تحقيق

عندما وقعتُ بين طارق عزيز ورولف إيكيوس

وكانت فرنسا خلال الشهر الذي جرت فيه أحداث هذه القصة تتولى رئاسة مجلس الأمن، ويمثلها السفير جان برنارد ميريميه مع كل تعاطف فرنسا مع موقف العراق آنذاك.

الذي حصل أن أبا يزن قال لي إنَّ السفير ميريميه لمَّح في حديث له في مشاورات مغلقة الى ضرورة تنحية رولف إيكيوس عن رئاسة اللجنة الخاصة المعنية بنزع أسلحة العراق ذات الدمار الشامل.

التقطتُ الملاحظة من نائب المندوب الدائم لجمهورية جيبوتي أبي يزن وكتبتها في خبر منفرد تتقدمه ملاحظة ( للعلم فقط رجاءً ولا يذاع أو ينشر) وهي ملاحظة اعتدنا في واع استخدامها في الأخبار الخاصة جداً.

    كانت الاتصالات الهاتفية ضعيفة مع العراق ، مما يضعف الاتصالات بالفاكس سواء مع بغداد أو مع عَمَّان فاضطررت لإملائها  على أحد الزملاء في مكتب عمان ليدونها ثم يرسلها الى مركز واع ببغداد.

    كان معي على الهاتف من الطرف الآخر في عمان فاضل الربيعي الشخص الثاني في المكتب ، وأمليت عليه كل الخبر وفي مقدمته جملة (للعلم فقط رجاءً ولا يذاع ولا ينشر)، وبعدها أرسله الى مركز واع ببغداد.

    كان كل الجهاز الحزبي في العراق آنذاك معبأ ضد رولف إيكيوس ، والمحرر الخافر في واع حزبي متقدم ، وهو حميد علي موسى ، فنشر الخبر الذي اتضح فيما بعد أن فاضل الربيعي في عمان قد كتب كل شيء وأرسل النص كاملاً لبغداد ، لكن حميد علي موسى تصرف وفقاً لموقعه الحزبي وحذف الإشارة بعدم إذاعة الخبر وبثه على شبكة واع الداخلية.

    وكان مكتب اللجنة الخاصة ببغداد يرسل إلى إيكيوس موجزاً بما  تنشره الصحف العراقية والإذاعة والتلفزيون من أخبار ذات صلة باللجنة ونشاطاتها!

    كان الوقت عصراً عندي في نيويورك ، ومساء في بغداد، وأذيع  الخبر ببغداد فالتقطه مكتب اللجنة الخاصة وفورًا أرسله الى إيكيوس في نيويورك ، الذي بدوره نزل مسرعاً من مكتبه إلى مكتب رئيس مجلس الأمن في الطابق الثاني من المبنى وسلمه نسخة من الخبر باللغتين العربية والانجليزية الذي أذيع من بغداد ويتضمن إشارة من رئيس المجلس ،الفرنسي ميريميه بالرغبة في استبدال إيكيوس في اللجنة الخاصة.

    لم أكن أدري بكل هذه التطورات لأنني كنت ما زلت أتابع الأخبار في مكتب واع بالطابق الرابع في المبنى، وفجأة رنَّ جرس الهاتف فإذا بالسفير نزار حمدون يقول لي إن ( الأستاذ طارق عزيز يتحدث اليك).

   سمعت صوت نائب رئيس الوزراء  حينئذ على الهاتف وهو يقول (مليح لا نريد تخريب علاقاتنا مع فرنسا)، فوقعت في ورطة تأريخية!

    وبعد أن أبلغني بمضمون الخبر الذي أرسله السفير الفرنسي إليه بالفاكس، قلت له بأنني حذرت مركز واع من نشر الخبر فطلب مني نَصَّه على فاكس منزل السفير نزار حمدون فتم ذلك وفيه جملة ( للعلم فقط رجاء لا يذاع ولا ينشر) واضحة جداً.

    وواصل طارق عزيز اتصالاته مع وزير الاعلام حامد يوسف حمادي ببغداد الذي أوقف إذاعة ونشر الخبر واكتشفَ بأنني لم أكن المُخطئ في هذه الفوضى.

   بقي أنْ أعيش الساعات القليلة القادمة بانتظار بدء دوام اليوم التالي في بغداد لكي أتحدث مع المدير العام هاتفياً وكان الوقت عندي الساعة الحادية عشرة ليلاً عندما حققت اتصالا هاتفياً ببغداد فأبلغني المدير العام بأنه قد تم اتخاذ الإجراءات اللازمة بوقف ترويج الخبر وعليَّ الذهاب إلى البيت للراحة.

   وحصل أن بعض دبلوماسيي البعثة العراقية قد صبّوا الزيت على النار فرحاً بما تعرضتُ له من مشكلة كبيرة ليتخلصوا من سرعة إيصال ما يحصل في الأمم المتحدة بخصوص العراق الى بغداد حيث تقوم واع فوراً بتوزيعه على المسؤولين وبضمنهم وزير الخارجية قبل أنْ ترسل البعثة تقريرها بهذا الخصوص وأحياناً بعد ساعات من وصول خبري الى بغداد لأن الدبلوماسي المعني بالموضوع يكتب على الورق ولا يعرف الكتابة على الآلة الطابعة ثم يعرض التقرير بعد طباعته على السفير لإقراره والتوقيع عليه ثم إرساله الى وزارة الخارجية ببغداد.

    وبالرغم من تلك الضغينة ، فقد تبيَّن لاحقاً أنَّ السفير الفرنسي ميريميه فعلاً، قال ما نسبتُه أنا إليه ، ولكن ليس داخل المشاورات الرسمية لمجلس الأمن، بل في حديث جانبي مع عدد من السفراء والدبلوماسيين.

مقالات ذات صلة