قصة “عنوانِ مقالٍ” ساخرٍ، وجريءٍ في صحيفة “الغارديان” البريطانية..



تقديم وقراءة: “برقية”
من هنا نفهم “سرَّ” عنوان مقال الكاتبة الانكليزية “هل البابا كاثوليكي؟”، يبدو العنوانُ سخيفاً للغاية، لأن الجواب البديهي هو نعم. لكن هذا بالضبط هو المقصود: الكاتبة تستخدم السؤال كأداة سخرية، لا كاستفهام حقيقي.
والمعنى العميق هو قلب الاتهام. بدلاً من أن يُسأل أتباع “ماغا” الذين التفّوا حول مقولة ترامب”Make America Great Again” أو شخصيات مثل جي دي فانس عن مدى التزامهم الحقيقي بالكاثوليكية، يتم – بشكل عبثي – توجيه الشك نحو البابا نفسه، أي البابا فرنسيس، المتّسم –عدا شأنه الديني، بالشجاعة الأخلاقية، والدفاع عن الفقراء والمظلومين، وعدم الرضوخ للجبابرة. لم يقل غير عبارة واحدة فجّرت غضب ترامب: “يحق لإيران أن تمتلك السلاح النووي”!
الكاتبة “مارينا هايد” تسخر من هذا الانقلاب: حين يصل الخطاب السياسي إلى حد أن السياسي أو أتباعه يقيّمون البابا لاهوتياً، كأنَّ المرجعية الدينية لم تعد الكنيسة بل التيار السياسي. وبعبارة أدق: العنوان يلمّح إلى أن بعض “المتكثلكين” أو “الكاثوليك الجدد” داخل التيار الترامبي يتصرفون وكأنهم أوصياء على العقيدة، يحدّدون من هو “كاثوليكي حقيقي” ومن لا!. وهنا المفارقة التي تريد الكاتبة فضحها: هؤلاء أنفسهم يدعمون دونالد ترامب، رغم التناقض الواضح بين سلوكه وتعاليم الكنيسة!!

السؤال إذن ليس عن البابا، بل عنهم. الكاتبة تقول بشكل غير مباشر: إذا كنا وصلنا لمرحلة يُشكَّك فيها في البابا لأنه لا ينسجم مع أجندة سياسية، فالمشكلة ليست في البابا، بل في فهم هؤلاء للدين نفسه.
وهنا تكمن “قوة العنوان”، فهو قد يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة اتهام مبطّن بأن الدين تم اختطافه وإعادة تعريفه سياسياً. بالضبط هذا ما حدث في جميع دول منطقة الشرق الأوسط من دون استثناء، أي تسييس الدين، وتحويله الى تابع لمطامع الساسة، والأحزاب، وإرادات رجال الدين المسيّسين أيضاً!. حدث هذا في إيران، وفي تركيا، وفي مصر، وفي العراق، وفي السعودية..ويحدث أيضاً في الإمارات، وفي سوريا، وفي غيرها!.
والنص الذي قدمته الكاتبة “مارينا هايد” ليس مجرد نقد سياسي عابر، بل هو هجاءٌ لاذعٌ يستخدم السخرية لتفكيك علاقة معقّدة بين السياسة والدين في سياق التيار الترامبي. الفكرة المركزية فيه واضحة: هناك تناقض صارخ بين الخطاب الديني الذي يتبناه بعض أنصار ترامب، وبين السلوك والخطاب الفعلي لرموز هذا التيار.
تبدأ الكاتبة بمقارنة ضمنية بين شخصيات داخل دائرة ترامب، لتصل سريعاً إلى الهدف الحقيقي: تصوير جي دي فانس كشخصية انتهازية ومفرطة في الظهور الإعلامي، مقابل ستيفن ميلر (المستشار السياسي لترامب) الذي يُقدَّم كقوة خفية أكثر خطورة. هذه المقارنة ليست بريئة؛ إنها ترسم هرم نفوذ داخل الإدارة، حيث الأخطر ليس من يتصدر المشهد بل من يعمل في الظل.

ثم ينتقل النص إلى نقطة أكثر حساسية: علاقة هذا التيار بالكاثوليكية. هنا تستخدم الكاتبة “مارينا هايد” حادثة انتقاد فانس للبابا لتُبرز مفارقة أساسية: شخص حديث العهد بالدين يعطي دروساً لرمز ديني عالمي. الإشارة إلى البابا فرنسيس وخصومته الضمنية مع هذا التيار ليست تفصيلاً، بل هي مدخلٌ لاتهام أوسع بأن “التديّن” هنا أداة سياسية، وليس التزاماً عقائدياً حقيقياً.
الكاتب يوسّع الهجوم ليشمل دونالد ترامب نفسه، معتمداً على اقتباسات وسلوكيات سابقة لتقويض صورته كحليف للقيم المسيحية. الفكرة ليست إثبات أنه غير متدين فقط، بل إن دعمه من قبل “اليمين المسيحي” يكشف خللاً عميقاً في هذا التيار: إما سوء تقدير فادح، أو تجاهل متعمّد للتناقضات الأخلاقية.
الجزء الأكثر حدة في النص هو استخدام المقارنات التاريخية، مثل الإشارة إلى مارتن لوثر، للتلميح إلى احتمال “انشقاق” ديني جديد. هذه ليست نبوءة بقدر ما هي تحذير ساخر: عندما تتزاوج السياسة الشعبوية مع الدين، قد تنتهي بإعادة تشكيله وفق مصالحها.



المعركة على لقب أسوأ تابع لترامب تبدو محتدِمة للغاية. لكنْ في النهاية، أليس الأمر دائماً من نصيب جاي دي فانس؟ قد تقول ستيفن ميلر، (نائب كبير موظفي البيت الأبيض للسياسات، ومستشار الأمن الداخلي)، لكنّ ميلر خفيّ أكثر من أن يُعدّ تابعاً علنياً ضمن بلاط الرئيس الأميركي المليء بالغرائبيين. من الواضح أن ستيفن يُعتبر مخيفاً إلى درجة أن الإدارة تُبقيه بعيداً عن الأنظار. إذا دخلت المتجر، فميلر هو ذلك الشيء الذي يُشار إليه همساً من قبل البائع المتزلف: “لدينا شيءٌ في الخلف – خارج السجلات، إنّ صح التعبير – إذا كان السيد يبحث عن شيء أكثر… تخصصاً.“
أما فانس؟ فهو يلاحقنا كما لو كان الطاعون الحادي عشر – طاعون الظهور الإعلامي. في الموسم القادم من ساوث بارك، آمل أن يمنح المبدعون شخصية نائب الرئيس الكاريكاتورية البشعة قبعة بابوية ليرتديها. ففي النهاية، لدينا رجل لم يُنشر كتابه بعد عن رحلته نحو الكاثوليكية. هذا الكتاب لا يزال في أحشاء دار نشر هاربر كولينز، بانتظار خروجه في يونيو – ومع ذلك، ففانس يقدّم بالفعل نصائح عقائدية مهدِّدة للبابا، كجزء من تداعيات متعددة الجبهات لعملية “صفعة الوجه الملحمية.”
هذا الأسبوع، قال نائب الرئيس فعلاً في مؤتمر لأنصار “MAGAماغا”(مختصر لـعبارة Make America Great Again)، قال : “أعتقد أنه من المهم جداً أن يكون البابا حذراً عندما يتحدث عن مسائل اللاهوت.” يا للهول يا فانس – إنه نائب المسيح على الأرض وفق عقيدتك! هل شكرتَه ولو مرة؟ أظن أنه، من بعض النواحي، كان البابا لاوون محظوظاً في هذا اللقاء. ففي العام الماضي، التقى سلفه البابا فرنسيس بفانس، وتوفي بعد ساعات.

تاريخياً، كانت هناك طرق عديدة للتعبير عن رفض قيادة الفاتيكان. فقد قام مارتن لوثر بتعليق أطروحاته الـ95 على باب كنيسة؛ بينما نشر ترامب أطروحاته على منصة تروث سوشيال بعد أن أغضبه التلفاز مجدداً. وربما يتبيّن أن فانس من أولئك الكاثوليك الانفصاليين مثل ميل غيبسون، الذين يرفضون سلطة أي نسخة من الكاثوليكية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، وبالتالي لم يعترفوا بأي بابا منذ عام 1963. (عملياً، بنى ميل مجمعاً كنسياً خاصاً في تلال ماليبو بأصول تبلغ 42 مليون دولار وجماعة من 70 عائلة – نسبة مذهلة – ثم وبّخهم لاحقاً عندما لم يتقبلوا انهيار زواجه الذي دام 28 عاماً وعلاقته الجديدة.)
أما بالنسبة لبقية أتباع الكرسي الرسولي، فيُطلب منا أن نعتقد أن هذه أوقات عصيبة لكاثوليك “ماغا”. لكن للأسف، يصعب التعاطف كثيراً مع من يبدو أنهم جسّدوا المقولة القديمة: “اليمين المسيحي ليس هذا ولا ذاك”. تخيّل أن تسيء الفهم إلى هذا الحد فتعتقد حقاً بمواقف معادية للإجهاض لدى رجل قال يوماً إن “كل مهبل هو لغم محتمل”. وقد أوضح ترامب، بشكل لا يُنسى، أن تجنب الأمراض المنقولة جنسياً في مانهاتن التسعينيات كان “فيتنامي الشخصية… أشعر كأنني جندي شجاع جداً”.
ربما متأخراً، بدأ بعض كاثوليك “ماغا” يشككون في الإيمان الذي وضعوه في هاوية أخلاقية شاسعة يمكن رؤيتها من الفضاء – بل من السماء. وقد دفع الهجوم على البابا، إلى جانب نشر ترامب صورة له بالذكاء الاصطناعي على هيئة المسيح، البعض للتساؤل عن طبيعة إيمان ترامب. وقال أحد المؤمنين الذي بدأ يشك لصحيفة التايمز: “لست متأكداً تماماً ما هو هذا الإيمان. أفهم أن ترامب نشأ بروتستانتياً تقليدياً، لكنه لا يواظب على الكنيسة. ويبدو أن فهمه للكتاب المقدس محدود جداً.” حقاً؟

بطبيعة الحال، فإن أي تساؤل حول صدقيته الدينية لن يزعج الرئيس. فإذا وُجدت حياة بعد الموت، فإن أفضل رهان له لتجنب اللعنة الأبدية هو أن يكون مزعجاً إلى درجة تجعل الشيطان نفسه يرفض قضاء خمس دقائق معه، فضلاً عن الأبدية. أو ربما يرى ترامب في الجحيم فرصة عقارية غير مستغلة لإنشاء “ريفييرا ستيجية”. “في الواقع: الجو حار وجميل هناك، لديهم مناخ رائع، لكنهم أغبياء جداً لتطويره.“
في الوقت الراهن، ربما نعيش الظروف المثالية لانفصال أميركي عن روما. فعندما أطلق الإنجليز الإصلاح الديني، كانوا يحكمون من قبل ملك نرجسي مريض نفسياً، ألقى بكل شيء عندما رفضت روما تلبية هوسه. وكان أيضاً ميالاً للفساد، ويرى كل سياسة من زاوية مكسبه الشخصي. لا أدري… هناك شيء مألوف، لكن لا أستطيع تحديده.
ومع ذلك، من السمات المميزة لعصر ترامب ذلك الشعور المستمر بأننا قد ننظر إليه لاحقاً من وضع أسوأ ونسأل أنفسنا: هل كانت هناك إشارات تحذيرية؟ لا، لا شيء على الإطلاق. أعني، نائب الرئيس يلمّح للبابا بأن الفاتيكان مكان جميل وقد يكون من المؤسف أن يحدث له شيء؛ والرئيس يعاني من عقدة الألوهية وينشر صوراً لتوضيح ذلك؛ ووزير الدفاع يملأ آذانك باقتباسات دينية يتبين أنها من فيلم بالب فيكشن، ولديه وشوم عن الحملات الصليبية. لكن نعم – جاء كل ذلك من العدم. من كان ليتوقع؟.





