(3) نقش في الحجر: حكايات الموسيقى والناس في زمن آخر..








وكان من الطبيعي وأنا عضو في الجمعية أنْ أكون من روادها الدائمين، أصطحب زملاء وأصدقاء لتمضية سهرة، أو حضور ندوة أو محاضرة مساءً، على قلتها، لكن نشاطات أخرى تنظمها الجمعية في النهار عن الموسيقى وتعلم العزف على الآلات، تبقى تستحق المتابعة. وفي كل الأحوال، كنت أمارس دور الصياد أثناء وجودي، أستقي الأخبار وأجري المقابلات التي انشرها في زاوية (نادي الموسيقى) وصفحات أخرى بالمجلة أو صحف أخرى عملت فيها.

وفي الجمعية، كنت ألتقي بمطربين وملحنين وعازفين أعضاء في الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية والفرق المحلية للموسيقى الغربية التي تسمى (الباند الغربي).. إلهام المدفعي ورياض كيلدر وهرانت كتنجميان وآرمين بدروسيان وكريكور أشوط وغيرهم ، مدشناً صداقات طويلة بدأت مع إلهام الذي قصدته ذات مساء في فندق (صحارى) مطلع السبعينات ونشرت المقابلة في المجلة.

وفي (عهد) فاروق هلال، وبمبادرة مني وبالتنسيق معه وإدارة الجمعية والمجلة أقمنا أول مهرجان من نوعه في العراق، يجمع تلك الفرق (الباندات). قدمت كل فرقة خلاله أغنية غربية شائعة أمام جمهور تقاطر الى مبنى الجمعية منذ حلول العصر في يوم صيفي معتدل. احتل شبّانٌ من الجنسين حديقة الجمعية وسطحها وبعض السطوح المجاورة المطلة على المسرح.

كان تصفيقهم وهتافاتهم تعبيراً عن تفاعل لافت مع أداء الفرق التي منحتهم المجلة هدية رمزية، أسطوانة من الحجم الكبير.. اخترتُها بنفسي من محلات (جاقماقجي) و(أوروزدي باك). قدمها لهم زهير الدجيلي رئيس التحرير. قد تكون بسيطة، لكنها كبيرة في معناها أمام حدث شهده جمهور محب لكل أنواع الموسيقى التي كانت بغداد زمنذاك حاضنة لها وتفتح أذرعها لعالم ينتج هذه الألوان من الفنون عبر برامج ومهرجانات ضخمة مثل (مهرجان بابل الدولي) الذي أسسه منير بشير.

وبينما أنا أتابع الفقرات في زاوية من حديقة الجمعية، كانت عريفة الحفل الزميلة مريم السناطي، غاية في التألق وهي تقدم الفقرات، وتتلو الأسماء لتوزيع الجوائز.. ومن ثم، كتابة تقريرها على صفحات مجلة (الاذاعة والتلفزيون) التي كانت محررة فيها في تلك المدة، عن أمسية لا اظنها تكررت بعد ذلك اليوم السبعيني المشهود.. وكان مما كتبته ما معناه (واقولها بخجل شديد) إنّ الحفل أثبت كون زميلنا رياض شابا يتمتع بشعبية واضحة بين جمهور يقدر بالمئات.

وهو حضور توقعته أنا شخصياً من خلال عشرات الرسائل التي كانت ترد لـ(نادي الموسيقى) أسبوعياً، من قراء كنت أسميهم (أصدقاء النادي)، حرصوا على متابعة حدثٍ مهَّدتُ له منذ شهور، وتطلعتُ، الى جعل ذلك الحلم حقيقة، آزرني في جعله واقعاً كل من فاروق هلال صاحب المبادرات، مكتشف الطاقات الشابة وراعيها، والأستاذ زهير الدجيلي المتحمس الداعم لنشر كل ما هو جميل ومفيد من برامج مماثلة.

ولا تفوتني وأنا أكتب عن تلك الحقبة، الإشارة في والوقتِ نفسه الى لقاءاتي المثمرة مع مؤلفي الأغاني، ومن بينهم واحد كان الأقرب الى فاروق هلال أيامها، وهو سعدون الهلالي الذي كان مذيعاً معروفاً أيضاً. ربطتني به صداقة قوية تجعله يقصد مقر جريدة (النور) البغدادية يوميا تقريباً، بعد انتهاء دوامه في قسم الإعلام بامانة بغداد الذي كان يترأسه الفنان الكبير فخري الزبيدي. وكان القسم يشغل مبنى المتحف البغدادي قبالة عمارة الرصافي. يتناول (أبا أسيل) شاياً ساخناً أو قنينة كولا معنا، عباس البدري، نصير النهر، حسام الصفار، هاشم صاحب وأنا.

وأما الجريدة فكانت في مبنى قديم من مباني محلة جديد حسن باشا، أقامت فيه (المنار) الأسبوعي لعبد العزيز بركات مدة قبل احتجابها بُعَيدَ الثلاثين من تموز 1968. كنت خلالها أعمل محرراً مع الصحفي البارع والمدهش الأستاذ عبدالله خياط، مدير التحرير الذي تعلمت منه الكثير، وهو نفسه تولى إدارة تحرير (النور) لمدة قصيرة قبل أن يترك العمل، ونشهد نهايته المأساوية باعتقاله وتغييبه. وكان ينصحني بتوطيد علاقاتي مع شخصيات مثل فاروق وسعدون وغيرهما، كونهم مصادر مهمة للصحفي في مجالاتهم.

كان سعدون الهلالي يحدثني عن مشاريعه مع (أبو فؤاد) فاروق، وكنت أواكب جديدهما، وأكتب عنه. وصرت على سبيل المثال (شاهداً على ظهور اغنية (يا عيني على رقة حبيبي).. أدندن بالأغنية كلما جمعنا لقاء، ثم نضحك سعداء، ابتهاجا بعملهما المشترك الجميل الذي أحسستُ أنني (شريك) فيه أيضاً.. شراكة امتدت في أجواء من المحبة والصراحة والوفاء. وقد احتفينا بالعمل الجديد عندما أقام الهلالي سهرة جميلة في بيته حضرها كذلك عباس البدري وكريكور ومطرب شاب جديد تبناه فاروق، يلازمه مثل ظله اسمه عبد الأمير محمد، يطغي على اعماله اللون الريفي.

وكان فاروق متشعب الصداقات، حتى مع أشخاص لا علاقة لهم بأوساطنا. أحدهم محسن (الخفاجي على الأرجح)، يدير ورشة لصباغة السيارات في شارع الشيخ عمر، ينصحنا فاروق بالذهاب اليه من دون أي تردّد. وهذا ما فعلته مرات عندما صرت أملك (موسكوفيتش) زرقاء موديل 1969، فأحصل على تخفيضات في التكاليف.. .. وكل ذلك إكراما لعيون فاروق.
وإذا كان كريكور قد أدّى أغنيات غربية على غيتاره في بيت سعدون، فإنَّ السهرة التي أقامها فاروق وأطربنا خلالها بصوته مع العود حتى ساعة متأخرة من الليل، شكَّلت بالنسبة لي هدية مميزة، بنكهة سحرية أعادتني الى أيام الجامعة، عندما اكتشفتُ، كم هو قريب ذلك البيت العتيق لمضيفنا.. قُرْبُه ذكّرني بذلك الماضي الذي غادرني قبل سنوات قليلة وجعلني أستعيد صرير عجلات القطار الطاعن في السن، العابر فوق جسر الصرافية الحديدي، مطلقاً صافرة تملأ فضاء الكلية وتلك المنطقة العريقة ببيوتاتها وأهلها.. وكأنها إشعارٌ آتٍ من الزمن، أنَّ الحياة تمضي وإنْ كان مضيُّها بصورة بطيئة.

حياة أرادها فاروق هلال ملأى بأزاهير الموسيقى والنغم، على طريق سلكهُ في سن مبكرة من عمره، لكنه لم يخلُ من أشواك، حاول تخطّيها، فبذل جهدهُ حدّ التعرق، كي يسعد جمهوره بما يحقق أحلامه ويرضي إنسانيته.
صادفتُهُ ذات مساء واقفاً أمام باب الجمعية وأنا أهمُّ بالدخول، وبدلاً من أنْ ألقي عليه التحية رحت أترنم (كابوتشي.. كابوتشي .. كابوتشي)، مستعيرا نغمة (الولد.. الولد.. الولد)، الأغنية القائمة على لحن عراقي قديم والتي شاعت بصوت سيتا أكوبيان في تلك الفترة!
لمحت بريقاً في عينيه اللتين تجمعت فيهما دمعتان تعبّران عن كبير المعاني، قبل أنْ يضحك ملءَ شدقيه، ثم يقول: (خوش طلعه).

وقد تلقف فاروق معنى تصرفي ذاك، مدركاً أنني أسأله (بطريقتي) عن مشروع أغنية كان بصدد إنجازها عن محنة هيلاريون كابوتشي مطران القدس المعتقل في 18 آب 1974، ومات منفيَّاً في روما كانون الثاني 2017.
ولا أتذكر الآن وبعد كل هذه السنوات ما فعله فاروق في هذا الشأن.
لكنني أبقى أتذكر، أنني والعراقيون، عشنا تفاصيل كثيرة في سبعينات سعيدة نسترجعها اليوم بطعم الحسرة والخيبة والمرارة. وعلى امتداد العقد ذاك بقيت أواكب ما تشهده الساحة الموسيقية من برامج ونشاطات بمعنى التحوّل، لصيقاً بها بقدر ما أتيح لي من وقت وفرص. وكان لفاروق هلال نصيب كبير منها. أحداث كثيرة، صغيرة وكبيرة. تتخللها أحاديث وذكريات عن أرض ما بين النهرين وتضاريسها المدهشة، بلداتها ومدنها وفي مقدمتها بصرة البحر والنفط والشناشيل.






