ثقافة

(گَلُبْ) في اللهجة البغدادية المعاصرة..

     ومن هنا يتضح أن اللهجة العامية -بخلاف ما يراهجملة من أساتذتنا اللغويين- هي العامل المهم -إن لم يكن الأساس- في تسليط الضوء على التاريخ الإجتماعي بكل ما تحمله اللهجة من معلومات ومعارف وإشارات، فضلاً عن أمثال وكنى وحكايات. فدراسة اللهجة الشعبية مهمة لمعرفة التاريخ الإجتماعي، وليست معولاً لهدم لغتنا العربية المحفوظة رواية وتدويناً.

    لقد أقبلتُ إلى الدنيا في العام 1969، وكغيري من أبناء جيلي ومن تلاهم، ما عرفنا عن حياة أهلنا الماضين أكثر مما كان ينقله أهلنا في الحاضر، فتارة يقصون علينا حكاية متوارثة من الأربعينيات أو الخمسينيات أو الستينيات، وقليل ما كانوا يقصون عن أجدادهم ما توارثوه من مواقف أو حكايات حدثت في أيام العثمانيين، أو الملوك، أو الباشا السعيد، أو وثبة الكيلاني، أو حركة الشواف، أو ما شهدوه بأنفسهم في أيام قاسم وعارف والبكر.

     فلما اشتد العود، وانفك الطوق، رحنا -نحن أبناء هذه الأجيال- نتتبع ما كُتب عن حياتنا الاجتماعية العراقية عامة والبغدادية خاصة، يدفعنا شوق عجيب، وحب عارم، ورغبة في البحث عن أصولنا وجذورنا وهويتنا، وكان من بين ما طالته أيدينا كتب المرحومِين: شيخنا جلال الحنفي (الأمثال والكلمات العامية)، الأستاذ عبود الشالجي (الكنايات)، الأستاذ عزيز جاسم الحجية (بغداديات)،  الأستاذ العميد عبد الرحمن التكريتي (الجمهرة)، ولا أنسى عشرينيات عباس بغدادي، وبغداد التي عرفها المميز، وبغداد مكية، وغيرهم.

     واستمر البحث، فمررنا بأسماء: الآلوسي، وثنيان، وعباس العزاوي، والوردي، والحسني، والعلوجي، وكوركيس عواد، ورفعت مرهون الصفار، وحسين حاتم الكرخي، وعبد الله ابراهيم المشهداني، ورفعة رؤوف البزركان، وعبد الجبار العتابي، وعبد الكريم وإبراهيم العلاف (على تفاوت زمني بينهما). والقائمة تطول.

     وكان من تأثير مطالعة كتب ومقالات هؤلاء الأفاضل أن تثار مجموعة من الأسئلة، منها: لماذا توقف البغدادبون عن إطلاق الأمثال والكنى كما كانوا في السابق؟، لماذا اقتصرت الكتابات -على الرغم من أهميتها بالطبع – على مجرد وصف بغداد القديمة من دون ذكر ما مرت به حوادث؟، أو على مجرد إعادة إنتاج تاريخها الاجتماعي أو السياسي لهذا الغرض أو ذاك؟، أو وضع حادثة ما في قفص الاتهام أو الإفراج المشروط عنها، أو الحكم ببراءتها، أو على شخصية ما بين كونها عادلة أو ظالمة؟، وهكذا.

    ما أريد الوصول إليه هو جواب على تساؤل مفاده: لم شحت الكتب المتعلقة بتدوين العامية العراقية إلا قليلا؟، بعبارة أخرى: كيف سيمكن للجيل القادم سد النقص المتعلق بمعرفة لهجتنا العامية كمدخل لمعرفة تاريخنا الاجتماعي من دون وجود كتب لهجية مهمة على غرار ما وصلنا من كتب الحنفي والشالجي مثلاً؟، وأقول هذا في وقت رحل فيه عنا الكثير من المفردات، ويشرف كثير آخر على الانقراض، وتحولت دلالات مفردات أخرى إلى غير ما كانت تعنيه، فاتسعت الفجوة، وحلت بين الأجيالالغربة.

     لا أدعي أن كتابة مثل هذه الكتب أمر سهل، كما لا أدعي أن شخصاً واحداً يمكن أن يسد هذا النقص المعجماتي لا سيما أن أغلب المؤلفين يشكون من قلة الزاد وطول المسير بما لا يحتاج إلى بيان وإيضاح لظروفنا الحالية.

    وحتى لا يكون ما أوردناه مجرد حديث يمكن لأي باحث قوله، أود أن أقرن دعواي ببذرة بسيطة كمدخل لما يمكن أن يكون مفتاحاً لمعجم كبير في لهجتنا العامية المعاصرة لعلها تجد صدى يكفل للجيل القادم فرصة معرفية زائدة يتعرفون بها إلى الحياة الاجتماعية التي عاشها أجدادهم في حقبة هي من أحرج حقب التاريخ المعاصر بلا خلاف، لعلهم يجدون حلاً لمشكلاتنا لإجتماعية، أو يمهدون الطريق لبناء جديد، عسى ولعل!.  وأبدأ مع مفردة القَلْب، أو :

    إلْگَلُبْ

    هو ارشيف العمر المتنقل، فيه الحلو والمر، ومفردة تختزن وحدها ملايين المعاني والحكايا والصور

فهو “إلْگَلُبْ” عند العراقي والخليجي، و”الأَلْب” عند أشقائنا المصريين واللبنانيين والسوريين والكثيرين غيرهم في وطننا العربي

للْگَلُبْ أنواع وأشكال، وصور وأحوال، فهناك:

گَلُبْ والدة: وتطلق على أصحاب القلوب الرحيمة تشبيهاً لهم بحنين قلب الأم الوالدة، ويقولها شبابنا تهكماً بمن تنقصه الشكيمة والعزيمة، والجرأة والإقدام.

    وگَلُبْسمجة: والسمجة هي السمكة، وتطلق على العاطفي والطيب وغير الصبور، ومن لا يحمل الشر مهما صارت الأمور

وگَلُبْارهيِّف: أي مرهف،حساس، يُجْرَح من النسمة العابرة، والذكرى المؤلمة الغابرة، عواطفه قاهرة، ودمعته حاضرة

وگَلُبْ قاسي: لا يهتم، ولا يِنْهَمّ، ولا يحس ولا يهس،بالقهر شاطر، وما يسوي خاطر

    وگَلُبْ صَخَر: مو مثل البشر،لا يحبون ولا ينحبون، بعيونهم شرر، صحبتهم ضَجَر، شوفتهم قَهَر، مليانه ضرر.

ويقولون:گَلْبَك صخر جلمود ما حن عليا، للتأكيد على القسوة والصلابة الخالية من الرحمة.. كلماتها من التراث الشعبي وغناها يوسف عمر

   وگَلُبْ اسود: يعني حقود حسود، وعدو لدود، توديله ورود، تترجى ردود، تتلقى صدود !

   وگَلُبْأبيض: متسامح كريم، طيب سليم، وإذا عندك هالگَلُبْ فأكيد إنت تعيس وتجيك التهايم وانت نايم، وتُلدغ من الجحر نفسه مو مرتين تلاثة، مئات المرات!.

    وگَلُبْمورم: أي متورم، من كثر القهر، من ضيم البشر، ولو تعزف وتر، ما ينفع كلام، لو تحجي دهر.

وگَلُبْ غافل: فارغ نظيف، عفيف خفيف: و(يا غافلين الكم الله) مثل شعبي.

   وگَلُبْ مصدوم: صاحبه مهموم، وبهمه مغموم، والعتب عليه، مالابس حزام الأمان والإشارة حمرة، وللغير خضرة، وحيموت بقهره.

    وگَلُبْناسي: من طول العذاب، والشك والعتاب، يأمل على طول، راح تنفتح باب، بس ماكو جواب، ويسألني البطران إعربلي (كانَ) حسباله مثل العام گَلبي بمكانه.

    وطلع من گَلْبي: أي خرج، للدلالة على ذهاب المحبة، ومحو المودة، ولا يبوس خدي، ولا أبوس خدَّه

وعبالك بگَلْبي: أي كأنك في قلبي، تشعر بي قبل أن أقول بلساني، وتحس بما أعاني،وبسروري وأماني

    والگْلُوبْ سواجي: أي سواقي، للدلالة على تشابه الأفكار والخواطر بينك وبين المحبوب من زوجة أو صديق أو “مدير دائرتك”!!؟

    وگَلْبييييي: تقال لإسعاد الطفل وتدليله، فإذا كبر يقال له: گَلْبي على گَلْبْ ولدي وگَلْبْ ولدي من صخر: للإشارة الى عقوق الأبن والأخ والصديق والحياة وأهل الشوارب.

    وگَلْبي وياك: أدعيلك بالتوفيق وعودة الأفراح وشربت نادر، والسلامة من الغادر ونصب الجادر.

     وگَلْبي عِلَمْني: أي توقعت ذلك، وأكثر ما يكون بتوقع الشر أما الخير فكما يقولون: حظي بكلشي أسود بس بالرگي أبيض!

وگَلْبْالرِّجّال: معدته، والطريق إليها امبلّطه بالدولمة والتبسي والباجة والكبد، والكعدة بعد الدوام بمطعم صمد!

   وشلعت گَلْبْي: قِلَعته من مكانه، وتعني: أتعبتني وأثقلت علي، وتقال: للكسول، والعنيد، والبليد، والياكل ثريد.

    ودوس على گَلْبَك: أي تجاوز آلام الماضي، وغدر الأحباب والأعادي، وكن جريئاً وقوياً، لا تلتفت الى الوراء، فلن تجد أمل ولا رجاء، ببساطة: اثنينهن اتزوجن.

    ويكسر الگَلْبْ: تقال لكل مسكين ومبتلى، وهارب من وجه سوسن ومنتهى.

    وأخذ گَلْبِي وياه: أي سلب عقلي وتفكيري، وتقولها الأمهات، والمسعدات، والمخطوبات في وقت الخطوبة قبل أن تأكل القلب الرطوبة، وتلعببهما الحياة طوبه!

     وهسة ارتاح گَلْبي واندليت دربي: فلكلور عراقي في التسعينيات، ومثله (گَلُبْگَلُبْ وين وين غايب عليا يومين؟) قبل 15 سنة!

ونيال گَلْبك: أي هنيئاً له، وتقال: للمرتاح،والمطنش، والفرحان والمغلس، ونيال گَلْبهُم بالفعل لأن (ناس تاكل بالدجاج، وناس تتلكه العجاج).

    وگَلْبي ملچوم أو مچوي: أي مكلوم ومكوي، وتقال لتجربة مريرة سابقة، ترافق في العادة تصريحات القادة، وترقيعات الشيوخ والسادة…

    وختاماً…نزول على گَلْبَكإذا رحت بعيد عزيز القارئ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق