حين تسبق العاطفةُ العقلَ… يسقط الوطن




أكتب لأن الرياح من حولنا عاتية، ولأن أصواتًا مرتفعة تحاول دفعنا مجددًا إلى خنادق الطوائف والقوميات، كأننا لم نتعلم من دروس الدم.
العراق هو وطنكم، وهو أولى بولائكم من كل المحاور.
تذكروا أن بيتنا السياسي من زجاج؛ وأي حجر نرميه غضبًا سيرتد علينا شظايا. لسنا في موقع قوة يسمح بالمغامرات. فقرنا يتفاقم، مستشفياتنا تعاني، رواتبنا مهددة كلما اهتز سعر النفط أو تعطلت الموازنة،
واقتصادنا هش يعتمد على مورد واحد، وأي اضطراب إقليمي قد يدفعه إلى حافة الانهيار. فكيف نسمح لأنفسنا بالانقسام وسقف البيت متصدع أصلًا؟

لا تنقسموا من أجل دولة خارج حدودكم، ولا من أجل راية ليست راية العراق، ولا تجعلوا خلافات الآخرين سببًا لاقتتال داخل بيوتكم. حين ننجرّ إلى صراعات غيرنا لا ندافع عن قضية، بل نضاعف أزماتنا. الطائفية لم تجلب لنا أمنًا، والاصطفاف الأعمى لم يبنِ مدرسةً ولا مستشفى، والهتاف لمحاور الخارج لم يوفّر فرصة عمل لشاب عاطل.
العراق اليوم يحتاج إلى عقلٍ بارد لا قلبٍ مشتعل، وإلى وعيٍ يدرك أن المعركة الحقيقية ليست بين هذا المحور وذاك، بل بين دولة قوية ودولة ضعيفة، بين إصلاح حقيقي وفوضى دائمة.
العراق ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا امتدادًا لصراع لا يمس كرامتنا الوطنية. هو وطن يتسع لكل مدنه ولهجاته ومذاهبه، وكان تنوعه دائمًا مصدر قوة لا سبب ضعف. حين ننقسم من أجل طائفة نخسر الوطن، وحين ننقسم من أجل قومية نخسر المستقبل، وحين ننقسم من أجل دولة أخرى نخسر أنفسنا.
تذكروا ما جرى بعد عام 2003: كيف تحولت الخلافات السياسية إلى جدران نفسية بين الأحياء، وكيف صارت الهوية سؤالًا مرعبًا على الحواجز، وكيف دفعت الأمهات ثمنًا لا يُحتمل حين ارتدت السياسة ثوب الطائفة. لقد جرّبنا الانقسام فلم نحصد إلا الخراب.
العراق أكبر من كل الاصطفافات، وأكبر من أي محور إقليمي، وأكبر من شعارات التحريض التي تستثمر عواطفنا. نختلف، نعم، ونتجادل، نعم، لكن حين يتحول الاختلاف إلى عداوة والجدال إلى تخوين يبدأ سقوط الأوطان.

لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن حب الوطن يتعارض مع انتمائكم الديني أو القومي؛ العراق يتسع للجميع. المشكلة لم تكن يومًا في التنوع، بل فيمن حوّله إلى سلاح.
أيها العراقيون، لستم بيادق على رقعة شطرنج إقليمية، بل شعب له تاريخ وحضارة وكرامة. إذا اشتعلت الحروب حولنا فلنحفظ بيوتنا من النار، وإذا ارتفعت أصوات التعبئة فلنرفع صوت العقل، وإذا حاولوا تقسيمنا فلنزد تماسكًا.
لا تجعلوا وسائل التواصل ساحات اقتتال افتراضي، ولا تنجرّوا وراء خطاب الكراهية، ولا تسمحوا للذاكرة المجروحة أن تتحول إلى وقود لجراح جديدة. الوطن لا يُبنى بالشعارات، ولا يحميه الغضب، بل يصونه الوعي وتثبته الحكمة ساعة الفتنة.
في مثل هذه اللحظات، لا بد أن تتقدم الحكمة على الانفعال، وأن يُكبح جماح التعصب قبل أن يتحول إلى نار تحرق الجميع. نعم، نشعر بمرارة ما فعلته السياسات الأميركية بالعراق والمنطقة، لكن تحويل الغضب إلى فوضى داخلية لن يكون انتصارًا لأحد. المطلوب اليوم أن نحصّن وطننا من الداخل، وأن نغلق أبوابه أمام رياح الموت والاقتتال. فالعاقل لا يفتح نافذته للعاصفة ثم يلوم الريح.





