شئ من التاريخ: ماذا جرى في لقاء نوري السعيد وايزنهاور1957




في الصورة نوري باشا السعيد يتحدث مع الرئيس ايزنهاور وهو يشير بإصبعه الأيمن ويده اليسرى داخل جيب بنطاله، ربما تكون دليل الثقة بالنفس والإصرار وعدم الاكتراث، بينما الرئيس الأمريكي يصغي باهتمام ملحوظ لكلام الباشا السعيد. وحسب ارشيف البيت الابيض فإن هذا اللقاء تم في 30 مايو-مايس 1957 أي قبل عام من انقلاب 14 تموز 1958 ومقتل نوري السعيد.
وحسبما ورد في المحضر الرسمي لهذا اللقاء، كان السعيد يسعى للحصول على دعم أمريكي للعراق ممارساً دبلوماسية “حافة الهاوية”، ويحاول اقناع ايزنهاور ان سقوطه يعني سقوط الشرق الأوسط تحت هيمنة الاتحاد السوفيتي والشيوعية. ووقتها كانت منطقة الشرق الأوسط مشتعلة بسبب العدوان الثلاثي على مصر، وكانت أمريكا تطبق “مبدأ إيزنهاور” لملء الفراغ بعد انسحاب بريطانيا وفرنسا ومواجهة النفوذ السوفيتي.
ماذا تعني سياسة “دبلوماسية حافة الهاوية”Brinkmanship؟
يُعدُّ مفهوم “دبلوماسية حافة الهاوية” من أبرز أدوات السياسة الخارجية الأميركية، منذ الحرب الباردة، ويقوم على دفع الخصم إلى حافة الصدام دون تجاوزها فعلياً، لإجباره على تقديم تنازلات وفي الحالة الراهنة لمنطقة الخليج العربي يبدو أن واشنطن تستخدم هذه السياسة وهذا الأسلوب من أجل إجبار طهران على العودة إلى مائدة التفاوض بشروط جديدة. ونستطيع القول إنّ دبلوماسية حافة الهاوية هي أسلوب تفاوض يعتمد على دفع الخصم إلى حافة الصراع أو الأزمة، مع التهديد بالتصعيد، لإجباره على تقديم تنازلات دون الوصول فعلياً إلى الحرب أو الانهيار. هذا الأسلوب خطير لأنه يقوم على المخاطرة العالية، لكنه قد يحقق مكاسب كبيرة إذا كان الطرف الآخر يخشى العواقب أكثر من صاحب التهديد.

وماذا يعني مبدأ أيزنهاور لملء الفراغ؟
هذا المبدأ أعلنه الرئيس أيزنهاور في الخامس من يناير-كانون الثاني عام 1957، ويركز على أهمية سد الفراغ السياسي الذي نتج في المنطقة العربية، بعد انسحاب بريطانيا منها وطالب الكونغرس بتفويض الادارة الامريكية بتقديم مساعدات عسكرية للدول التي تحتاج للدفاع عن امنها ضد الاخطار الشيوعية السوفيتية وهو بذلك يرمي الى عدم المواجهة الامريكية مع السوفييت ويدفع الحلفاء الى حروب بالنيابة..
ملف حلف بغداد
أبرز ملفات نوري السعيد كان وقتها (ملف حلف بغداد) وكان نوري السعيد العمود الفقري للحلف، وكانت أمريكا تدعمه لكنها لم تنضم رسميا لميثاق الحلف لكي لا تستفز العرب، وفي هذا اللقاء ناقش الباشا السعيد دعم الحلف مالياً وعسكريا. كما ناقش موضوع الخطر السوفيتي وتأثيرات الوحدة المصرية- السورية، وكان نوري السعيد يحذّر الأمريكان أن اتحاد مصر وسوريا مدفوع من الاتحاد السوفيتي وهدف ناصر هو السيطرة على العالم العربي.
دعم الأردن: العراق كان تحت ضغط أمريكي لكي يساعد الأردن مالياً بعد قطع المساعدات البريطانية والمصرية-والسورية وقد أجاب نوري السعيد “إن ورطة الأردن هي من صنعتها” وأن الملك سعود وناصر هما السبب.
التسلح: نوري طلب من بعثة ريتشاردز الأمريكية أنّ أمريكا يجب أن تركز ضربتها على موسكو وتساعد دولاً مثل العراق كي تتمكن من الدفاع عن نفسها محلياً، بدل أن تبدد قوتها في فرموزا وجنوب شرقي آسيا.

نظرة تحليلية: ماذا تعبر عنه اللقطة الفوتوغرافية؟
اللقطة المصورة تعبر عن 3 أشياء رئيسة:
- قوة شخصية نوري السعيد وثقته بنفسه:
لاحظ لغة الجسد – نوري واقف ويده في جيبه والثانية يشير فيها باصبعه وهو يتكلم بينما ايزنهاور يصغي باهتمام، وهذا يعكس سمعة نوري كسياسي مخضرم ومفاوض شرس، وكان عمره وقتها 68 سنة، وكان رجل الميدان السياسي العراقي على مدى أربعة عقود.
- العلافة المتوترة مع واشنطن، رغم التحالف، فقد كان نوري “حليفاً مخلصاً لبريطانيا”، ويلتقي مع أمريكا في المصالح، لكن الأمريكان كانوا مترددين في دعمه علنا، حتى أن نوري حذرهم من “مكافأة” من يبتز أمريكا بالتعامل مع السوفييت.
- نهاية حقبة: هذا اللقاء صار قبل سنة واحدة من ثورة 14 تموز 1958 التي أُطيح فيها بالنظام الملكي وتم قتل نوري السعيد وسحل جثته. وثائق السفارة الأمريكية ببغداد بعدها بأسابيع تذكر أنّ السفارة” لم ترَ نوري السعيد مرهقاً ومهموماً بمثل حاله اليوم، مقارنة بما كان عليه من قبل بسبب الضغط الشعبي بعد العدوان الثلاثي، والصورة توثق آخر محاولات السعيد لتثبيت نظام حكمه بدعم أمريكي قبل السقوط.
- باختصار الصورة تلخص (دبلوماسية حافة الهاوية) اي أنّ نوري كان يحاول اقناع اقوى رئيس في العالم ان العراق هو خط الدفاع الاول ضد الشيوعية وضد عبد الناصر، وان سقوط العراق يعني سقوط الشرق الاوسط كله تباعا بيد السوفييت.

المحضر الرسمي لاجتماع السعيد مع ايزنهاور:
محضر الاجتماع الرسمي من أرشيف البيت الأبيض الأمريكي، ويتضمن ابرز فقرات اللقاء الذي جرى يوم 30 مايو-مايس 1957:
- محضر اللقاء – البيت الأبيض – 30 مايو-مايس 1957
الحاضرون: الرئيس أيزنهاور، نوري السعيد، وزير الخارجية جون
فوستر دالاس، وآخرون.
افتتاح أيزنهاور
- رحب الرئيس إيزنهاور بنوري السعيد رئيس وزراء العراق وقال له:
- إن أمريكا تهدف لـ”شرق أوسط قوي ومستقر ومستقل”. وأكد أنّ أمريكا لا تبغي “امتيازات خاصة” بالمنطقة، لكنها تريد تجارة حرة متبادلة وتطوير النفط من أجل المنفعة المتبادلة.
- وأوضح سبب عدم انضمام أمريكا لحلف بغداد رسمياً: “لو انضممنا، فإن الحلف سوف يضعف، لأن هناك دولاً عربية تراه تحالفاً بريطانياً-استعمارياً”. وضرب مثالاً: “بريطانيا عضو بالحلف وعندها نزاعات مع السعودية”.
كلام نوري السعيد – النقاط التي ركز عليها:
- نوري تكلم وقال:
خطر الاتحاد المصري-السوري:
- قال إن عبدالناصر يدفعه السوفييت، وإن اتحاد مصر وسوريا
المعلن في يناير-كانون الثاني 1957 خطوة لابتلاع العالم العربي كله. وحذر من أنّ سوريا صارت “عقبة خطيرة” أمام جهود أمريكا لتوحيد المنطقة. أيزنهاور رد عليه:
- “إذا كان النظام الحالي في سوريا لا يمثل إرادة الشعب، فغالباً لن يصمد”.

مشكلة الأردن وطلب المساعدات:
- قبل أسبوع من اللقاء، أمريكا كانت تضغط على نوري من أجل أن يساعد العراقُ الأردنَ ماليًا. نوري اشتكى لأيزنهاور وقال إن العراق “لا يستطيع أن يقدم مساعدة مالية كبيرة للأردن، وعرض أقصى تنازل بأن يقترض العراق 2,5 مليون دولار من أمريكا بدون فوائد، ويقوم بتسليمها للأردن.. إلا أن الامريكان ردوا بأن “هذا غير ممكن”.
حلف بغداد والتسلح:
- نوري عرض أن تنضم أمريكا تنضم للجنة العسكرية بالحلف
على الأقل إذا كانت لا تريد عضوية كاملة.
- المسؤول الأمريكي راونتيري رد إن أمريكا تشارك بلجنة الاقتصاد ومكافحة التخريب ولها “ضابط اتصال” مع اللجنة العسكرية، لكن العضوية الكاملة فيها مشكلة.
إسرائيل وفلسطين:
- نوري كالعادة فتح ملف فلسطين وقال: “لا أمل للأردن طالما لم تحل قضية فلسطين وأن أمريكا يجب أن تضغط على إسرائيل للتسوية”.
رد أيزنهاور النهائي
- أكد ايزنهاور لنوري السعيد أن “أمريكا ستدعم الحلف سياسيا وتزود بالسلاح أي دولة تتعرض لهجوم مدعوم سوفيتياً وذلك بموجب مبدأ إيزنهاور.
- وقال لنوري إنه لو صارت فوضى بسوريا وحاولت أن تهاجم العراق بأسلحة سوفيتية، فإنّ أمريكا مستعدة لأن تتدخل.





