُ وَعَادَنِي ... مَا زَادَنِي شَوْقاً إِلَى مَرْآكِ) (فَقَطَعْتُ لَيْلِي غَارِقاً نَشْوَانَ فِي ... مَا يُشْبِهُ الأَحْلاَمَ مِنْ ذِكْرَاكِ) آهٍ مِنَ الأَشْوَاقِ تَسْرِي فِي أَزَاهِيرِ النَّدَى، وَيَظَلُّ قَلْبِي حَارِساً لا يَسْتَبِيحُ هَوَاجِسَ الأَمْسِ الَّتِي ضَاعَتْ مَعَ الأَيَّامِ وَاعْتَصَرَتْ مُنَى. فَإِلَى مَتَى تَبْقَى تَجُرُّ زَمَانَ بُعْدِكَ وَالعَنَا؟ بَيْرُوتُ يَا وَجْهِي وَيَا مِرْآةَ جُرْحٍ نَازِفٍ، مَا زَالَ يُتْلَى فِي القَصَائِدِ وَالغِنَاءِ، وَفِي رُفُوفِ القُبَّرَاتِ مَعَ الغَمَامِ. بَيْرُوتُ نُورُ اللهِ فِي البَحْرِ وَفِي الأَرْضِ السَّلاَمُ. كَمْ طَائِرٍ وَجَدُوهُ مَقْتُولاً عَلَى الأَرْزِ المُخَضَّبِ بِالدِّمَاءِ، وَفِي سَمَائِكِ شُرِّدَتْ أَغْلَى الكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ. بَيْنِي وَبَيْنَكِ دَمْعَةٌ وَنَشِيجُ ثَاكِلَةٍ رَؤُومٍ تَصْرُخُ: هَذَا الدَّمُ الإِكْسِيرُ أَرْزٌ شَاهِقٌ وَمَنَارَةٌ فَتَحَلَّقُوا حَوْلَ الضِّيَاءِ. حَبِيبَتِي بَيْرُوتُ يَكْفِي مَا أَرِيقَ مِنَ الدِّمَاءِ، تَعِبَ المُؤَّبِنُ فِي العَزَاءِ. سِيزِيفُ ظِلِّكَ يَرْتَقِي صَخْرَ المَتَاهَةِ مُجْهَداً رَغْمَ الحَرِيقِ وَنَارِهِ. عَبَثاً تُلَمْلِمُ مَا تَبَقَّى مِنْ حُطَامِ الصَّمْتِ فِي هَذَا الظَّلاَمِ الدَّائِرِيِّ، الرِّيحُ تَعْزِفُ بِالمَوَاوِيلِ، وَتَنْأَى كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَطَأَ الشُّعَاعَ. كُنْتُ البَصِيرَ بِلَيْلِ بَابِلَ حِينَ كَانَ الخَوْفُ يَرْشُفُ مِنْ دَمِي، وَكَظَمْتُ غَيْظِي كَيْ أَنَامَ عَلَى الطَّوَى مَا بَيْنَ زَحْلَةَ وَالصَّدَى. هَلْ كَانَ لِي جَسَدٌ يُقَاوِمُ مَوْجَةَ البَحْرِ الغَضُوبِ، وَيَرْتَقِي هَذَا الشِّرَاعَ؟ مَا لِي وَلِلأَحْلاَمِ تَعْبُرُ لِلرَّمَادِ عَلَى حَفِيفِ العُشْبِ؟ امْرَأَةٌ تَرَانِي فِي خُطَاهَا الضَّوْءُ، يَمْنَحُنِي الإِقَامَةَ فِي المِيَاهِ، تَرَكْتِنِي وَحْدِي كَالشِّرَاعِ أُصَارِعُ الأَمْوَاجَ فِي قَاعِ الضَّيَاعِ؟ أَنَا لَسْتُ أَحْلُمُ بِالسُّهَى، بَلْ أَبْتَغِي رِئَةً يَطِيبُ لَهَا الدُّخَانُ، وَأُرِيدُ صَوْتاً لا يُرَدِّدُهُ السَّرَابُ. هَلْ لِلرُّكَامِ لِسَانٌ؟ أَمْ أَنَّنَا صِرْنَا نُنَقِّبُ فِي الحِجَارَةِ عَنْ شُعَاعٍ مَاتَ فِي الرُّؤْيَا وَأَسْلَمَهُ المَكَانُ؟ لا البَحْرُ يَحْفَظُ وَجْهَنَا، لا الرِّيحُ تَذْكُرُ مَا كَتَبْنَاهُ عَلَى المَاءِ الكَسِيرِ، وَكَادَ هَذَا السَّقْفُ يَهْوِي فَوْقَ أَكْتَافِ الجِبَالِ. كُنَّا نَظُنُّ النَّارَ تُنْقِذُنَا مِنَ البَرْدِ المُقِيمِ، فَأَحْرَقَتْ أجسادنا، تَرَكَتْ لَنَا حَطَباً يُحَدِّثُ عَنْ نَدَامَتِنَا وَظِلاًّ لا يَعُودُ. مَنْ ذَا يُعَارِكُ صخرةً صَمَّاءَ؟ مَنْ ذَا يَصُوغُ الشَّمْسَ مِنْ صَخْرٍ وَتَرْدَعُهُ الحُدُودُ؟ أَنَا يَا صَدَى الأَشْوَاقِ نَاوَرْتُ الزَّمَانَ لِكَيْ أَرَى: هَلْ لِلْغِيَابِ مَلاَمِحٌ أُخْرَى؟ وَهَلْ فِي كَفِّنَا بَقِيَتْ رِئَةٌ؟ سَقَطَتْ سِلاَلُ الحُلْمِ وَانْكَشَفَتْ شِكَاهُ الأَزْمَنَةُ، فَاعْبُرْ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ.. أَوْ كُنْ لِكَيْ يَبْقَى الضِّيَاءُ مُعَلَّقاً. يَا بَحْرُ.. كَيْفَ صَبَرْتَ فِي هَذَا الأَسَى؟ بَيْرُوتُ بِالأَشْوَاقِ تُهْدِي لِلشَّوَاطِئِ زَفْرَةً مِنْ غَيْمِهَا! هَلْ نَامَ فِيكَ الشَّوْقُ، أَمْ سَهَرَ الرَّذَاذُ عَلَى المَقَاهِي يَكْتُبُ المَأْسَاةَ فِي لُغَةِ الدُّخَانِ؟ فَأَجَابَنِي المَوْجُ الكَسِيرُ: أَنَا المَدِينَةُ حِينَ يُثْقِلُهَا الأَسَى، وَأَنَا السُّهَادُ الحَيُّ فِي صَخْرٍ يُقَاوِمُ عَتْمَةَ الأَيَّامِ، لا المَاضِي يَعُودُ، وَلا النَّوَارِسُ تَسْتَرِدُّ سِلاَلَهَا مِنْ قَاعِ هَذَا الخَوْفِ.. بَلْ نَمْضِي كَمَا يَمْضِي الحَرِيقُ بِصَمْتِهِ، وَنَظَلُّ نَبْتَكِرُ المَبَاهِجَ فِي الرَّدَى، لِتُضِيءَ فِي بَابِ العِنَاقِ شُمُوعُنَا، وَيَكُونَ وَجْهُكِ وَاضِحاً رَغْمَ الظَّلاَمِ! يَا بَحْرُ.. أَيْنَ ذَهَبْتَ بِالسُّفُنِ الَّتِي حَمَلَتْ هَوَى لَحْنِ الصِّبَا؟ أَيْنَ الَّذِينَ تَحَلَّقُوا عِنْدَ الصُّخُورِ وَغَادَرُوا الضَّيْعَاتِ وَالشَّجَرَ الحَمِيمَ شَمِيمَهُ وَنَسِيمَهُ؟ فَأَجَابَنِي صَوْتُ المِيَاهِ: يَسْعَى لأَنْ يُعِيدَ لِي حُلْوَ الحَنَانِ المُرَّ، لَكِنَّ الرِّيَاحَ المَاجِنَةَ طَوَتِ الشِّرَاعَ، وَلَمْ يَعُدْ فِي الكَفِّ غَيْرُ زُجَاجَةٍ مَكْسُورَةٍ، أَصْغِي لَهَا: أَنَا يَا حَبِيبَةُ لَمْ أَزَلْ سَهْرَانَ مِثْلَ البَحْرِ يُطْرِبُهُ الغِنَاءُ.. وَعَلَى المِيَاهِ يَمُورُ وَجْهُكِ كَالضِّيَاءِ، تَجْرِي الجَدَاوِلُ فِي الرُّؤَى، وَيَظَلُّ صَوْتُكِ فِي دَمِي حَيّاً قَيُّوماً! يَا بَحْرُ.. أَنْتَ السُّورُ حِينَ تَجَحْفَلَتْ صُوَرُ المَنُونِ، وَأَنْتَ صَخْرَةُ صبرنا ،حِينَ اسْتَبَدَّتْ بِالعِتَابِ المَاجِنَاتُ مِنَ الرِّيَاحِ! كَمْ غَازِياً أَلْقَيْتَ فِي قَاعِ المُهَانَةِ، وَامْتَطَيْتَ المَوْجَ غَضْبَاناً لِكَيْ تَطْوِيَ الدُّخَانَ، وَتَبْعَثَ شَمْسَ المَسَلَّةِ فِي المَدَى؟ لُبْنَانُ يَا جَبَلاً يُعَارِكُ عَتْمَةَ الغَازِينَ، يَا نَاراً تُضِيءُ لَيَالِيَ الخَوْفِ المُقِيمِ، وَتَسْتَرِدُّ الفَجْرَ مِنْ كَفِّ الرَّدَى! هَذِي الشَّوَاطِئُ لَمْ تَزَلْ تَمْشِي بِمِشْيَةِ ثَائِرٍ، لا شِرَاعَ يُهَانُ فِيكَ، وَلا جِبَاهٌ تَسْتَكِينُ لِغَاصِبٍ، بَلْ كُلُّ صَخْرٍ فِي ذُرَاكَ قَصِيدَةٌ، وَبِكُلِّ كَفٍّ جَمْرَةٌ تُصْلِي وَتَبْتَكِرُ الخُلُودَ! 8-8-2026