رواية خُلوة النقص لعالية ممدوح..”حكاية البقاء”..




تطرح رواية ” خُلوة النقص” الصادرة عن دار الآداب للنشر والتوزيع – بيروت – 2026 الصور الباهتة بالأسود والأبيض سؤالاً ليس في المقدور الإجابة عنه: هل حقاً في إمكان الصورة أن تكون ضرباً من تعويض الخسائر؟ (حسنُا ايُّها الرفاق ، أريد أقتل احداً اليوم.
أحسنت !
ولكن لمِ اليوم بالذات ؟
هاي! هاي! إني ذاهبٌ في إجازةٍ غدًا ، إجازةٍ طويلة” ص21)٠
ليس ثمة دليل صوري، جامع ، يأخذ بأنظارنا في عالم اليوم ، كي يشير إلى كيفية تمعننا فيما هو معياري وقيمي( أرى العنف يمرّ ليلًا ، فينال من الوالدة. ويجتاز الوالد، ويختلط بنا فيجيء على أشجار الحديقة القصيرة الأرجل فيغرقها ويقطعها ص 23).
عالية ممدوح في روايتها ” خُلوة النقص” حاضر لم يتوقعه الجميع، لا ذكريات الماضي القريب، لا حوارات البغداديين فيما بينهم، لا أحداث تجاربهم اليومية السابقة، لا نبوءات الجدات في حكاياتهن، ( ركبت تلك العربة الكبيرة الرابضة في موقفها في حيّ الصالحية في جانب الكرخ من مدينة بغداد، ثم دخلت جنازتها٠ كانت مركبة – نيرن- عابرة الصحراء ، والتي شغلنا نحن أيضًا احد كراسيها منذ سنين غابرة ص١٧)٠

ماذا على الذات الجمالية أن تفعل في مواجهة عالم يضج بالتعارض، والتنافسية، والارتياب، والفزع، حاضر مسكون بالرغبة، تتلاشى فيه متلازمات قيمة ذات معنى؟ ماذا على الكاتبة أن تفعل سوى أن تغادره، متخيلة عنه،( ” الموت على سبيل المثال يمكن أن يجمع بين علومٍ ومعارفَ وفنونٍ مختلفة، يمكن أن يسهم كلٌّ منها في فهم أبعاده المختلفة على نحوٍ أفضل٠ وكذا الشأن في الحبّ، أو الحرب، أو الهجرة، أو المنفى” ص٤٣)٠
سعت عالية ممدوح إلى أن تنأى بنفسها عن الوصول إلى حافات أبعد، إلى مجال لا تتبين فيه حدود العلاقة بين الواقعي والوهمي٠ غيابها في النص الروائي يعني غياباً للندرة وحضوراً للاستعارة المكررة ( والحزن التامّ بعدما ازحت جميع الأشياء من أمامي ومن خلفي لكي أُخلِيَ جميع الأمكنة والمساحات والفراغات له، لكيلا أتغلَّب عليه فينصاع إليَّ فربّما يقرضني أحزان أهلي جميعًا ص 63)٠
هل حقًاً أننا نحيا في عصر يرفل بإمتيازات الموت؟ أم أننا تحت وطأة إيديولوجيا لا تحفل بوعود إنسانية وغايات كبرى قدر احتفائها بــ “يوتوبيا” تؤسس لصورة روائية صورتها عالية ممدوح ( كنت أرقب سحنات الأطبَّاء وقسمات وجوه الممرّضات، لغات أجسادهنّ وحركات أيديهنَّ وشفاههنَّ تحاول إخباري ببعض ما يسمح برعايتها ص 99)٠
وبقدر ما طرحت الروائية فكرتها على شكل تساؤل، فإن سؤالها النقدي للموروث الثقافي العربي متأسس على أنقاض وعي خرافيّ ظلّ يُموقع توالي الأحداث في زمن ثابت ، ويؤوِّل مضامينها تبعَّا لوعي أسطوريّ بالحياة( ” ما رأيك يا جعفر أن نبدأ تحرير القدس الأسبوع القادم“
ويهدأ صوته وهو يبوح بالسرّ:
” هل تعرفين ما ألذَّ شيءٍ الآن؟ إنّ ألذَّ شيءٍ هو الموت” ص 117)٠

قلة الهواء والمرضُ هما التعبيران الأكثر وضوحًا عن التهميش٠ يتم تقديمُهما من خلال الشكل السردي الآتي:( نعم أخبرت الطبيبة، أنّ جدَّتي رحلت بسبب الهواء القليل، الناقص والفاسد، فكانت تنتظر الهواء القادم من اللَّه ص124)٠
الموتُ والعزلةُ هما أيضاً، من نصيب رواية ” خُلوة النقص” (تأملات في عين ذهبية) التي جعلها تبحث عن قلم يكتب، في نفس الوقت إلى تفاقُم وعيها ( “سوف أمسك يومًا ما بالقلم وبغمسه في المداد الأحمر وينتهي من جميع هذه الأرقام وبذلك يصير مجموعنا واضحًا، إلاَّ أنَّ ذلك لن يكون كافيًا” ص189)٠





