بيروت حميد سعيد.. المتجلببة بالحرائق!!




فبعد قصيدته ـ الملحمة (الموت في غزّة)؛ التي انتصف بها العام الفائت[كتبها في 28 تموز/ يوليو 2025]، طلع على متلقيه بنصِّه الجديد (تُقبِلُ بيروتُ بجُلبابِ حرائقِها)، التي أرّخ لها بـ (12/ 2/ 2026)، أي في غمار محنة دخولها في أتون العدوان الصهيوني الهمجي عليها، جاعلاً منها ـ القصيدة ـ ملحمة احتفاء بجمال؛ نعم.. الجمال الوجودي، وقد أراد له أعداء الجمال ـ أعداء الإنسانية بالضرورة ـ أن يتهاوى إلى حضيض البشاعة؛ بأيّةٍ من معانيها المعروفة ظاهراً وكامناً، ولذا ستكون هذه القراءة محاولة لتبيين هذا الدافع الرئيس من وراء كتابة حميد سعيد لقصيدته هذه.

فابتداءً من ثريّاها؛ سيكون المتلقي أمام الفعل المضارع الذي يفيد لزمنَيْ الحاضر واستمراره في المستقبل (تُقبِـلُ)، فعلاً مُلازماً للفاعل/ لة (بيروت) بما يعنيه من إقبال ـ خلافاً للنكوص الافتراضي ـ ثم ليتبع جملة الفعل والفاعل هذه بجملة تزيد الرؤية وضوحاً؛ أعني جملة ما يسمّيه النحويون بـ “الفضلة”، وتحديداً (بجُلبابِ حرائقِها) التي يشي دال (الجُلباب) بمدلول يبدو ظاهراً، لكنه شديد العمق كثيفه، لارتباطه في الأذهان بلباس النساء مترفات الأحوال؛ الأنيقات والمُتنعّمات ذوات الغنج والدَّلال، خلافاً للثياب المتهرئة أو المحترقة، مادام سيُضيف الحرائق إلى هذا الجلباب، وما يُفترَض أن يؤول إليه من رماد في الأحوال المعتادة، وهو دال جمالٍ سيكون له شأن ببقية دوالّ القصيدة بالتتابع.
أما نص القصيدة نفسه؛ فيبدأُه الشاعر من إشارته إلى محنته الشخصية، حيث يعيش متغرّباً عن وطنه منذ ثلاث وعشرين سنة، إذ حين يبدأ النص بجملة: “من مغترَبي”، يُنبّه المتلقي على أنه إذ سيعرض لمحنة بيروت في “جلباب حرائقها”، فلن يكون بعيداً ـ بهذا المعنى أو ذاك ـ عن حرائقها هذه وحرائق تغرّبه هو نفسه، فهو لم يندفع نحو بيروت اندفاعاً خارجيَّ الرؤية، إذا جاز القول، بل من صميم محنته هو شخصياً، وقد شهد احتراق بغداد منذ احتلالها ولسعته حرائقها وما تزال. وعندما يرى بيروت مُقبلةً ـ لحظة إذ ـ بالصورة التي وصفها بها؛ أي (بجلباب حرائقها)، لن يرى مدينةً حقيقية بل كائناً يصطحب معه أبرز رموزها المعروفة: المطربَين عملاقَيْ الصوت الراحلَين، وديع الصافي ونصري شمس الدين والرحابنة للقاء المدهشة فيروز (الملكة) المتوّجة حقاً على عرش الأغنية بجمالاتها العالقة في القلوب قبل الأسماع، نائياً بقصيدته عن الوقوع في المباشرة الفجّة، مادامت هذه الرموز ستشكّل المرتكز الرئيس لبنية القصيدة ودوافعه عبرها.

عندئذ؛ سينتقل ـ رفقتهم جميعاً ـ من الرؤية إلى السماع: “أسمعها [فيروز] وهي تُغنّي”، وحضور الأذن هنا دال استمرار الغناء، الذي سيدلّ عليه اسم لبنان تالياً ومباشرةً: “لبنان.. نسيجٌ من وردٍ ونُضار”، و”فردوسٌ.. خصّ به اللهُ الشعراءَ وما كتبوا”، و”أناشيدُ العذرييّن.. وما حفِظت منه الأشجار”، حتى إذا ما كرّر الشاعر رؤيته ـ في خلل السماع ـ لـ (لبنان) ونسيجه الـ “من ورد ونُضار” ثلاث مرات، مع الاسم ومن دونه، مؤكداً صورة لبنان الجميلة قبل أن يحدث احتراقها: “حين ترى النار/تخرج من عزلتها الأنهار/ وتقرأ آخرَ ما كتبَ الشعراء../ على الماء/ من غزلٍ يتفتّح في أحلام الفقراءْ/ ويذهبُ أنّـى شاءْ”، فكأنّ رؤية الشاعر أدت إلى وصوله نحو غايته (بيروت)، ثم رؤية الأنهار وقد خرجت من صمتها وسكونها بدال (عزلتها)، ثم سماعه ما راحت تقرأه [الأنهار] مما “كتب الشعراء/ على الماء”، استحضاراً لبيت جبران خليل جبران الذي تُغنّيه فيروز له: “إنّما الناسُ سطورٌ > كُتِبتْ لكنْ بماء”، ثم سيضيف على ما تقدم حضور الشاعر (الأخطل الصغير/ بشارة الخوري)، ملمّحاً إلى ما غنّته فيروز له، ليكون دال الفعل (يتفتّح) شاملاً هذا كلّه.
أعادتني هذه الرموز الظاهرة والخفيّة المتداخلة شخصياً، إلى رأي سبق وقرأته لعالِم اللغة الفرنسي (بيير جيرو)، نصّ فيه على أنّ: “المجاز المُرسل والكناية عبارة عن تحوّلات في الاسم عن طريق تجاور المعاني، وهي تقتضي أخذ الجزء مكان الكل، والمضمون من أجل الشكل، والأداء محلّ الفعل… والعكس كذلك”، ونصّ أيضاً على أنه: “في كل انفعال عنيف كالغضب، والحب، والحماسة، نرى الكلمات غير المتوقعة والخيالات الطريفة تصدر عفوياً، والانفعال والإلهام مصدران عظيمان للخلق الأسلوبي” (علم الدلالة، تر: د. منذر عيّاشي، دار طلاس، دمشق، 1992، ص91 وص105).

من هنا يمكن قراءة هذه القصيدة انسجاماً مع تقدم آنفاً، أي اعتماد الشاعر لبنان كله وبيروت زهرته النضرة قبل احتراقها، رموزاً وإشارات أو علامات قارّة، ليسأل في مفتتح المقطع الثاني من القصيدة، عما وراء غياب هذا كله، بل استبداله بالجحيم تحديداً: “فلماذا استبدلتِ الأبهى في الأرض../ جحيماً سيكون بفردوسٍ كان/ ولماذا غلّقتِ الأبوابَ/ وما عاد محبّوها../ يحيَون نعيماً بين الأصحاب؟”، فلا يملك إلا أن يجعل إجابته اندغاماً بين ما كان ماضياً وصار حالاً حاضراً: “كان الليلُ الجبليُّ../ يعلِّمنا أن نصطحبَ القمر الذهبيَّ../ إلى السهرة../ مَن نصطحبُ الآنَ وقد هجرتنا الأقمارْ/ اعتزلت فيروزُ صباها/ واعتكفت في مملكة الأحزان/ تتذكّر مَن رحلوا../ أو تبحث حيناً عن لبنان”.. لتتعلق فيروز الحقيقية بفيروز الرمز من جانب، وتتعلق بيروت/ أو لبنان كله ـ لا فرق ـ بحال اعتزال الصِّبا؛ دال الحيوية والبهجة والجمال الذي لم يتبقَّ منه إلا الذكرى والبحث في ركام الحرائق عنه/ أو عنها كلها هذه الأقانيم التي شكّلته بتمامها، ومنهما ـ أعني الحقيقي والرمزي معاً ـ يعود الشاعر ليرى بعينَيْ فيروز: “بيروت بجلباب حرائقها../ تستقبلها بحنان/ تشاركها نبعَ حديقتها/ وتغطّيها بالريحان”، ويسأل بلسان فيروز المعتزِلة الصامتة نزيلة “مملكة الأحزان”، أسئلةً لا تبدو كالأسئلة بل وقائع يحاول أن يغضّ طرفه عن أية إجابات عليها: “لِمَ يحترق الحقلُ../ وتَسّاقط فوق مهود الأطفال الجدرانْ/ ولماذا تبدو سفنُ الصيادين الفقراء/ عزلاءْ../ هل خاصمها السمكُ الخائفُ../ وتخلّى عنها الماءْ”.
بالانتقال إلى المقطع الثالث من القصيدة؛ سيقف المتلقي على ثيمة أخرى مع الشاعر برمزه (عبد الله) أو بصفته ربما، دالُّها استعادة ذكريات عن بيروت كانت للبنان وأبنائه ولزائريها والهاربين من بلدانهم إليها؛ مأوى رمز له بجزء منها (مقاهي الحمراء) وعناها به كلها، وقد احتضنت العشاق واستمعت إلى حوارات الشعراء، عندما كانت مدن غيرها “غير بعيد عنها.. أنهار دماء”، من دون أن تُخطئ في تعليم هؤلاء جميعاً الحبّ، أو أن يقرأوا فيها “معنى أن يتجلّى فينا الإنسان”، إذ هي المَعلَم والمُعلّم وهم اللائذون بها بحثاً عن إنسانيتهم الغائبة أو المُغيَّبة، طلبةً للقيم الحقّة في السماحة والحرية ووجوه الحضارة الظاهرة وبواطنها المُشتهاة، التي تراجعت كلها وحلّ الخوف بديلاً عنها، وقد انتهت “رمزيّتها” و”رموزها”: الملاذ الباعث على السعادة والفرح وحيوية الحياة، ووديع/ ها الصافي، ونصري شمس الدين؛ الدال على وحدة الدين وعقائده المختلفة، مع ملاحظة تداول اسم (شمس الدين) بين معظم طوائف ناسها منذ عصور، والأكثر بعثاً للوجع إن فيروز الحقيقية والرمز معاً اعتزلت بالأخير “الفرح البيروتي”، الذي سبق أن كان وصفاً لـ “صباها” في المقطع الثاني، ثم إذ “أدمنتِ الحزنَ” بعد أن كانت “اعتكفت في مملكة الأحزان”، في المقطع المذكور.






