“شاعرُ المنفى”.. حامل جائزة سلطان العويس الثقافية لعام 2025 “الجزء الثاني والأخير”




وفي يوم من أيامه التي طالت بعمّان، والتي تكاد تتكرر من دون تغيير، خطر للشاعر الذي لا تفارقه نكبة العراق لحظة واحدة، حديث الروائي التشيكي ميلان كونديرا يتعلق بالإحتلال الروسي لبلاده، ففي اليوم الثالث للغزو كان ميلان يقود سيارته فأوقفه ضابط روسي ليسأله عما يشعر به وعن عواطفه، موضحاً أنه لم يكن يقصد الإستفزاز والسخرية : “عليك بأن تعرف بأننا نحب التشيكيين، نحن نحبكم جميعاً، فلماذا لا يريد التشيكيون الذين نحبهم جداً، أن يعيشوا معنا وأن يعيشوا مثلنا، يا للأسف ان نضطر إلى استخدام الدبابات، لنعلمهم طبيعة الحب ؟ ! “. ويتساءل كونديرا إن كان الضابط الروسي يدرك ما يقول؟ :” وهل كان ساذجاً إلى حد الجرأة على القول بأن دبابات المحتلين، بإمكانها أن تعلم الشعب الذي تدوس سرفاتها على كرامة ترابه الوطني .. الحب ؟ ! ” . يقول الشاعر لعبد الله : ” ليس من مبالغة في إحساسي بأن هذا الحديث بين كونديرا والضابط الروسي، هو حديث مواطن عراقي نبيل مع من احتل بلاده، غير ان الذين احتلوا العراق، أعظم فظاظة وأكثر عنجهية وفجاجة، ولو حدث مثل هذا اللقاء، الذي حدث بين كونديرا وضابط روسي، بين مبدع عراقي وضابط أمريكي، لكانت البندقية ورصاصها الطائش، لغة التفاهم ودليل الحب بينهما !! ” .

بعد هذه الصفحات عن الوطن والإحتلال ولغة الحب والعنف، يصعد بارومتر الامتاع والمؤانسة في كتاب ” قال لي عبد الله ” بحديث مصدره الفنان العراقي الدكتور علي عبد الله، عن معرض الموسيقيين العراقيين وما آل إليه بعد الغزو الأمريكي لبغداد، وهو المشروع الذي بدأ برسوم ” كرافك بورتريت ” لرموز الحركة الموسيقية والغنائية في العراق، في القرنين الأخيرين أنجزها الرسام جبار مجبل، وكان الملا عثمان الموصلي أول فنان، تقدمت صورته المعرض، ثم صور قراء المقام العراقي أحمد الزيدان وعباس الشيخلي ورشيد القندرجي، ومن المطربين يوسف الكربلائي وصديقة الملاية وعبد الأمير طويرجاوي.

ثم أنجز الرسام قاسم حسين المجموعتين الأخيرتين، : “وضم المعرض كذلك صور الفنانين العرب الذين عملوا في العراق، أمثال الشريف محيي الدين حيدر والشيخ علي الدرويش وروحي الخماش وجميل قشطة، كما ضم المعرض آلات موسيقية لفنانين بارزين، منها عود الشريف محيي الدين حيدر وكمنجة جميل بشير، ومممتلكات شخصية لبعض الفنانين ومنها ” مسبحة ” المطرب الكبير داخل حسن “، غير أن الغزو الأمريكي سبق موعد افتتاح المعرض في البناية التراثية التي تقع عند مدخل شارع الرشيد من جهة الباب الشرقي : ” وهكذا نهبت محتويات المعرض أو أتلفت، ولا ادري إن كان الغزاة وأدواتهم المحلية أو التي جاءت معهم، أرادوا بفعلتهم هذه الثأر من حناجر القبانجي ويوسف عمر وحضيري أبو عزيز وناظم الغزالي وناصر حكيم وزهور حسين أو من أوتار عود عباس جميل وكمنجة غانم حداد وناي خضر الياس واصابع خضير الشبلي ؟ ! ” .

لن أتوقف كثيراً عند حكايات ممتعة مؤنسة، مثل كتاب الورق وكتاب الحاسوب والرسائل البريدية، وفيه تعقيب على مقال كتبه الشاعر د . راشد العيسى بعنوان ” رسالة بخط اليد ” يتضمن حكاية عن العلامة الشيخ محمد حسن آل ياسين، مع شهادات لشعراء وروائيين أمثال أمبرتو إيكو وخوزيه ساراماغو وريتا دوف وسوزان سونتاغتميل كلها إلى كتاب الورق، وفي مقدمتهم إيكو الذي وصف القائلين إن عصر كتاب الورق انتهى لانتشار الحاسوب بأنهم ” غربان” !. يعقب ذلك الحديث عن عادات القراءة الذي ينتهي إلى خلاصة مفادها : ” إن كل تلك العادات تتغيّر او تتكيّف، حين تضطرني الظروف إلى تغيير حياتي، مكاناً أو ظرفاً اجتماعياً “. وعند حديث جائزة نوبل تحضر رواية عبد الستار ناصر ” على فراش الموز” التي يطرح فيها الروائي تساؤلات عن: ” كيفية حصول نجيب محفوظ على كل تلك الشهرة والمجد، وهو الذي لم يعش أبداً، أي تجربة استثنائية تستحق الذكر” . ويجري نقاش بين الشيخ والمريد حول ما كتبه ناصر في روايته، ولا يلبث حميد سعيد أن يعود في نهايات كتابه إلى جائزة نوبل مشيراً إلى مقالة بقلم عبد الهادي الطرابلسي تنوه إلى: ” إن جائزة نوبل للآداب شغلت غير واحد من المثقفين العرب، منذ عشرينيات القرن الماضي، وبعد أن مُنحت في العام 1913 للشاعر الهندي طاغور” ، ثم يطرح سعيد وجهة نظر سليم سركيس بشأن أحمد شوقي ونوبل : ” وكان الشاعر أحمد شوقي، الإسم الأكثر حضوراً في ما كتب بشأن منح الجائزة لأديب عربي: ” ذلك ان سركيس يعتقد بأن شوقي يستحق الجائزة، وفي الوقت نفسه يعتقد إن الاستحقاق وحده لا يكفي” . أما طه حسين فيرى أن ” شعر طاغور شعرٌ إنساني، أما شعر شعرائنا فهو شعر أشخاصٍ وظروف، ولطاغور فلسفةٌ كما للمعرّي والمتنبي فلسفة، فأين هي فلسفة شوقي أو حافظ أو مطران؟ “.ولذلك يؤكد طه حسين أن شعر شوقي أو حافظ، لو تُرجم إلى الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية، ما كان ليضمن لأصحابه جائزة نوبل كما ضمنها لطاغور.

ثم تأتي صفحات الإمتاع والمؤانسة بما هو مشوق ومدهش عن مجنون بني عامر، وقبيلة عذرة، والحب الصوفي، وكتاب الاغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والأغنية السومرية، وإنانا وديموزي – عشتار وتموز، والف ليلة وليلة، والصراع بين المظهر والجوهر في الجمال، وفكرة الجمال، والكتابة بلغة الآخر، والسجن اللغوي، وعلاقة النقد بالإبداع ، ومعايير النشر وتتضمن حكايات مع سهيل ادريس صاحب دار الآداب التي نشرت المجموعة الشعرية الأولى لحميد سعيد ” لغة الأبراج الطينية ” وكان الشاعر يومها في العشرين من عمره، ولم يكن معروفاً، ومع ذلك فقد دفع له ادريس مكافأة نقدية معقولة، والرسام نجيب يونس، وابراهيم الموصلي وابنه اسحاق، وعمر الخيام والرباعيات، ثم ثلاث أوراق يختتم بها الكتاب عن أدوارد سعيد، والشاعرة الكندية مارغريت آتود، والكاتبة الأمريكية من أصول أفريقية أليس ووكر .
إلا أن من أكثر قصاصات الصحف القديمة تشويقاً وإثارة تلك التي وصلت بظرف متوسط الحجم إلى المقهى ذات صباح، والمتعلقة بالمبدعين الذين أصيبوا بالسرطان: ” وسرطانات المبدعين، مقالة كتبتها لصحيفة الرأي الأردنية.. وقد اهديتها إلى صديقي محمد طمّلية .. قبل وفاته” . فضلاً عن طمّلية ” الولد العبقري” وعلاقته الحميمة بسرطانه، تتوالى أسماء وحكايات المبدعين ” المتسرطنين ” من أمثال الرسام والروائي محمود عيسى، والروائي محمد شكري ” الولد الشاطر”، ” ولو طلب مني أن اصف طمّلية، حين كان يتسلل ليلاً من مدينة الحسين الطبية، بعمّان، لن أجد وصفاً أفضل مما كتبه الروائي المغربي الكبير أحمد المديني في أوراقه عن شكري، حتى كأن موقفيهما من السرطان يوحدان الولد الشاطر والولد العبقري” .

وتأتي حكايات أخرى عن المبدعين الذين ابتلوا بمرض السرطان: الرسام كاظم حيدر، والشاعر أمل دنقل، والقاص محمد زفزاف، والشاعر ممدوح عدوان، والروائي فؤاد التكرلي: ” وإذ تنتهي السرطانات أحياناً من تحقيق أهدافها في تغييب الأجساد، فهي تؤكد بأنها عظيمة الجهل، حيث يتواصل حضور من أشرنا إليهم، في الموت كما في الحياة ” . ولظاهرة الانتحار بين الكتاب، نصيب في أقوال عبد الله مع مريده حميد سعيد، و” كان عمرو بن كلثوم أول شاعر عربي قضى انتحاراً، وما كان انتحاره بفعل الحزن أو اليأس أو العشق، وإنما بفعل ما عرف عنه من كِبَرٍ وأنفَةٍ “، ولم تكن ظاهرة انتحار الشاعر والكاتب العربي شائعة أو معروفة حتى بدايات القرن العشرين الذي شهد النصف الأول منه: ” انتحار اثنين من الشعراء المصريين الشباب، هما أحمد العاصي سنة 1930 وفخري أبو السعود سنة 1940. ثم يأتي انتحار الشاعر السوري عبد الباسط الصوفي سنة 1960 “. وفي سنة 1973 انتحر الشاعر الأردني تيسير سبول ، أعقبه بعد عقد من الزمن، الشاعر اللبناني الكبير خليل حاوي الذي انتحر سنة 1984 : ” ونجد أنّ كلاً من سبول وحاوي، كان لانتحارهما علاقة بالصراع العربي الصهيوني، فالأول انتحر بسبب ما آل اليه الوضع العربي بعد سنة 1973 وانتحر الثاني احتجاجاً على احتلال بيروت” .

ويُختتم حديث المبدعين المنتحرين بأشهر حوادث انتحار الادباء العالميين من أمثال الشاعر الروسي مايكوفسكي، والروائي النمساوي ستيفان زفايج مع زوجته، والروائي الأمريكي آرنست همنغواي، والشاعر الإيطالي سيزار جافيز، والكاتب الياباني يوكو يوميشيما الذي شكلت عملية انتحاره سنة 1970: ” طقساً درامياً فاجعاً ومثيراً، حيث قام مع عدد من مريديه باحتلال كلية الأركان العسكرية بطوكيو، ومن شرفة تطلّ على ميدان التدريب، ألقى خطاباً ندّد فيه بخضوع اليابان للسيطرة الأمريكية، وطالب بتغيير الدستور الذي فرض على اليابان في العام 1945، ثم أقدم على الانتحار بطريقة الهاركيري، طريقة الساموراي اليابانية، بغرز السيف في بطنه، وإخراجه من الظهر أمام الحاضرين، وقام أحد زملائه بقطع رأسه لإنقاذه من الألم”.
لم أنمْ تلك الليلة، إلا وكتاب ” قال لي عبد الله ” على صدري، فقد غلبني النعاس وأنا عند منتصفه، أقضم صفحاته بشهية لا توصف. وفي الصباح، سحبتُ ستارة النافذة المطلة على بحيرة خالد، وأعددتُ فنجان قهوة، متخيلاً نفسي في ” فوانيس” معتَكفِ حميد سعيد وجنّته الصغيرة التي اختارها في غربته عن جنته الكبيرة. أكملتُ الصفحات الأخيرة، وكان طيف الشاعر بابتسامته الرقيقة، يظّلل النافذة، ويمتد في الأفق البعيد، عابراً البحيرة الزرقاء نحو غيمة صغيرة بيضاء …تحمله نحو الوطن .





