(4) نقش في الحجر: التقطتُ كلمتين بصوته الواهن: (وداعاً بغداد).. هل سيتخلّى عنه الوطن؟






ثمّة حدثان مهمّان لكلٍّ منهما مفهومه ودلالاته، أجد من الضروري استرجاعهما في خواطري هذه، لصلتهما المباشرة بفاروق هلال. أولهما إشرافه على مهرجان الأغنية الشبابية العربية وتنظيمه وإدارة فعالياته، وأغلب الظن أنه كان الأول من نوعه الذي احتضنته بغداد في أواسط السبعينات أو نهايتها، وشارك فيه العشرات من المغنيات والمغنين الشباب من مشرق العالم العربي ومغربه.
والثاني ترؤسه للفريق الفني والموسيقي المشارك ضمن الوفد العراقي الى المهرجان العالمي للطلبة والشباب بالعاصمة الكوبية هافانا (27 تموز _ 3 آب 1978) . وضم عدداً من الفنانات والفنانين غالبيتهم من الشبان، ساهم فاروق في اختيارهم، وكان عضوا الجمعية جميل جرجيس وهرانت كتنجميان، ضمن الوفد الذي انتظرته مفاجآت مازالت صورها حية في ذاكرتي.
ما إنْ حلّقت بنا الطائرة فوق المياه الزرقاء للمتوسط وصرنا في سماء الأطلسي وبلغنا أجواء (برمودا)، حتى دبّت الرعشة في أوصال الفتيات مع كل رعشة تداهم جسم الطائرة العملاقة وجناحيها، لكنّ صوتاً لمطرب عراقي هاوٍ، بثّ الطمأنينة في النفوس الخائفة، بـ(هلّوا واحنا نهل)، أغنية فاضل عواد الأثيرة، التي أجرى بروفة إضافية عليها قبل أنْ يؤديها هناك وسط شباب العالم عندما نحط الرحال في الجزيرة الكوبية النضِرة الساحرة.

ثم ينطلق صوت هرانت كتنجميان بـ (باي.. باي.. باي) الأغنية الأرمنية المشهورة، التي يردّدها في كل مطار شملته رحلتنا الطويلة ابتداءً من بغداد وانتهاءً بهافانا مروراً بمدريد أو لندن، وسط تصفيق المشاركين واندماجهم، رغم أنَّ لا أحد يفهم الأرمنية سوى هرانت. لكنها تصبح بعد زمن ليس بالطويل، معروفة واسعة الانتشار بعد أنْ يحولها (مرسوم جمهوري) الى (غالي.. ريسنا غالي)، وتقدم بكل لغات سكان البلاد لزمن يتذكره الكثيرون.
وفي مهرجان هافانا أيضاً، تؤدي الفرقة العراقية (غلط.. غلط) الأغنية التي لحنها فاروق وتدور فكرتها حول نظرة العالم الرأسمالي إلى البلدان النامية المنتجة للذهب الأسود، والتي “لا يهمُّها الا مصلحتها في ثروتها” فقط:
(اذن لماذا تدَّعون أننا.. شعوب العالم الثالث همنا.. زيادة النفط والربح فقط.. غلط غلط غلط).
وأتمنى أنني وبعد كل هذه السنوات التي تقرب من نصف قرن، أكون اقتربت من الكلمات بشكل مطابق سليم، لأغنية أحبها الكوبيون وغيرهم من شباب العالم.. وصاروا يهتفون بإعادتها مرات.. فما إنْ يبدا العراقيون بالغناء، حتى ترى الجمهور يصيح: (غلط.. غلط..) طالباً تكرارها.

بعد نحو عامين من هذه الأحداث، أصبح العراق عراقاً آخر. إنه العام 1980، وفيه التهبت نيران الحرب مع إيران. بدا ايقاع الحياة يتغيّر، كذلك الاهتمامات والهموم والأحلام والانشغالات. طغى دويّ المدافع على صوت الموسيقى وهدأة النفوس.

صارت الجمعية ولياليها ونهاراتها شيئا من ماضٍ لن يعود. (تكيَّفَ) كل شيء مع الوضع الراهن، وذهب الكل ليداري أيامه وجراحاته، بمن فيهم (عمو جوري). الرجل الستيني أو أكثر بقليل، الذي يرتدي بدلة زرقاء داكنة، وربطة عنق لا يستبدلهما. يضع نظارة طبية فوق عينيه الغائرتين في أعلى وجه يغمره الإحمرار، دلالة على الحيوية والبساطة والطيبة. لا أعرف ماذا كان يفعل في الجمعية تماماً، أكان ساعياً أم بواباً؟ حارساً أم شخصاً ذا شأن سابق؟ لم أتكلم عن ذلك يوماً، ولم أعرف، أو لربما عرفت ونسيت. لكنَّ ما أعرفه يقيناً أنه كان بمثابة ملح سهرات الجمعية. يجزل بعض الكرماء له العطاء كل ليلة. وما إنْ يجمع (المقسوم) ويتناول كأساً، حتى يبدأ بأداء ( بستات) تصحبها رقصاتٌ و(صفكَاتٌ) بطعم الجنوب والشمال، وإلقاء نكاتٍ بيضاً بلون شعره والراح الذي يشربه!.

بعد سنوات سألت أحدهم الذي لم أعد أتذكره عن (عمو جوري)، قال لي بالنصّ: (فصّ ملح وذاب)!!.. وذاب عنت لي أشياء كثيرة وقتها.
حتى فاروق نفسه، لم أعد ألتقيه، ولا سعدون الهلالي وكثيرين غيرهما. نتهاتف أحياناً وبشأن يخص الأخبار غالباً.. (أخبار فقط..بلا غلط). أخبار لا تسرّ. تحكي عن دمار وجبهات و(صور من المعركة) وصواريخ وأموات كثيرين.
نعم.. تبدَّلَ المزاج يا (جماعة). كنا بخير ولم نعد كذلك .وفي الوقت الحاضر، لم يعد كل ذلك أمراً ذا أهمية. ما أعرفه أنّني وبعد قطيعتي مع الصحافة في العام 1990، انقطعت معها علاقتي بمعظم العاملين في الأوساط التي انتميت إليها لما يزيد عن خمسة عشر عاماً.

وبعد عودتي إليها ومن ثم هجرتي، حاولت (العثور) على فاروق والاتصال به خصوصاً بعد ما نشرتُهُ من موضوعات أستذكر فيها أيام الجمعية، لكنني لم أفلح. رغم أنني سعدت كثيراً عندما عرفت أنه عاد الى بغداد، المدينة التي شهدت بداية تعارفنا وآخر لقاء بيننا أيضاً. كان ذلك خلال حفلٍ بعيد مجلة (فنون) عندما كان كامل الشرقي رئيساً للتحرير، قدم فيه سعدون جابر مجموعة من أغنياته. ولا أتذكر السنة بالتحديد، لكنني أتذكر أننا تعانقنا بحرارة.. ويبدو أنه كان عناقا ذا معنى.

وها أنا بعد كل هذه السنين أُلملمُ شتات ذاكرتي للحديث عنه، متسقّطا أي خبر أو إشارة. وقبل شهور عديدة قرأت شيئاً عن مشروع يتبنّى فيه صوتا نسوياً جديداً من العناصر الشابة، وتلك (صَنْعَة) فاروق التي يتقنها جيداً، لكنني لم أطلع على أي تطور في هذا الشأن، وبسبب وضعه الصحي على ما يبدو. آخر شيء فعلته هو الكتابة لصفحة جمعة العربي الذي اصطحبه الى القاهرة مؤخراً، لكنّني لم أتلقَّ أيَّ ردٍّ. وأنا استميحه عذراً بذلك في مثل هذه الأيام الصعبة.
وعلى صفحة العربي نفسه قرأت ما كتبه (حازم العبيدي) عن حالته التي تقتضي العلاج في ألمانيا أو فرنسا حسب نصيحة خيرة الأطباء المصريين، لكن ضيق الحال مع فاروق الذي يقتات على راتبه التقاعدي، يجعل الأمر شبه مستحيل، ما لم يتلقَّ دعماً مادياً قوياً، وهذا برأيي من مهام الدولة التي من واجبها رعاية مبدعيها الكبار في مثل هذه الظروف.

لقد أمضيتُ معظم الأيام والأسابيع القليلة الفائتة، في متابعة حزينة عبر فيديوهات وأخبار متناثرة عن تدهور حالة فاروق ثم اضطراره للعودة الى العاصمة المصرية التي أقام فيها سنوات طويلة، بهدف استكمال العلاج. وفي أحد تلك الفديوهات أيضاً، تمكنت من التقاط كلمتين بصوته الواهن وهو يهم بركوب السيارة مغادراً العراق، والكلمتان كانتا: وداعا بغداد!!





