رأي

سيرة “ياس خضير البياتي” أعادتني إلى أجواء “تقرير إلى غريكو” كازانتزاكي..

      أقول … عندما قرأت تقرير إلى غريكو لليوناني الكبير كازانتزاكي أعجبت بهذا التقرير او السيرة الذاتية ايما إعجاب ليس فقط بأسلوب الكاتب المدهش والمترجم البارع، وانما بطريقة سرد حياته حتى تجد نفسك مع الكاتب في طفولته حيث ياخذه ابوه للمعلم ويقول له اجلده يا معلم ، اجلده حتى يصبح رجلا. يتحدث كازانتزاكي عن طفولته وعن گريت الجزيرة التي ولد فيها وتعلم منها العادات اليونانية والتركية، يصف امه الرقيقة الحالمة بانها قديسة، ويتساءل مستغربا كيف استطاعت ان تحس إلى جانبها شهيق الأسد وتنهداته خمسين عاما.

    يصف مرتفعات گريت وأشجارها وأمطارها وكنائسها، ثم يتحول إلى اثينا التي اندثر مجدها وصارت بقايا وهم لحضارة قامت ثم نامت.

     “خطوط الزمن” وضعتني في نفس الأجواء مع فارق المكان والزمان… لم يعترف كازانتزاكي بان ما يكتبه سيرة ذاتية وكذلك خطوط الزمن اذ انها في الحقيقة ليست سيرة ، انها ذاكرة تختلط فيها الاسماء والأماكن واصحاب النفوذ والأزقة الضيقة لمحلة الفضل في بغداد، وتكاد تسمع وترى صرخات الولادة والتحولات البيولوجية من كائن هش الى كائن حائر.

      لا استطيع ان أصنف خطوط زمن ياس البياتي من أدب السيرة، انه نوع خاص من الادب تختلط فيه الفلسفة بعلم الاجتماع وعلم النفس والرواية والشعر، انها خزين معرفي لا حدود له، حتى مراحل تطور الذاكرة من الولادة الصاخبة إلى الشيخوخة المبكرة كانت عبارة عن استعراض لثقافة موسوعية مشحونة بالأسماء الكبيرة، فلاسفة ومفكرون وشعراء وأدباء وصحفيون وفنانون ورجال دولة.

       هل هي ذاكرة مؤرخ، ام صحفي ام عالم اجتماع.

     اقرأ ولا أتوقف حتى أنسى احيانا ان هناك سطرا يحتاج إلى نقطة توقف او علامة استفهام في نهايته. كلما أوغلت في قراءة هذه السيرة يقفز في ذهني غاليانو وهو يكتب عن الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية، فالبياتي يفتح نفس الشرايين ونفس الأوردة ونفس المكان الذي تخصص بالخسارة. يُلبس بغداد احلى أثوابها ثم يخلع أثوابها ويكشف عريها ويغطيها بقلبه عندما تمرض بالوباء والغرق والغزاة.

لا اعرف اسماً لهذا النوع من الادب ولكنه حتما ليس سيرة ذاتية.

     حاولت ان اجد ثغرة في الأسلوب، في اللغة، في التسلسل المنطقى، لكي ارفع الحرج وأتجاوز العقوبة، فلم اجد، كانت اللغة تنساب مثل نهر سريع الجريان، والأسلوب يغريك بالاستمرار، حتى إذا اردت ان تتوقف لالتقاط الأنفاس يغلبك الشغف لمواصلة القراءة.

       احببت هذه السيرة ليس لانها ممتعة فقط ولكن لانها تأخذك بعيدا لاكتشاف عوالم الفكر الذي لا يتوقف عند حدود.

لا انصح بقراءة هذا الكتاب إلا لمن اراد ان يتعلم كيف تفكر العقول الكبيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   إشارة: كان الدكتور ياس خضير البياتي قد كتب تعليقاً على النص: شكرًا للبروفيسور فجر جودة، عالم الاجتماع العراقي المقيم في لندن ، على مقالته النقدية الباذخة عن كتابي «خطوط الزمن – سيرة ذاتية»، فقد أضاء بنظرته العميقة ما خفي من دهشة النص، ومنح السيرة حياةً أخرى في وعي القرّاء.

مقالات ذات صلة