تحقيق

زيد الحلي يعلّم “زملاء المهنة” درساً جديداً في “حقوق الملكية” و “التوثيق”!!

        لزميلنا الصحافي العريق زيد الحلّي “عَتَبٌ”، لم يبارح ذاكرتَهُ، بلْ لم يَنْسَه قطُّ، وهو عتبٌ يجدِّدُ نفسَه سنةً فسنةً، ولا إخالُ هذا العتبَ “العَتيبَ”، إلا أنّه يكبُر مع كرِّ مسبحة السنين، حتى بلغَ قمة كهولته، إذ صار “عمُرُه 56 عاماً” بحسب تعبير الحلّي في مقالٍ أثار فيهِ أشجان عتبهِ، فاستفزَّ بذلك أشجاننا!.        

       جوهرُ هذا العتَب، ومادَّتُهُ “فكرة” فيلم “المسألة الكبرى”، المعروف لجميع العراقيين، بمعالجته سينمائياً لأحداث “ثورة العشرين” العراقية الشعبية، ضد الاحتلال الانكليزي. كانَ الحلي أوّلَ من أطلق تلك الفكرة في عدد صحيفة “الحرية” ذي الرقم “2129”، الصادر في الثلاثين من حزيران سنة 1969.

     وتنشر “برقية” وثيقة “دامغة”، استحصلتها من أرشيف الأستاذ زيد الحلّي، الذي أكّد في مقالٍ كتبه بهذا الشأن، ونشرته صحيفة “الصباح”، البغدادية، ونعيد نشره بنصّه، أكد قوله: إنّ “التاريخ لا يغفل الحقيقة طويلاً. فالوثيقة موجودة لديّ حتى اللحظة، وأنا ما زلتُ أحتكم إليها، لا تظلّمًا، بل توثيقًا، وعبرة أضعها أمام الناس، ولعل التاريخ، في نهاية المطاف، يُنصف أهله“.

      لا أحدَ يُنكرُ أنَّ “الفكرة، المثمرة”، تصنع الأمل، وتُلهمُ التقدم، وهي من دون شك أحدُ أهم أركان “الحراك المجتمعي” باتجاه حياة أفضل، ومن دون الأفكار، لا يمكن أنْ ننجح في شيء أو نحقق تطوراً ذا أهمية.  وقد تصل أهمية الفكرة الى مستوى معالجة مشكلة، أو تفكيك أزمة، أو تقديم ابتكار، يكون بديلاً لحالة قديمة متعسرة!. ولا شك في أنّ الأفكار الجديدة، تتحوّل مع الزمن إلى “عطاءٍ” ذي محتوى اجتماعي!.  

     ويمكن القول بيُسر، إنّ فلسفة الفكرة، أو لنقل أهميتها الاستراتجية، أنّها تفتحُ أفقاً لم نكن نعرفه من قبلُ، باستحداث حافزٍ جديد، باتجاه التغيير، أو التشجيع على خلقِ “محرّك” للتقدم، كما هي فكرة الأستاذ الحلي، التي أخذوها من قلمه في صحيفته “الحرية”، ومن لسانه في اجتماع رسميّ، فحوّلوها إلى “فيلم روائي” بمشاركة فنانين عالميين، إلا أنّهم تغافلوا حقَّ زميلنا تماماً، فصار من تمامِ حقِّهِ أنْ يفكّر بصوتٍ عالٍ، مثلما أضحى من واجبنا أنْ نسجّل له ذلك “الحق”، وأنْ ندعوَ الجهات المعنية الى الاعتراف به رسمياً.

     إنّ الزميل الحلّي لا يطالبُ أحداً بحقوق مادية، ولا تدفعه نزعةُ “ثأرٍ قديم” إلى اقتياد “ناكري حقّهِ” إلى القضاء، أو إلى “اجتثاثهم” من مناصبهم” إنْ كانوا فيها..إنّ كلَّ ما يسعى إليه في عتبِهِ، أولاً أنْ تبقى رئتاه تتنفسّان في فضاءِ “حريّة الكتابة”، وثانياً ليذكّر جميع المعنيين، بأهمية إصدار قانون خاص ينظّم “الملكيات الفكرية”، التي صار لها شأن كبير في عالمنا. وثالثاً: لكي يسجّل الحلّي لتاريخ البلد، وتاريخه الشخصي، أنّه (وبالوثائق) المحفوظة في دار الكتب، صاحب فكرة إنتاج فيلم عن ثورة العشرين، وأنّ “المسألة الكبرى” الذي عُرف أيضاً باسم “صِدام الولاءات” Clash of Loyalties، تطبيق عمليٌّ لفكرته، لكنَّ أحداً –لا من قبلُ ولا من بعدُ- ذكرَ له “حقّه” في ذلك.

     ونسجِّل “هنا في برقية”، اعترافاً صحفياً بهذا “الحق المبين”، داعين نقابة الصحفيين العراقيين، إلى تولّي أمرَ مفاتحةِ الجهات المعنية، وبالتحديد دائرة السينما والمسرح، لمنح الزميل زيد الحلي شهادة اعتراف بأولوية “فكرته الخلّاقة” التي وثّقها صحافياً، ومعلوماتياً بما آلت إليه الفكرة من اهتمام رسمي، واجتماع وزير الثقافة حينئذٍ الدكتور عبد الله سلوم السامرائي، والمؤرخ عبد الرزاق الحسني، والمعنيين بتاريخ ثورة العشرين، ومنهم أحفاد لرجالات الثورة، ومن ثم تحوّل الفكرة الى فيلم يُنتَج سنة 1983.               

        في العراق -كما اعتدنا وعشنا حتى بلغنا من العمر عتيا- يسهُلُ جداً ضياع (الحقوق) بشقّيها المادي والمعنوي، بل تصبح المطالبة بحقوق الملكية الفكرية، برأي “اللاأباليين” نمطاً من التعبير المثالي عن التمسك بمثلِ هذه الحقوق، إنْ لم تصل مبالغة “سفهاء الرأي” إلى وصف المطالبة بها، على أنه (بطرٌ) أو (نازوكية زائدة) أو غير ذلك من بئيس الأوصاف!.

       أقول لزميلي وأستاذي زيد الحلي: أنت برقيّ نازوكيتك الفعليّة، أخلاقاً، واجتهاداً صحافياً علَّمتنا الكثير، مما هو في سياق جهدك المهني، الجميل، المتواثب، لنحو ستين سنةٍ من مديد عمرك إنْ شاء الله. إن استمراريتك مذهلة، وتنوّعَ فعالياتك الكتابية، يحرّضنا دائماً على متابعة أدائك، أما توثيقك لكل شيءٍ من القصاصة إلى الصورة ، فهو ما كان موضع إعجاب قرّائك وزملائك، وتلاميذك!.

        إن التمسك لستة وخمسين عاماً بوثيقة “فكرتك” لتخليد ثورة العشرين بفيلم روائي، يعلّمنا أيضاً درساً جديداً على أنّ “الملكية الفكرية” ربما فاقت قيمتها سبائك الذهب التي تُذهب ببصائر الكثيرين من عبدةِ المال، فيما تحرص أنت بكامل هندامك الصحافي النادر على انتزاع اعتراف رسمي بحقوقك في فكرة لم يسبقك غيرك إليها. دُم بجمال تأملاتك المهنية الرفيعة، واسلم لواء من ألوية الصحافة العراقية العريقة.

مقالات ذات صلة