المثقف وصناعة الحضور..النرجسية كـ”عقدة ثقافية”!




ثمة نرجسية عالية المستوى تتفاعل داخل نفوس بعض المثقفين وغالباً ما تنتج سلوكا يتّسمُ بالغيرة والحسد وعدم تقبّل نتاج الآخرين ، ويتجسّدُ هذا السلوك من خلال الصمت أو الشوشرة وعدم الاكتراث بتلك النتاجات ، وقد يدفع البعض لسرقة الأفكار وإعادة صياغتها بأسلوبٍ آخر لمجرد أنْ يكون لهم حضورٌ في فضاءات الأفكار التي غابت عنهم أو بادر بها الآخرون ، فليس للبعض المقصود أنْ يكون دائماً في المقدمة، وليس له الحق في أنْ يكون الأعظم والأكبر ، وتأكيداً لذلك نراهم يكثرون من نشر صورهم بمناسبة أو بدونها وكأنهم يريدون أن يحشروا أنفسم في كل مكان متاح، متوهمين أنّ الساحة لهم فقط متناسين أنها تسع الجميع ، والمعرفة هي اكتساب وتطبيق ، والاكتساب هنا هو ليس المعرفة فحسب ، إنما هو الأخلاق والمبادئ ورقيّ النفس والشعور بحب واحترام الغير والثبات على الموقف .
ويمكن أنْ أضيف بهذا الخصوص ، التخلص من الذات المتنرجسة والتفاعل مع الأفكار بكل شفافية وود ، ذلك أنّ البدايات يجب أنْ تحظى بالاحترام والتقدير، لأن الثقافات ليست حكراً على أحد ، ولا يمكن لها أنْ تنتشر وتتوغل في المجتمع إلا من خلال أخلاق حميدة وسوية ومتواضعه ومتفاعلة لكي تنتج كلمة نظيفة أنيقة راقية ومفيدة.
وللأسف فإن تلك النرجسية أصبحت ظاهرة اجتماعية وفكرية يُظهِرُ فيها المثقف شعورًا مبالغًا فيه بالذكاء والتفوق الذهني، ويستمد قيمته من عقله، ويعاني من افتقار للتعاطف مع الآخرين، ويقلل من شأن الآخرين. هذه النرجسية قد تتجلى في التعالي والغطرسة، مما يؤدي إلى رؤية المثقف لإنتاجه وكأنه الأول والوحيد من نوعه، ويبعده عن الواقع ويمنعه من التواصل الفعّال.
وتبقى دعوتي للدكتور قاسم قائمة، لأن يستكمل ما كتبه وبتفصيل سايكولوجي أكثر لهذه الظاهرة وهو البارع بحسب تخصصه في الشرح والتحليل وأن يجري التأكيد على أنّ الثقافة ليست حكراً على شخوص وجماعات إنما هي عالم مستلٌّ مفهومه على أنّ المعرفة هي اكتساب وتطبيق ، واذا كان الأمر فيه شيء من السهولة في منهج الاكتساب ، فإن الصعوبة كل الصعوبة تكمن في التطبيق ، لأن منهجية التطبيق بمفهومها العملي تخضع لعدة معايير منها التواضع في الطرح ، شفافية الأخلاق التفاعل مع ردود الفعل بإيجابية ومودة ومن ثم التركيز على مفهوم النشر الذي لابد أنْ يحمل الإجابات المقنعة للاستفهامات الستة التي تعني التفاعل الحميم بين المثقف والقارئ من جهة والمثقف والمثقف الآخر من جهة أخرى .

خلاصة القول :
إنّ المثقف النرجسي لا يحبذ أن يـُنـتـقـد وإلا يعتبرهُ تـهجمـاً ضده شخصيـاً ، وبتالي يكرهُ كل المنتقدين لهُ بشدة ومع ذلك فهو لا يـُظهر ذلك البغض .
فمـا من أحد آخر كالنرجسي يـحب المناصب والظهور ، ولكن ليس من أجل الآخرين بل خدمة لشخصهُ .
ومشكلة الشخص النرجسي أنهُ يعتـقد جـازمـاً بأنهُ صـاحب أفضل الأفكـار والطروحات وأسلمـها وأصحّـهـا ، أمـا الآخرون فـهـم ليسوا إلا تـافهـين وأغبـياء .
أمـا الفضاضة وسوء معاملة الآخرين والحساسية المفرطة، فهي من مزايـا الأشخاص المرضى بداءِ النرجسية حتـماً .
ويؤكد منطق علم النفس حول الشخصية النرجسية فيركز على أنهُ (أي النرجسي ) متمكن من السيطرة على عواطفهِ في خزانته الداخلية الذاتية ولا يحررهـا خارج تلك الخزانة حيث الآخرين ، ومنهم أقرب الناس أليه ، العائلة ، الاصدقاء ، الرفاق فهي تبقى مخزونة بمثابة وطنه وعالمه الذي يعيش فيه ، حيث لا يهتم إلا بـذاته ورغباته وتطلـعاتـه حتـى إذا فشـل أقرب النـاس إليه فـهو لا يـهتم إذ يقوم بتـهديم كـافة جسور المودة والألفة والصداقة والاهتـمـام بـهم ويـبتعد فراسخ عـنهم رغم تظاهرهِ أمـامـهم بـعكـس ذلك.
والمثقف وإنْ تنوعت تصنيفاته بين مثقف عضوي وآخر نخبوي وثالث أيديولوجي ورابع موسوعي وقائمة التصنيفات قد تطول، سيظل إنساناً عادياً بمكوناته الفسيولوجية وبمعنى لا يمكن اعتبار المثقف انساناً خارقاً، هو أوسع معرفة من غيره ربما، وأقدر على التعبير عن وجهة نظره والدفاع عنها. هذا صحيح في إطار قدرته على ترتيب أفكاره وعرضها ببلاغة حسن الكلام وبلاغة الاحترام للرأي الآخر أياً كان قائله مواطناً عادياً أم مفكراً يشار له بالبنان.
والخلاصة ما من رأي لا يستحق الاحترام كلما كان بسيطاً ومتواضعاً ومعوّلاً على قيمته الأخلاقية ومن يدرك هذا الأمر هو المثقف الذي لا يزدري أحداً من الناس.





