ترجمة

شلومو بن عامي..مفكّر إسرائيلي: لم تكن إيران لتستسلم بسهولة!  

       قال شلومو بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، ومؤلف كتاب (أنبياء بلا شرف: قمة كامب ديفيد عام 2000 ونهاية حل الدولتين): عندما اندلعت أنباء وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، تذكّرتُ حواراً أورده العقيد الأمريكي هاري سامرز عام 1982. قال لمقابله، وهو عقيد سابق في فيتنام الشمالية: “أنتم لم تهزمونا أبداً في ساحة المعركة”. فجاءه الرد القاطع: “نعم، لكننا ربحنا الحرب“.

    وتابع بن عامي قائلاً في مقال نشرته صحيفة “ذا گلوب أند ميل” الكندية: لا مجال للخطأ، إن هذا الاتفاق يكرّس الهزيمة الاستراتيجية للتحالف الأمريكي–الإسرائيلي في إيران. وستُذكر هذه الحرب بوصفها حلقة جديدة من سقوط الدول القوية في فخ الحروب غير المتكافئة، حيث تفشل أقوى الجيوش دائماً في تحويل مكاسبها التكتيكية إلى انتصارات استراتيجية.

     وأكد الوزير الإسرائيلي السابق أن معارضي ترامب انتقدوا الكيفية التي يمكن أن تكون بها الولايات المتحدة قد أصبحت في وضع أفضل بعد حربها مع إيران. وبيّن أن مبادئ الحرب، التي وضعها كارل فون كلاوزفيتز عام 1812، توضح أن تدمير قوات العدو يجب أن يُحدث أثراً حاسماً في إرادته على المقاومة. غير أن الحروب غير المتكافئة تتحدى هذه القاعدة الخاصة بـ«المعركة الحاسمة»، ولم يكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن إيران ستكون استثناءً. فحضارة يحركها حماس أيديولوجي، وقد صمدت عبر قرون من حروب البقاء، لم تكن لتستسلم بسهولة. ودولة ضحّت بنحو 750 ألفاً من أبنائها، بينهم آلاف الأطفال، خلال حربها التي استمرت ثماني سنوات مع العراق في الثمانينيات، كانت دائماً تمتلك أفضلية هائلة على خصوم ينهارون تحت الأثر العاطفي لبضع عشرات من التوابيت. كما أن نظاماً قتل عشرات الآلاف من مواطنيه خلال 48 ساعة فقط في يناير، لم يكن ليتأثر بتهديدات تستهدف المدنيين.

       ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل -يقول شلومو بن عامي- قد قتلتا جزءاً  كبيراً من القيادة السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، ودمّرتا جزءاً  كبيراً من قدراتها العسكرية، فإن النظام خاض حرب استنزاف ضد الاقتصاد العالمي عبر تعطيل المرور في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، تمكنت إيران من تعزيز ميزانيتها؛ فهي الآن تجني ما يقارب ضعف عائداتها من النفط مقارنة بما قبل الحرب، إلى جانب تحقيق أرباح من فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق. وفوق كل ذلك، فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أي من أهدافهما الحربية. وحتى إعادة فتح المضيق لا يمكن اعتبارها انتصاراً، لأنه كان مفتوحاً قبل الحرب. أما قدرات إيران الصاروخية الباليستية ومخزونها من اليورانيوم المخصب، فما تزال قضية ستُعالج عبر الدبلوماسية.

      وشدّد الكاتب الإسرائيلي على القول: لقد تغيّرت الوجوه التي تقود إيران، لكنها ليست أكثر اعتدالاً من سابقاتها. فقد تحوّلت الجمهورية الإسلامية إلى ديكتاتورية عسكرية صريحة، حيث يوفر رجال الدين الشرعية الدينية للحرس الثوري الإسلامي المتشدد. أما التداعيات الإقليمية الأوسع، فهي ليست في صالح الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً. فمن المرجح أن تؤدي الحرب إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط. وقد تتعزز العلاقات بين الدول الأكثر تحدياً للنظام العالمي الذي يقوده الغرب – الصين، وإيران، وروسيا، وكوريا الشمالية – وتزداد صلابتها.

      وضمن تصوراته الاستراتيجية لتحولات المنطقة قال بن عامي: في الوقت نفسه، قد تبدأ دول الخليج، التي تحملت وطأة الضربات الانتقامية الإيرانية، في النظر إلى القواعد العسكرية الأمريكية بوصفها عبئاً أكثر منها وسيلة ردع فعالة، وتسعى إلى تنويع تحالفاتها. وقد تفكر في التقارب مع قوة إقليمية مثل تركيا، التي تربطها بالفعل علاقات بمجلس التعاون الخليجي، أو مع باكستان، التي لديها معاهدة دفاع مع السعودية وأظهرت استعداداً لمشاركة خبراتها النووية مع الدول الإسلامية. بل إن احتمالات انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط قد ازدادت الآن، إذ بدأ القادة في إيران وغيرها ينظرون إلى السلاح النووي بوصفه الضمانة القصوى.

      أما بالنسبة لإسرائيل -يؤكد الوزير الإسرائيلي الأسبق- فإنه ما لم تُحاسِب بنيامين نتنياهو على قيادته البلاد إلى الهاوية، فإن ديمقراطيتها

ستكون مهددة. فقد مزّق رئيس الوزراء، بسياساته العنيفة وسيئة التقدير، مجتمعاً كان متماسكاً، وأضعف مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة إلى حد أن اغتراب الأمريكيين بات يشكل تهديداً استراتيجياً. كما أن محاولته استخدام إيران لصرف الانتباه عن تصاعد العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين – وهو أمر كان أساسياً لبقائه السياسي – لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الكارثة. وخلال الحرب الباردة، أدرك الدبلوماسي والاستراتيجي الأمريكي الراحل جورج كينان أن الاختلالات الداخلية والتوسع المفرط خارجياً سيؤديان في نهاية المطاف إلى انهيار الاتحاد السوفيتي من تلقاء نفسه. ولذلك ركّز على احتواء التوسع السوفيتي مع تجنب مواجهة عسكرية غير ضرورية.   

مقالات ذات صلة